; سوريا وإسرائيل ... سباق التسلح يطغي على دعوات السلام | مجلة المجتمع

العنوان سوريا وإسرائيل ... سباق التسلح يطغي على دعوات السلام

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 07-سبتمبر-1999

مشاهدات 83

نشر في العدد 1366

نشر في الصفحة 20

الثلاثاء 07-سبتمبر-1999

في الوقت الذي تتردد فيه دعوات السلام بين سوريا وإسرائيل، ينطلق على الجانب الآخر من الصورة سباق تسلح محموم بين البلدين بصورة توحي بالاستعداد للحرب وليس للسلام أو أنهما لا يريان انفصالًا واضحًا بين الحالتين.

والأمر الأساسي الذي يحكم العلاقة بين سوريا وإسرائيل ويفسر الكثير من تحركاتهما وتصرفاتهما أن كلًا منهما يسعى لإفهام الآخر أنه ينطلق في التعامل معه من منطلق قوة وثبات على الموقف، ولهذا لم يكن غريبًا أن رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود بارك قد حرص على أن يعقد صفقة عسكرية إستراتيجية حيوية مع الولايات المتحدة خلال زيارته الأخيرة لها تلك الزيارة التي كانت بهدف أساسي معلن هو البحث في دفع عملية الصلح إلى الأمام، وكان عقد هذه الصفقة ردًا على صفقة الأسلحة الروسية، السورية التي عقدها الرئيس الأسد خلال زيارته الأخيرة لموسكو وواجهت انتقادات أمريكية – إسرائيلية شديدة. 

وكان التبرير الأمريكي والإسرائيلي لصفقة السلاح الأمريكية الإسرائيل عاكسًا بوضوح التداخل الشديد بين مفاهيم الحرب والسلام وبين دمشق وتل أبيب فقد برر باراك الصفقة بأنها في إطار «تقليل أخطار السلام»، وثمن للمجازفة به وقالت الولايات المتحدة إنها هدفت من ورائها تشجيع باراك على المضي قدمًا في عملية السلام 

سورية وروسيا: على الرغم من أن الطلب السوري الذي قدم لروسيا في عام ١٩٩٤م بشأن التزود بمنظومة صواريخ جديدة وطائرات مقاتلة نوعية، لم يتلق أي رد روسي الاعتبارات مختلفة تتعلق بالوضع الدولي والرعاية الأمريكية – الروسية المشتركة المفاوضات السلام في الشرق الأوسط آنذاك، فإن تحولًا ملحوظًا قد لحق بالموقف الروسي في أبريل ١٩٩٩م، حيث تلقى سفير روسيا في دمشق برقية عاجلة من موسكو تأمره بالتوجه إلى الرئيس الأسد وإبلاغه بأن القيادة الروسية على استعداد كامل التقديم كل أنواع الأسلحة المتطورة التي تطلبها دمشق بما في ذلك منظومة الصواريخ المضادة للطائرات ومساعدة سورية في مشروع إنتاج صواريخ أرض أرض بعيدة المدى، إذا ما تجاوبت القيادة السورية مع الخطط الروسية الهادفة إلى تخفيف ضغوط قوات حلف شمال الأطلسي على يوغوسلافيا.

وبناءً على ذلك جاءت زيارة الرئيس السوري حافظ الأسد إلى موسكو في يوليو ١٩٩٩م بعد أحد عشر عامًا على الزيارة الأخيرة للأسد إلى الاتحاد السوفييتي السابق، حيث تم الاتفاق بين الجانبين على تزويد روسيا السورية بصفقة أسلحة تصل قيمتها نحو ملياري دولار.

وقد تعرض كل من سورية وروسيا لضغوطات أمريكية - إسرائيلية شديدة للحيلولة دون إتمام هذه الصفقة، حيث فرضت الولايات المتحدة عقوبات اقتصادية على ثلاث مؤسسات روسية قالت إن لها دورا في نقل معدات عسكرية روسية خاصة صواريخ «كونيت -3» المضادة للدبابات إلى سورية، وخلال زيارة وزير الخارجية السوري فاروق الشرع لموسكو في مارس الماضي هدد مساعد وزيرة الخارجية الأمريكية مارتن أنديك الحكومة الروسية بفقدان مساعدات أمريكية، إذا استمرت في نهجها الخاص بصادرات السلاح إلى سورية، وفي أثناء وجود الأسد في موسكو، قال المتحدث باسم الخارجية الأمريكية جيمس فولي إن بلاده تشعر بالقلق الشديد فيما يتصل بأي مبيعات أسلحة روسية جديدة إلى سورية أو إلى أي دولة أخرى راعية للإرهاب.

ولكن ما تجدر الإشارة إليه هذا هو أن روسيا لم تعبأ بهذه التحذيرات الأمريكية واستمرت في سياستها الداعمة لتصدير السلاح إلى سورية، حيث يرتبط هذا الأمر بالنسبة لها بأمرين أساسيين هما: 

- جانب إستراتيجي يتعلق برغبة روسيا في استعادة دورها في الشرق الأوسط عبر بوابة السلاح، ولا شك أن أي تقارب سوري - أمريكي خلال الفترة القادمة في ظل الإرهاصات الدالة على ذلك سوف يعني مزيدًا من المزايدة الروسية على العلاقة مع دمشق وخاصة في مجال السلاح.

موقف روسيا

الجانب الاقتصادي، حيث تنظر روسيا إلى صفقات الأسلحة على أنها أحد مصادر الموارد المالية التي تساعدها على الخروج من أزمتها الاقتصادية خاصة مع تردد الغرب في إمدادها بالمساعدات اللازمة وحرصه على إضفاء الصبغة السياسية التي تصل إلى درجة ممارسة الضغط والابتزاز السياسي، وفي ذلك قال أحد الدبلوماسيين الروس في دمشق وهو ميخائيل ليبيدوف ردًا على الضغوطات الأمريكية على بلاده «إننا نشجب أي ضغط يهدف إلى منع النشاط التجاري مع شركائنا الاستراتيجيين».

أما بالنسبة لسورية فإنها تبغي من وراء تنشيط علاقاتها مع موسكو الآتي:

أولًا: شراء أسلحة بقيمة ملياري دولار تدعم موقفها العسكري في حال بدء المفاوضات مع الجانب الإسرائيلي الذي أعلن أكثر من مرة على لسان رئيس الوزراء الإسرائيلي الجديد إيهود باراك أنه يسعى لعقد اتفاق سلام مع سورية بشأن مرتفعات هضبة الجولان.

ومما يجعل السعي السوري لشراء الأسلحة مكثفًا هو حاجتها بصورة ماسة في الوقت الحاضر إلى تحديث قواتها المسلحة وتزويدها بأنظمة ومعدات جديدة إذ توقفت هذه العملية بشكل كامل تقریبًا اعتبارًا من مطلع التسعينيات.

ولم تتلق القوات السورية منذ انهيار الاتحاد السوفييتي وانتهاء حقبة الحرب الباردة في مطلع التسعينيات، أي دعم عسكري يذكر من روسيا، واقتصر ما حصلت عليه منها خلال السنوات الماضية على كميات محدودة جدًا من الذخائر وقطع الغيار إلى جانب صفقات صغيرة نسبيًا تم التعاقد عليها مع دول مثل سلوفاكيا وبيلاروسيا وحصلت دمشق بموجبها على كميات محدودة من الدبابات والمعدات الثانوية المتنوعة بينما تركزت الجهود التسليحية السورية خلال ذلك الوقت على تعزيز قدراتها الصاروخية الباليستية بصفة خاصة عن طريق التعاون مع كوريا الشمالية وإيران ومن خلال العمل على إنتاج هذه الصواريخ ورؤوسها الحربية وتجميعها محليًا.

وعلى الرغم من هذا التوجه العسكري السوري نحو امتلاك الصواريخ الباليستية فلا تزال دمشق بحاجة ملحة إلى إدخال أنواع جديدة وأكثر تقدمًا من الأسلحة والأنظمة القتالية إلى خدمة قواتها من أجل الالتحاق بالتطورات الضخمة التي شهدتها الترسانات العسكرية الأخرى في المنطقة ولا سيما الإسرائيلية على صعيد التسلح والتجهيز خلال السنوات الماضية.

ومنذ أواسط التسعينيات كثر الحديث عن اهتمام دمشق بالتوصل إلى اتفاق مع موسكو يتيح للقوات السورية تنفيذ خطط تحديث وتسليح ملحة ترغب في تحقيقه ولا سيما في مجال القوات والدفاعات الجوية والمدرعة، واعتبارًا من عام ١٩٩٦م، تركزت المعلومات التي توافرت في هذا الشأن على ما وصف آنذاك بأنه «برنامج شامل» تعتزم سورية تنفيذه بالتعاون مع روسيا ويتعلق بالتعاقد على شراء أنواع جديدة من الطائرات المقاتلة والدبابات وأنظمة الدفاع الجوي والصواريخ المضادة للدروع إلى جانب تحديث أنواع عدة من الأسلحة والمعدات السوفييتية الأصل العامة في صفوف القوات السورية بقيمة إجمالية قدرت بنحو بملياري دولار.

ديون مستحقة

ثانيًا: الأمر الثاني الذي تهدف إليه سورية من تنشيط علاقاتها مع روسيا هو أنها تسعى لتسوية ديونها المستحقة لموسكو والتي يقدرها الجانب الروسي ما بين ١٢ و١٤ مليار دولار، ويقول إنها قيمة الشحنات التسليحية التي حصلت عليها دمشق من الاتحاد السوفييتي على مدى نحو عقدين من الزمن خلال السبعينيات والثمانينيات.

وقد استطاعت زيارة الأسد الأخيرة لموسكو أن تحل المشكلة حيث أعلن الجانب الروسي على لسان وزير خارجيته إيفانوف أن وزارات معينة من كلا البلدين سوف تبحثان الأمر، كما تحدثت معلومات أخرى أن الجانب الروسي وافق على تخفيض المبالغ التي يتوجب على دمشق في نظره دفعها وتقدر بملياري دولار على أن تتولى طهران ضمان هذه القروض، وفي المقابل وافقت دمشق حسب المعلومات نفسها، على دفع تلك المبالغ بموجب شروط تسهيلية وفوائد مخفضة بعيدة المدى ودمجها مع الدفعات التقسيطية التي ستلتزم بها بموجب العقود.

إسرائيل والولايات المتحدة : خلال زيارته إلى الولايات المتحدة، وقع رئيس الوزراء الإسرائيلي صفقة أسلحة أمريكية قيمتها ٢.٥ مليار دولار وتتضمن ٥٠ مقاتلة من طراز« إف ١٦» وبعض المعدات العسكرية الأخرى، وهذه الصفقة تعطي لتل أبيب الحق في شراء ٩٠ طائرة إضافية خلال ٢٤ شهرًا، وتتمثل خطورة هذه الصفقة في كونها تحقق لإسرائيل مزيدًا من التفوق كميًا ونوعيًا خاصة إذا علمنا أنها الوحيدة في المنطقة التي تملك أكبر أسطول من هذه الطائرات خارج الولايات المتحدة ٢٦٠ طائرة واستلمت أول دفعة منها في أوائل الثمانينيات كما أن هذه الطائرات ستزود بخزانات وقود إضافية بهدف زيادة قدراتها على قطع مسافة أكبر، وكذلك ستجهز بأنظمة رادارات متقدمة تمكنها من رقابة الفضاء المحيط بها بشكل أكثر فاعلية وزيادة معدلات إصابتها للأهداف المقصودة، وهذه التجهيزات المعدلة تجعل الطائرات قادرة على الوصول لإيران والعراق، وتحسن من قدراتها في الطيران ليلًا وحتى في ظروف جوية صعبة، مما يجعلها تماثل طائرات «إف – ١٥».

وعلى الصعيد نفسه أعلنت مؤخرًا وزارة الدفاع الأمريكية أن إسرائيل تسعى إلى شراء ٤٢ صاروخًا من طراز «امرام جو- جو» متوسط المدى يقدر ثمنها بنحو ۱۸ مليون دولار وخطورة هذه الصفقة تتجلى في وصف البنتاجون لها بأنها تعزيز للسياسة الخارجية والأمن القومي الأمريكي، وكان ذلك لا يتحقق إلا عن طريق تزويد دولة تبعد عنها جغرافيًا بمسافة كبيرة، كما أن هذا البيان اعتبر إسرائيل قوة صديقة ومهمة للاستقرار السياسي والتقدم الاقتصادي في الشرق الأوسط وهو ما يجسد الفجوة بين التطلعات العربية لممارسة واشنطن دور محايد في المنطقة وبين هذا الدعم العسكري والسياسي لإسرائيل في ظل استمرار موقفها من عملية السلام الأخطر أن صفقة الصواريخ المذكورة ستسهم فعليًا في تحسين القدرات الدفاعية لأسطول المقاتلات الإسرائيلية من طراز« إف - ١٥ » خاصة أن مدى الصاروخ يصل إلى ٣٠كم.

ومع الربط بين هذه الصفقة من جهة، وإعلان واشنطن موافقتها على طلب تل أبيب للحصول على نظام دفاعي مضاد للصواريخ بقيمة ۲۸۰ مليون دولار من جهة ثانية وشرائها العام الماضي فقط مجموعة من ٢٥ مقاتلة "إف ١٥ أي". وطائرات بمحركين قادرة على قطع مسافة ٤٥٠٠ كم من دون التزود بالوقود بقيمة 10 مليون دولار لكل قطعة من جهة ثالثة لتأكد لنا حقيقة المسعى الإسرائيلي لتكريس تفوقها النوعي وإعلان استعدادها الدائم لخوض حرب شاملة ضد العرب إذا لزم الأمر.

والغريب في الأمر بالنسبة لإسرائيل ليس فقط سعيها الحميم للتسلح في الوقت الذي تدعو فيه للسلام، وإنما إطلاقها للتهديدات وإعلانها عن مزيد من التطور في قدراتها العسكرية بحيث تكون قادرة على شن حرب شاملة ضد العرب فقد أكد الجنرال إينان بن إلياهو قائد سلاح الجو الإسرائيلي في تصريحات له في يونيو ١٩٩٩م.

1- أن سلاح الطيران الإسرائيلي فرغ مؤخرًا من إجراءات استعدادات وتدريبات تمكنه عند الضرورة من مهاجمة قواعد إطلاق صواريخ أرض- أرض بعيدة المدى التي تمتلكها دول شرق أوسطية معاونة لإسرائيل في إشارة إلى سورية والعراق وإيران، كما أن الطيران الحربي الإسرائيلي أحرز قدرة ثابتة على العمل ضد قواعد إطلاق صواريخ أرض- أرض من مسافات قريبة وبعيدة على حد سواء.

تهديد الصواريخ

2- إن ازدياد وتعاظم تهديد صواريخ أرض- أرض ضد الدولة العبرية والتي تمتلكها دول قريبة في المنطقة أو دول ما يسمى بـ «الدائرة الثالث» کإيران على سبيل المثال جعل سلاح الجو الإسرائيلي يوظف خلال السنوات الثلاثة الأخيرة جهدًا حثيثًا ومكثفًا في هذا المجال على مستوى التفكير ووضع الخطط وتحسين الوسائل القتالية وكذلك بناء قدرات تنفيذية لمواجهة هذا التحدي، وأنه نتيجة لهذه الجهود أصبح سلاح الجو يمتلك الآن قدرات تجعله يقاوم أي هجوم بالصواريخ الباليستية.

3-أن خطة سلاح الجو الإسرائيلي المواجهة تهديد الصواريخ هذا تشمل كل مجالات الاستعداد التي تمكنه من القيام إذا ما كلف بذلك مستقبلًابمهاجمة قواعد إطلاق الصواريخ أرض- أرض بعيدة المدى الموجهة نحو إسرائيل.

إن كل ما سبق يشير إلى خصوصية العلاقات بين أطراف عملية السلام في الشرق الأوسط حيث تقسم بانعدام الثقة بينها مما يدفعها إلى الدخول في سباق مستمر للتسلح والغريب أن هذا السباق يزداد عند الحديث عن السلام التحقيق أهداف مختلفة مثل تبرير بعض التنازلات للرأي العام الداخلي، أو تقوية الموقف التفاوضي أو حتى الإفساد بمجرد الدعوة إليه وإنما عندما يتحول إلى شيء مرغوب فيه لا يحتاج التفاوض حوله إلى التأمين ضد أخطاره.

مركز الخليج للدراسات الإستراتيجية

الرابط المختصر :