; سورية.. الشعب.. رأس مال الحاكم | مجلة المجتمع

العنوان سورية.. الشعب.. رأس مال الحاكم

الكاتب محمد الحسناوي

تاريخ النشر الثلاثاء 11-يوليو-2000

مشاهدات 63

نشر في العدد 1408

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 11-يوليو-2000

ليس كل مواطن يرغب، أو يملك الأهلية لكي يكون رئيس جمهورية، لكن كل مواطن يرغب أن يكون رئيس الجمهورية صدى لاختياره الحر، واستجابة لرغباته وتطلعاته الفردية والجمعية، فإذا صدف أن جاء رئيس جمهورية عن غير طريق الاختيار الحر لأفراد الوطن وجماهيره، فهل يمكن تجسير هذه الهوة بين المواطن ورئيسه وبين الرئيس وكل مواطنيه؟!

هذه المقولة هي المطروحة الآن على الساحة السورية.

خلف الرئيس السابق تركة، بعضها طريقة توريث السلطة، فهل كل التركة قسرية مثل هذه المسألة؟ ليس الأمر كله كذلك، فالرئيس الجديد بعد أن صار رئيسًا، يتعين عليه أن يعطي هذا المنصب حقه من المصداقية والامتلاء، وإلا فإن قوانين الأواني المستطرقة سوف تعمل عملها في بنيان السلطة كلها بدءًا من قمة الهرم.

قبل أن يتسلم الرئيس الجديد المقاليد، أمسك ملف الفساد، وهذا بقدر ما هو مؤشر هو أيضًا تسلسل منطقي للأولويات، إن الفساد بقدر ما هو داء عالمي، هو أيضًا بعيد الجذور، متنوع المظاهر، واسع الطيف في قطرنا بالذات.

هناك الفساد الإداري: من هدر للمال العام، أو اختلاسه، وهناك استبعاد الأكفاء وتقديم المحاسيب والأقارب وتشكيل العصابات والكتل المنتفعة، كتل المافيا والفئة والدفاع عن المكتسبات، واستدراج الأبرياء بالإفساد أو التغرير أو التعميم لطمس الجريمة أو تسييسها والاستسلام لشيوعها أو طغيانها.

وهناك فساد الحاشية والأعوان: الذين يزينون للمسؤول أعماله بالنفاق أو التستر على التجاوزات أو خلط المصالح الخاصة بالمصالح العامة، أو الابتزاز في تأزيم الظروف الأمنية أو الاقتصادية أو الاجتماعية لإدامة وضع استثنائي أو توسيع دائرة المافيا وشبكات الأجهزة المرتزقة باسم الدفاع عن النظام وحماية الثورة، وتجفيف المنابع... إلخ.

وهكذا مثلما توجد طبقة طفيلية منتفعة بالفساد المالي والإداري، تحاذيها وتوازيها طبقة أخرى من طفيليات الأجهزة القمعية، وهي لا تقل خطورة عن تلك، إن لم تكن أشد فتكًا وإيذاء للرئيس ولعلاقته بشعبه فضلًا عن مواطنيه أنفسهم!

وهناك الفساد الهيكلي أو البنيوي: الذي يتمثل بتداخل السلطات «التشريعية- التنفيذية- القضائية» أو هيمنة بعضها على بعض، لدرجة الإلغاء أو التعطيل، وإلا فما معنى وجود مجلس شعب لا يملك من أمر الشعب وحرياته ومصيره شيئًا؟ هل مهمة مجلس الشعب أن ينقل رغبات وأوامر الرئيس أو الحزب الحاكم إلى الشعب ليستفتي الشعب حول أمور تحتاج إلى فحص و درس قانونيين أو عسكريين أو فقهيين أو غير ذلك؟ ولماذا لا يكون تعيين رئيس الوزراء وأعضاء الوزارة ومحاسبتهم وإعفاؤهم من صلاحيات مجلس الشعب؟

ما دام الحزب الحاكم هو «القائد للدولة والمجتمع» فما الحاجة لمجلس الشعب، وما الحاجة للقضاء والمحاكم؟! وهل هذا يفسر تأميم الصحافة وأجهزة الإعلام بأنواعها، وتحجيم الأحزاب المشاركة في الجبهة الوطنية التقدمية، ورفض الرأي الآخر المتمثل بطيف المعارضة الواسعة «من إسلامية وقومية وماركسية وليبرالية»؟ أليس الرأي الآخر صادرًا عن مواطنين لا يقلون وطنية وإخلاصًا عن الحزب الحاكم وجبهته التقدمية؟ وكيف يتبين صواب الاجتهاد السياسي الداخلي والخارجي بغير مداولة معلنة مفتوحة؟ وإذا كان الحكم الفصل أولًا وآخرًا هو الشعب، فكيف يكون الوقوف على رأي الشعب حقيقة وصراحة بغير ضغط ولا تزوير ولا تحير في ظل هذه المركزية، أو الفساد البنيوي؟!

هناك الآن مئات المعتقلين «في سجون الرأي» والمشردين القسريين خارج القطر، أليسوا أيضًا مواطنين؟ ومتى كان الخلاف في الرأي سببًا كافيًا للاستبعاد لا سيما إذا كان هذا الرأي معززًا بالخبرات وبالسابقة الوطنية، وبالتزام الشرعية الدستورية والتداول السلمي للسلطة والحوار الوطني، والاحتكام للشعب أو القضاء العادل؟

هذه بعض جوانب الفساد وتجلياته على الساحة السورية الداخلية، وهي بعض من الشركة التي يتصدى لحملها الرئيس الجديد، وهي تحديات حقيقية لنواياه واستعداداته وظروفه المحيطة به، كما هي- أيضًا- تحديات للآخرين شركاء الوطن الذين نزل بهم حيف أو نالهم الفساد بنابه.

أول سؤال يخطر على البال: هل يستسلم الفساد ورموزه وشبكاته ومؤسساته للتصحيح أو العلاج؟ وهل يمكن تخليص التركة من عقدها وعقابيلها دفعة واحدة؟ وهل من المصلحة العامة إجراء مائة عملية قيصرية في مستشفى واحد في يوم واحد؟ وبمعنى آخر هل يحسن فتح أكثر من جبهة داخلية مع تحديات الجبهة الخارجية واستحقاقاتها؟

السؤال الأشد خطورة: كيف يعالج مثل هذا الفساد العام بأجهزة هي نفسها فاسدة، أو راعية للفساد، أو أنشئت أصلًا على فساد؟

لقد واجه الخليفة علي بن أبي طالب- رضي الله عنه- مثل هذه الإشكالية حتى قال: «ولكن لا رأي لمن لا يطاع!».. وحين سئل عن سبب الاستجابة لأصحابه أبي بكر وعمر وعثمان- رضي الله عنهم- وسبب إعراض البعض عنه قال: «كنت أنا وعمر وعثمان وأمثالنا جنودًا لأبي بكر، أما جنودي فهم أنتم»!

فمن مخلفات التركة أن هناك من يخوفون من العنف السياسي أو يتخوفون منه، وهذه موضة العولمة والعصر القطبي الاستقطابي الجديد، فنقول: إن تاريخ العنف السياسي في سوريا الحديثة معلوم أنه عنف طارئ، حقيقته وبدايته خلاف في الرأي أولًا، وقمع عنيف للرأي الآخر ثانيًا، ثم استحداث لأجهزة أمنية متعددة أخطبوطية ثالثًا، ولما كان أصحاب الرأي الآخر ليسوا أفرادًا، وإنما هم معبرون عن آراء الشعب الواسع، فاقتضى وجود مثل هذه الأجهزة ظهور الاحتقان السياسي الشعبي الذي كلف السلطة تكاليف أورثتها عزلة وأورثت الوطن والشعب تراجعًا وهدرًا في الأنفس والأموال والثمرات.

إذا لملم المجروحون جراحاتهم، وتحاملوا عليها من أجل المصلحة العامة، ومن أجل فتح صفحة جديدة، فهل يملك صاحب القرار تصحيح المعادلة الوطنية بإعادة الأمور إلى نصابها والتخلص من مسببات العنف وأجهزته المرتزقة به، الساهرة على استدامته والانتفاع بثماره الشيطانية؟! أو هل يستطيع إضفاء نواياه الحسنة على الأطراف كلها، بما فيها هذه الأجهزة التي لا ترحم أحدًا، ولا ترحم سدنتها؟ ألا ما أثقل التركة على حاملها كيفما كانت نواياه، فكيف إذا كانت نواياه حسنة؟!

إن طغاة الفساد والمليارديرات- على كثرتهم- يظلون معدودين على الأصابع.. بالنسبة إلى الكثرة الكاثرة من جماهير الشعب المضام، وإن المجرم أي مجرم في حقيقته ضعيف أمام نفسه، وضعيف أمام الآخرين، لكنه في الوقت نفسه غادر ظلوم فنان إذا استطاع أن يستخدم مخالبه:

وإذا ما خلا الجبان بأرض****طلب الطعن وحده والنزالا

إن زبانية الفساد يقولون للحاكم: نحن عينك التي تنظر بها، ونحن ذراعك التي تبطش بها، وأذنك التي تسمع بها، وبالنتيجة نحن عقلك الذي تفكر به، وتختار، وتخطط، فهل هذا، صحيح؟!

إن قانون «إعلان حالة الطوارئ» اسمه ومضمونه «طوارئ» أي ظروف استثنائية عابرة لا ثلاثين سنة أو الأبد، وإن الأجهزة الأمنية إنما وجدت للتجسس على الأعداء الخارجيين، لا على المواطنين، فإذا انقلبت الصورة صار من الضروري العودة إلى الأصول، وتصحيح المعوج، ولا مانع من اللجوء إلى الحكمة والتدرج، وتقديم الأولى على الأول كإطلاق سراح معتقلي الرأي، وعودة المشردين، وإلغاء قانون «49»، ووضع ميثاق شرف وطني عام يلتزم به كل الأطراف الوطنية الشريفة للقيام بنهوض عام إن شاء الله.

(*) كاتب سوري

الرابط المختصر :