; سوريا ولبنان: إعادة الانتشار السياسي بعد العسكري | مجلة المجتمع

العنوان سوريا ولبنان: إعادة الانتشار السياسي بعد العسكري

الكاتب هشام عليوان

تاريخ النشر السبت 07-يوليو-2001

مشاهدات 77

نشر في العدد 1458

نشر في الصفحة 34

السبت 07-يوليو-2001

صراع المحاور والقوة.. هل بدأت معركة خلافة لحود؟

في عملية إعادة انتشار القوات السورية المفاجئة في لبنان من الممكن التفريق بين ثلاث مسائل مرتبطة فيما بينها بخيط رفيع: الأولى وجود أزمة بين المسيحيين ودمشق بسبب المطالبة بخروج الجيش السوري إثر انسحاب القوات الإسرائيلية من جنوبي لبنان العام الماضي، والثانية أزمة بين المعارضة والحكم اللبناني أو بين الطبقة السياسية ورئيس الجمهورية على خلفية الدور المتعاظم للأجهزة الأمنية في الحياة السياسية، والثالثة الخلاف المستجد بين المقاومة والقوى السياسية الأخرى بسبب إصرار الأولى على استكمال عملياتها العسكرية ضد الاحتلال في مزارع شبعًا.

على أن المطالبين بخروج القوات السورية العاملة في لبنان يلتقون مع الآخرين الذين ينتقدون أداء رئيس الجمهورية إميل لحود في هذا الملف وغيره ويطلبون كذلك تحرير مزارع شبعا بالطرق الدبلوماسية، أي عبر اعتراف الحكومة السورية بلبنانية المزارع ما يفرض اعتراف الأمم المتحدة بذلك، ويصبح لزامًا على إسرائيل أن تنسحب منها طبقًا للقرار 425 أو أن تعيدها للبنان على أساس القرار 242 لاحقًا.

خيط جامع

أما الخيط الجامع بين المحاور الثلاثة فليس سوى النائب وليد جنبلاط الذي يرفع شعار تصحيح العلاقات اللبنانية السورية عبر إعادة الانتشار وتبديل طريق التعامل السوري مع الملف اللبناني ومكافحة تهريب البضائع بين لبنان وسوريا؛ وهو الذي يلحق بالغ الضرر بالإنتاج الزراعي اللبناني وإعادة النظر بمقولة تحرير مزارع شبعًا بالطرق العسكرية.

لذلك جاءت خطوة إعادة الانتشار مفاجئة لأن أحدًا لا يمكن له أن يتوقع أن تكون مفاعيل المصالحة بين دمشق والزعيم الدرزي وليد جنبلاط قد وصلت إلى الحد الذي تستجيب فيه القيادة السورية بهذه السرعة إلى مطلبه الأساسي وهو تصحيح العلاقات السورية اللبنانية، علمًا أن إعادة الانتشار ليست سوى المظهر العسكري من العملية التصحيحية وربما كان الأقل أهمية فيما بات مطلوباً أكثر تحصين العلاقة السورية اللبنانية المميزة لمواجهة التغيرات المحلية والإقليمية حيث لم تعد تجدي الخطابات القديمة والتي كانت تصلح لفترة سابقة.

بعبارة أخرى، إن خطوة إعادة الانتشار إنْ قُيِّمت من ناحية عسكرية بحتة فهي محدودة الأهمية ولا تعدو أن تكون خطوة تكتيكية معينة لتحسين الأداء العملياتي لا أكثر، وإن قُوبلت بما ينص عليه اتفاق الطائف فهي خطوة جزئية لا بد أن تتبعها خطوات لاحقة ولم تعلن دمشق فيما مضى أن إعادة الانتشار حسب الاتفاق المذكور ستتأخر بسبب الظروف الإقليمية الضاغطة بعد حرب الخليج الثانية واستعار حرب التحرير في جنوب لبنان ما بين عامي 1992م و2000م، ولا أفصحت الحكومة اللبنانية بما يشفي غليل المعارضة في هذا الشأن، بل ظل الموقف اللبناني الرسمي حتى اللحظة الأخيرة هو أن الوجود السوري ضروري وشرعي ومؤقت، أما إعادة الانتشار فقضية يقررها الجيشان اللبناني والسوري لا غير، فيما وجه بيان المطارنة الموارنة في سبتمبر الماضي والذي انتقد سورية بسبب ما اعتبره تلكؤًا متعمدًا عن تطبيق اتفاق الطائف، بالتأكيد على أن الموقف التصعيدي والمعادي لسورية قد أحبط عملية إعادة انتشار للقوات السورية كانت قد بدأت في ربيع العام الماضي وتوقفت بعد انسحاب الصهاينة من الجنوب ووفاة الرئيس السوري. واستؤنفت العملية في الخريف المنصرم ثم توقفت بسبب الحملة المشار إليها والتي ضمت المسيحيين عمومًا والدروز بقيادة النائب وليد جنبلاط.

إن البطريرك الماروني نصر الله صغير -يؤيده في ذلك غالبية المسيحيين- طالب بخروج القوات السورية في نهاية المطاف وبأسرع وقت ممكن، فيما دعا جنبلاط إلى إعادة الانتشار من منظور الدور العسكري المطلوب في لبنان إزاء إسرائيل وتصحيح العلاقات الثنائية.

وعمومًا، فإن الخطوة الأخيرة تسهم من دون شك في رأب الصدع نسبيًّا بين دمشق وبعض حلفاء سورية في لبنان وهم اليساريون إجمالًا: أي الحزب التقدمي الاشتراكي وتيارات أساسية في الحزب الشيوعي ومشتقاته، والذين انضموا أخيرًا فيما يسمى بـ «المنبر الديمقراطي» ومجموعة من الشخصيات المسيحية المعتدلة التي جمعها «لقاء قرنه شهوان» ومن ناحية أخرى، تضعف عملية إعادة الانتشار شوكة القوى المسيحية المتشددة والتي لا ترضى بأقل من خروج سورية من لبنان على الأصعدة كافة وخاصة السياسية منها والأمنية وليس الصعيد العسكري وحسب. 

إعادة انتشار سياسي

 بكلمة أخرى، إن إعادة الانتشار ذات مغزى سياسي مهم للغاية يبشر بإعادة النظر بكيفية تعاطي دمشق مع القوى السياسية اللبنانية لا سيما مع حلفائها التقليديين أي رئيس الحكومة رفيق الحريري والنائب وليد جنبلاط ورئيس مجلس النواب نبيه بري الذين بدوا متضررين من منح رئيس الجمهورية أفضلية على من عداه من الحلفاء الموثوقين، وذلك منذ انتخاب العماد إميل لحود رئيسًا للجمهورية قبل أكثر من عامين، والذين اجتمعوا مؤخرًا في حلف موضوعي هش بعض الشيء لكنه مؤثر في بعض المواقع وأثار اجتماعهم مؤخرًا قلق المعسكر الآخر الذي يمثله رئيس الجمهورية إميل لحود والأجهزة الأمنية التي تلتف حوله وحزب الله والأحزاب الصغيرة المؤيدة لسورية مثل الحزب السوري القومي الاجتماعي وحزب البعث السوري و«الأحباش» أو جمعية المشاريع الخيرية؛ ذلك أن الحلف الثلاثي المشار إليه يملك مع حلفائه المسيحيين غالبية نيابية قادرة على تمرير قوانين الحكومة رغم معارضة رئيس الجمهورية لها، بل إن هذا الحلف يستطيع نظريًّا منح الحكومة الحصانة الكافية للمضي قدمًا في الإصلاحات الاقتصادية ذات الكلفة الاجتماعية العالية الثمن رغم التحفظات التي قد يبديها حزب الله أو رئاسة الجمهورية والدوائر المحيطة به، هذا مع العلم أن الصدام بين هذين المعسكرين يودي حتمًا ليس فقط بالإصلاحات والآمال المعلقة عليها بل يهدد  كيان الدولة نفسها!

معركة رئاسية مبكرة

إن خطوة إعادة الانتشار سبقها احتدام في الموقف الداخلي بين المحورين الرئيسين وقطباهما رئيس الحكومة رفيق الحريري ورئيس الجمهورية إميل لحود، ما استدعى تدخلًا من جانب نائب الرئيس السوري عبد الحليم خدام لمصالحة الرؤساء الثلاثة، أي بإضافة رئيس مجلس النواب نبيه بري الذي مر بفترة جفاء مع الرئيس لحود بسبب ما ورد من اتهامات خطيرة في مجلس النواب أثناء مناقشة موازنة العام الحالي للأجهزة الأمنية اللبنانية، وخاصة ما ذكره النائب باسم السبع الموالي للحريري عن عمليات التنصت التي تقوم بها أجهزة أمنية رسمية على هواتف سياسيين وصحفيين وقضاة بشكل مخالف للقانون والاتهام يطال مباشرة مدير عام الأمن العام اللواء الركن جميل السيد المقرب من الرئيس لحود.

ولا يعود غضب بري فقط إلى تجاهل مصالحه في الجنوب، بل إن المعلومات المتداولة في الصالونات السياسية كانت قد بدأت تشير إلى دور محتمل للواء الركن السيد في خلافة بري على رأس مجلس النواب، وتردد في هذا الإطار أن حلفًا قد انعقد بين الوزير الماروني سليمان فرنجية والسيد يقوم على دعم الثاني للأول ليكون رئيسًا للجمهورية بعد انتهاء ولاية لحود على أن يدعم الأول الثاني ليكون نائبًا ثم رئيسًا للمجلس، ويقال من جهة مقابلة أن اللواء الركن السيد على علاقة حميمة بمسئولين سوريين، وهذا ما يجعله في موقع مميز عن الآخرين، علمًا أن السيد متهم منذ سنوات بالتنصت على مكالمات رئيس الحكومة رفيق الحريري في التسعينيات، وهو ما دفع الحريري إلى معارضة ترقيته إلى رتبة عسكرية أفضل.

توريط حزب الله

واللافت في المنازعات الأخيرة دخول حزب الله على الخط بخلاف سياسة ثابتة اعتمدها منذ وقت طويل وتقضي بالبعد عن المحاور والتحالفات الداخلية حفاظًا على المقاومة وعلى خيار حزب الله تحديدًا. من ناحية أخرى، فإن أقوى داعم لسياسة الرئيس إميل لحود هو حزب الله رغم عدم وجود حلف سياسي بين الطرفين، وهذا ما جعل الحزب هدفًا لخصوم الرئيس لحود لإضعافهما معًا.

وبالمحصلة فإن إعادة انتشار القوات السورية قد تكون مؤشرًا على إعادة انتشار سياسي سوري ولبناني بحيث يعاد النظر في نسيج العلاقات بين الأطراف اللبنانية ودور المقاومة في الإستراتيجية السورية الشاملة ومستقبل العلاقات اللبنانية السورية ومستويات التعاون وحجمه ونوعه وقد لا يكون سوی مناورة تكتيكية لقتل الوقت الضائع وإفساح المجال أمام سورية وحلفائها لاستيعاب الموقف المستجد لبنانيًّا وإقليميًّا، سياسيًّا واقتصاديًّا.

الرابط المختصر :