العنوان سياحة القلب المؤمن
الكاتب بابكر العوض العبد الله
تاريخ النشر الثلاثاء 31-يناير-1978
مشاهدات 104
نشر في العدد 384
نشر في الصفحة 23
الثلاثاء 31-يناير-1978
مواقف خالدة.. سعيد بن عامر الجمحي رضى الله عنه
صحابي اشترى الآخرة بالدنيا وانتقل الرسول صلى الله عليه وسلم إلى جوار ربه وهو عنه راضٍ. الأمير الفقير الذي يخبز لأهله وليس له إلا ثوب واحد.
الأمير الذي جعل ليله لربه ونهاره لرعيته.
سبب إسلامه:
كان سعيد بن عامر الجمحي واحدًا من الآلاف المؤلفة الذين خرجوا إلى منطقة التنعيم في ظاهر مكة، بدعوة من زعماء قريش ليشهدوا مصرع خبيب بن عدى أحد أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم بعد أن ظفروا به غدرًا، وقد مكنه شبابه الموفور وفتوته المتدفقة من أن يزاحم الناس بالمنكب، حتى حاذى شيوخ قريش من أمثال أبي سفيان بن حرب وصفوان بن أمية وغيرهما ممن يتصدرون الموقف، وقد أتاح له ذلك أن يرى أسير قريش مكبلًا بقيوده وأكف النساء والصبيان والشبان تدفعه إلى ساحة الموت دفعًا؛ لينتقموا من محمد في شخصه وليثأروا لقتلاهم في بدر بقتله. ولما وصلت هذه الجموع الحاشدة الحاقدة بأسيرها إلى المكان المعد لقتله، وقف الفتى سعيد بن عامر بقامته الممدودة يطل على خبيب وهو يقدم إلى خشبة الصلب، وسمع صوته الثابت الهادئ من خلال صياح النسوة- والصبيان وهو يقول: إن شئتم أن تتركوني أركع ركعتين قبل مصرعي فافعلوا، ثم نظر إليه وهو يستقبل الكعبة ويصلي ركعتين يا لحسنهما ويا لتمامهما، ثم رآه يقبل على زعماء القوم ويقول: والله لولا أن تظنوا أني أطلت الصلاة جزعًا من الموت لاستكثرت من الصلاة، ثم شهد قومه بعيني رأسه وهم يمثلون بخبيب حيًا، فيقطعون من جسده القطعة تلو القطعة وهم يقولون له: تحب أن يكون محمد مكانك وأنت ناجٍ؟ فيقول والدماء تنزف منه: والله ما أحب أن أكون آمنًا وادعًا في أهلي وولدي وأن محمدًا يؤخذ بشوكة.
فيلوح الناس بأيديهم في الفضاء ويتعالى صياحهم أن اقتلوه.. اقتلوه، ثم رفعوه إلى خشبة فلما أوثقوه قال: اللهم إنا قد بلغنا رسالة رسولك فبلغه الغداة ما يفعل بنا.
ثم قال:
لقد جمع الأحزاب حولي وألبوا
قبائلهم واستجمعوا كل مجمع
وكلهم مبدي العداوة جاهد
عليَّ لأني في وثاق بمضيع
وقد جمعوا أبناءهم ونساءهم
وقربت من جذع طويل ممنع
فذا العرش صبرني على ما يراد بي
فقد بضعوا لحمى وقد يأس مطمعي.
وذلك في ذات الإله وإن يشأ
يبارك على أوصال شلو ممزع
وقد خيروني الكفر والموت دونه
وقد هملت عیناي من غیر مجزع
وما بي حذار الموت إني لميت
ولكن حذارى جحم نار ملفع
فلست أبالي حين أقتل مسلمًا
على أي جنب كان في الله مصرعي
فلست بمُبدٍ للعدو تخشعًا
ولا جزعًا إني إلى الله مرجعي
ثم أبصر سعيد بن عامر خبيبًا يرفع بصره إلى السماء من فوق خشبة الصلب ويقول: اللهم أحصهم عددًا واقتلهم بددًا ولا تغادر منهم أحدًا، ثم لفظ أنفاسه الأخيرة وبه ما لم يستطع إحصاءه من ضربات السيوف وطعنات الرماح.
عادت قريش إلى مكة ونسيت في زحمة الأحداث الجسام خبيبًا ومصرعه، لكن الفتى اليافع سعيد بن عامر لم يغب- خبيب- عن خاطره لحظة، كان يراه في حلمه إذا نام ويراه بخياله وهو مستيقظ ويمثل أمامه وهو يصلي ركعتيه الهادئتين المطمئنتين أمام خشبة الصلب، ويسمع رنين صوته في أذنيه وهو يدعو على قريش فخشي أن تصعقه صاعقة تخر عليه صخرة من السماء.
الدروس التي تعلمها من خبيب الشهيد:
إن خبيبًا علم سعيدًا ما لم يكن يعلم من قبل:
1- علمه أن الحياة الحقة عقيدة وجهاد في سبيل الله.
۲- علمه أن الإيمان الراسخ يفعل الأعاجيب ويصنع المعجزات.
۳- علمه أن الرجل الذي يحبه أصحابه كل هذا الحب إنما هو نبي مؤيد من السماء.
عند ذلك شرح الله صدر سعيد إلى الإسلام، فقام في ملأ من الناس وأعلن براءته من آثام قريش وأوزارها، وخلعه لأصنامها وأوثانها، ودخوله في دين الله. هاجر سعيد بن عامر إلى المدينة ولزم رسول الله صلى الله عليه وسلم وشهد معه خيبر وما بعدها من الغزوات. ولما انتقل النبي الكريم إلى جوار ربه وهو راضٍ عنه ظل من بعده سيفًا مسلولًا في أيدي خليفتيه أبي بكر وعمر رضي الله عنهما. وعاش مثلًا فريدًا فذًّا للمسلم الذي اشترى الآخرة بالدنيا، وآثر مرضاة الله وثوابه على سائر رغبات النفس وشهوات الجسد.
نصحه لعمر بن الخطاب عند توليه الخلافة:
دخل على عمر بن الخطاب في أول خلافته فقال: يا عمر.. أوصيك بأن تخشى الله في الناس ولا تخشى الناس في الله، وألّا يخالف قولك فعلك فإن خير القول ما صدقه الفعل. يا عمر: أقم وجهك لمن ولاك الله أمره من بعيد المسلمين وقريبهم، وأحب لهم ما تحب لنفسك وأهل بيتك واكره ما تكره لنفسك وأهل بيتك، وخض الغمرات إلى الحق ولا تخف في الله لومة لائم. فقال عمر: ومن يستطيع ذلك يا سعيد؟
فقال: يستطيعه مثلك ممن ولاه الله أمر أمة محمد وليس بينه وبين الله أحد.
سعيد أمير على حمص:
دعا عمر بن الخطاب سعيد بن عامر إلى مؤازرته وقال يا سعيد إنا مولوك على أهل حمص، فقال يا عمر: نشدتك الله ألا تفتنني فغضب عمر وقال: ويحكم.. وضعتم هذا الأمر في عنقي ثم تخليتم عني والله لا أدعوك. ثم ولاه على حمص وقال: ألا نفرض لك رزقًا؟ قال: وما أفعل يا أمير المؤمنين؟ فإن عطائي من بيت المال يزيد عن حاجتي ثم مضى إلى حمص.
-الأمير الفقير:
مكث سعيد في حمص فترة قليلة ثم وفد إلى أمير المؤمنين بعض من يثق بهم من أهل حمص، فقال لهم اكتبوا لي أسماء فقرائكم حتى أسد حاجتهم ورفعوا إليه كتابًا فإذا فيه: فلان وعلان وسعيد بن عامر، فقال: ومن سعيد بن عامر؟
فقالوا: أميرنا، قال: أميركم فقير؟
قالوا: نعم، ووالله إنه ليمر عليه أيام طوال ولا يوقد في بيته نار. فبكى عمر حتى بللت دموعه لحيته ثم عمد إلى ألف دينار فجعلها في صرة وقال اقرأوا عليه السلام مني وقولوا له: بعث إليك أمير المؤمنين بهذا المال لتستعين به على قضاء حاجاتك.
جاء الوفد لسعيد بالصرة فنظر إليها فإذا فيها دنانير فجعل يبعدها عنه وهو يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، كأنما نزلت به نازلة أو حل بساحته خطب. فهبت زوجته مذعورة وقالت: ما شأنك يا سعيد أمات أمير المؤمنين؟ قال: بل أعظم من ذلك. قالت: أأصيب المسلمون في وقعة؟ قال: بل أعظم من ذلك قالت: وما أعظم من ذلك؟ قال: دخلت على الدنيا لتفسد آخرتي وحلت الفتنة في بيتي، قالت: تخلص منها، وهي لا تدري من أمر الدنانير فجعلها في صرر ثم وزعها على فقراء المسلمين.
شكوى أهل حمص أميرهم لعمر:
زار عمر بن الخطاب رضي الله عنه ديار الشام يتفقد أحوالها، فلما نزل في حمص وكانت تدعى الكوفية، وهو تصغير للكوفة وتشبيه لحمص بها لكثرة شكوى أهلها من عمالهم وولاتهم كما كان يفعل أهل الكوفة. فلما نزل بها لقيه أهلها بالسلام عليه، فقال: كيف وجدتم أميركم؟ فشكوه إليه وذكروا له أربعًا من أفعاله كل واحد منها أعظم من الآخر.
قال عمر: فجمعت بينه وبينهم ودعوت الله ألّا يخيب ظني فيه. فقد كنت عظيم الثقة به. فلما أصبحوا عندي هم وأميرهم قلت: ما تشكون من أميركم؟ قالوا: لا يخرج إلينا حتى يتعالى النهار فقلت: وما تقول في ذلك يا سعيد؟ فسكت قليلًا ثم قال: والله إني كنت أكره أن أقول ذلك أما إنه لا بد منه فإنه ليس لأهلي خادم فأقوم في كل صباح فأعجن لهم عجينهم ثم أتريث قليلًا حتى يختمر ثم أخبزه لهم ثم أتوضأ وأخرج للناس.
قال عمر فقلت لهم وما تشكون منه أيضًا؟ قالوا: إنه لا يجيب أحدًا بليل قلت ما تقول في ذلك يا سعيد؟ قال: إني والله كنت أكره أن أعلن هذا أيضًا فأنا قد جعلت النهار لهم والليل لله عزَّ وجلّ.
قلت: وما تشكون منه أيضًا؟ قالوا إنه لا يخرج إلينا يومًا في الشهر قلت وما هذا يا سعيد؟ قال: ليس لي خادم يا أمير المؤمنين وليس عندي ثياب غير التي عليَّ فأنا أغسلها في الشهر مرة وأنتظرها حتى تجف ثم أخرج إليهم في آخر النهار، ثم قلت وما تشكون منه أيضًا؟ قالوا: تصيبه من حين إلى آخر غشية فيغيب عمن في مجلسه. فقلت: وما هذا يا سعيد؟
فقال: شهدت مصرع خبيب بن عدى وأنا مشرك، ورأيت قريشًا تقطع جسده وهي تقول أتحب أن يكون محمد مكانك؟ فقال والله ما أحب أن أكون آمنًا في أهلي وولدي وأن محمدًا تشوكه شوكة، وإني والله ما ذكرت ذلك اليوم وكيف أنسى تركت نصرته إلا ظننت أن الله لا يغفر لي وأصابتني تلك الغشية.
عند ذلك قال عمر: الحمد لله الذي لم يخيب ظني به. ثم بعث له بألف دينار ليستعين بها على حاجته. فلما رأتها زوجته قالت له: الحمد لله الذي أعفانا عن خدمتك، اشترِ لنا مؤونة واستأجر لنا خادمًا. فقال لها: وهل لك فيما هو خير من ذلك؟
قالت: وما ذاك؟ قال: ندفعها إلى من يأتينا بها ونحن أحوج ما نكون إليها.
قالت: وما ذاك؟ قال: نقرضها الله قرضًا حسنًا قالت: نعم. وجزيت خيرًا، فما غادر مجلسه الذي هو فيه حتى جعل الدنانير في صرر وقال لواحد من أهله: انطلق بها إلى أرملة فلان وإلى أيتام فلان وإلى مساكين آل فلان وإلى مبتلى آل فلان.
رضى الله عن سعيد بن عامر الجمحي فقد كان من الذين يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة.
وإلى اللقاء في حلقة قادمة ومع موقف خالد بإذن الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل