العنوان سورة «البقرة» موقف المنافقين من القرآن
الكاتب د. عمر سليمان الأشقر
تاريخ النشر السبت 07-أغسطس-2010
مشاهدات 66
نشر في العدد 1914
نشر في الصفحة 52
السبت 07-أغسطس-2010
- بعد غزوة بدر أصبح المؤمنون قوة ترهب فأظهرت طوائف من الأوس والخزرج والأعراب حول المدينة وبعض اليهود الإيمان وأبطنوا الكفر
- خداع هؤلاء ساذج مكشوف فهم يخادعون الله والذين آمنوا والله لا يخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء
- كل من كان على طريق لا يبصر غيرها يظن نفسه على الصلاح وغيره على الفساد
- قلوب المنافقين مريضة مرض الشك والارتياب والشبهات التي تفعل بالقلوب فعل الجراثيم بالأجساد
تناولنا في العدد الماضي بداية الحديث عن الصنف الثالث من الناس الذين تحدثت عنهم آيات سورة البقرة «من الآية ۸ حتى ١٦» وهم «المنافقون»، وتحدثنا عن المعاني الحسان في هذا النص، وذكرنا المعنى الأول، ونستكمل في هذا العدد الحديث عن المعاني الحسان في هذا النص القرآني»
٢- بداية ظهور النفاق في المجتمع الإسلامي الأول
قبل الهجرة لم يكن لهذا الصنف وجود في مكة، لأنَّ الكفر كان هو الظاهر أن ذاك، والمؤمنون مستضعفون وبعضهم كان يخفي إيمانه مخافة أذى الكفار، وبقيت الحال كذلك إلى أن هاجر الرسول صلى الله عليه وسلم ووقعت غزوة بدر الكبرى، وأصبح المؤمنون قوة تخاف وترهب، عند ذلك أظهرت الإيمان طوائف من الأوس والخزرج والأعراب حول المدينة وبعض اليهود، وأبطنوا الكفر، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ حَوْلَكُم مِّنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ﴾ (التوبة: ١٠١).
فعلوا ذلك خوفًا من بطش المسلمين، وأخذوا يبثون الفتنة بين المسلمين ويكيدون للإسلام وأهله سرًا، بعد أن كانوا يعلنون ذلك ويظهرونه، وكان هؤلاء عيونًا لخصوم الإسلام، يفشون إليهم أسرار المسلمين، ويكشفون لهم عوراتهم، ويدلونهم على نقاط الضعف فيهم.
3- التعريف بالمنافقين
وقد حدثنا الله في مواضع من كتابه عن هذا الفريق الذي تلبس بلباس الإسلام وأبطن الشرك والكفر، وهتك أسرارهم وكشف أحوالهم، وضرب لهم الأمثال.
وهذا الصنف من الناس صنف متعالم مغرور، يظن في نفسه الفطنة والذكاء مدعيًا أنه صاحب المنهج القويم، والصراط المستقيم، وأفسد الناس.
ولما كان هذا الـفـريـق مـتـلـونـًا تلون الحرباء ملتويًا التواء الأفعوان، فقد أطال الله الحديث عنهم في كتابه، وحددت الآيات صفاتهم، وضربت الأمثال، حتى لا ينخدع بهم المؤمنون، ولا يفتر بهم المتقون.
٤- صفات المنافقين التي حددها هذا النص
أ- ادعاؤهم الإيمان وهم كاذبون:
أول صفاتهم التي حددها النص القرآني أنهم يدعون الإيمان، وهم كاذبون فيما ادعوه، قال تعالى في وصفهم: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُم بمُؤْمِنينَ﴾ (البقرة:8)، وقال: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ (المنافقون:1).
ب- محاولة المنافقين خداع الله والذين آمنوا:
أعلمنا الله - تبارك وتعالى - أنَّ المنافقين يقصدون خداع الله والذين آمنوا والله لا يخفى عليه مقاصدهم، وهو يُعلمُ المؤمنين بمقاصدهم وأحوالهم: ﴿يُخَادِعُونَ اللهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ (البقرة:9).
والمخادع هو الذي يحاول تضليل خصمه، وإبعاده عن الوصول إلى مبتغاه، بإخفاء الحقيقة التي يبطنها، وهم بذلك كفوا المؤمنين عن مجاهدتهم وأحرزوا أموالهم وأنفسهم، واستمتعوا بالسكنى في المجتمع الإسلامي، والتواصل مع المسلمين.
وخداع هؤلاء خداع ساذج مكشوف، فهم يخادعون الله والذين آمنوا والله لا يخفى عليه من خداعهم شيء، فهو العليم الذي لا يخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، وعلمه محيط بهم، بل هو أعلم بهم من أنفسهم وعلمه ليس قصرًا على ظاهرهم، بل يتغلغل في أعماق نفوسهم، ويصل إلى خطرات قلوبهم، وهم مكشوفون له سبحانه، في ليلهم ونهارهم، في سرهم وعلانيتهم، والمؤمنون لا ينخدعون بباطل هؤلاء، فقد نبأنا الله عن أخبارهم، وكشف لنا أسرارهم ودلنا على طرائق تفكيرهم ووصفهم لنا وصفًا إذا علمناه أظهر لنا حقيقتهم، وأزال خداعهم.
جـ- خداع الله للمنافقين وهم لا يشعرون:
ولما كان الأمر كذلك، فإن خداعهم ينقلب عليهم، فيصبح هؤلاء الخادعون مخدوعين وبينما هم يظنون أنهم فائزون، إذا بهم يكتشفون أنهم خاسرون ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ (البقرة:9)، وقال في موضع آخر: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ (النساء :١٤٢).
ومن أعظم هذا النوع من الخداع أنهم ضيعوا حياتهم الدنيا، يحاربون الله ورسوله والذين آمنوا، فما نالهم إلا الخزي والعار وغضب الجبار، والله عالم بخداعهم، وأعلم المؤمنين بذلك.
د- محاولتهم خداع الله يوم القيامة:
والمنافقون يحاولون في يوم القيامة خداع الله، ويظنون أن حلفهم له صحيح ينجيهم كما كان ينجيهم في الدنيا، وسرعان ما يكتشفون أنهم كاذبون، وأن الله لا يخفى عليه شيء من أحوالهم ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ (المجادلة:18).
هـ - من خداع الله للمنافقين في يوم الدين إطفاء أنوارهم وعزلهم عن المؤمنين:
يحشر الله المنافقين في زمرة المؤمنين في يوم الدين، وعندما يحاسب الناس ويعطي المؤمنين نورهم الذين يسيرون به إلى جنات النعيم، كما كانوا يسيرون في الدنيا بنور القرآن تطفأ أنوار المنافقين، فيقومون لا يستطيعون المسير مع المؤمنين جزاء عماهم في الدنيا عن أنوار القرآن عند ذلك يمكر الله بهم، ويفعل بهم كما كانوا يفعلون في الدنيا: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ ي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبْلِهِ الْعَذَابُ يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنكُمْ فَتَتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ الله وَغَرَكُم بِاللهِ الْغَرُورُ﴾ (الحديد:14).
وهذا الذي ذكرته الآيات لون من ألوان الخداع، إذ يقال لهم: ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورًا، فيأخذون بالرجوع إلى الخلف، بينما المؤمنون يتقدمون إلى الأمام، فعندما يمتاز الفريقان، وينفصل أحدهما عن الآخر، يضرب بينهما بسور له باب باطنه من جهة المؤمنين الرحمة وظاهره حيث يكون المنافقون العذاب.
وعندما ينادي المنافقون المؤمنين قائلين: ألم نكن في الدنيا معكم؟ يردون عليهم أنهم كانوا معهم بأجسادهم، ولم تستقم قلوبهم على منهج الله الحق عند ذلك ينكشف لهم أنهم خدعوا أنفسهم، وكان نتيجة الخداع هو النار وغضب الجبار، ويعلمون أن الله لا يُخدع، وأن المؤمنين لم يغرهم الخداع.
و- قلوب المنافقين مريضة:
كشف الله لنا عن باطن هؤلاء في قوله: ﴿في قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ (البقرة:١٠)، وعرفنا بهذا المرض في قوله ﴿ولكنكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ﴾ ، فالمرض هـو مـرض الشك والارتياب والشبهات التي تفعل بالقلوب فعل الجراثيم والميكروبات بالأجساد، والمراد بمرض قلوبهم - كما قال ابن القيم يرحمه الله تعالى خروج القلب عن الصحة والاعتدال في أمر الدين، فإن صحته أن يكون عارفاً بالحق محبًا له، مؤثرًا له على غيره، فمرضه إما بالشك فيه، وإما بإيثار غيره عليه، فمرض المنافقين مرض شك وريب، ومرض العصاة مرض غي وشهوة، وقد سمى الله سبحانه كلا منهما مرضًا
كقوله: ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قلبه مَرَضٌ﴾ (الأحزاب:۳۲) «بدائع التفسير:٢٦٦/١»
وقوله: ﴿فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ (البقرة:10) إخبار من الحق – تبارك وتعالى - عنهم أنهم لما طلبوا الباطل الذي أمرض قلوبهم، زادهم الله مرضًا، كقوله: ﴿فَلَمّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ (الصف:٥)، وقوله: ﴿وأَما الذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ﴾ (التوبة:١٢٥)، وهذه سنة من سنن الله في خلقه، فمن ارتضى الباطل، وعمي عن الحق فإن الأمر يتمادى به ويتعمق الباطل لديه، حتى يصبح فيه رأسًا، إلا أن يتداركه الله برحمته ولطفه.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل