العنوان سورة «البقرة» (٦) مثلان مضروبان للمنافقين
الكاتب د. عمر سليمان الأشقر
تاريخ النشر السبت 21-أغسطس-2010
مشاهدات 61
نشر في العدد 1916
نشر في الصفحة 46
السبت 21-أغسطس-2010
- ضرب الأمثال نوع عال من أنواع البلاغة فهي تؤثر في القلوب ما لا يؤثر وصف الشيء في نفسه لما فيها من تشبيه الخفي بالجلي والغائب بالشاهد
- قد يتسلل شيء من نور القرآن إلى قلوب المنافقين فيهتدون به لفترة وجيزة وإذا ذهب ذلك النور حلت بهم الظلمات
إذا تدبرنا آيات النص الذي استعرضناه في العدد الماضي من سورة البقرة (من الآية 8 حتى ١٦) وجدناها تهدينا إلى ما يأتي من علم وعمل:
١-اطال القرآن في وصف الفريق الثالث في هذا النص وهم المنافقون أكثر مما تحدث عن الفريق الأول والثاني: لأنه فريق متلون متذبذب فيه كثير من الانحراف والالتواء فيحتاج مزيد وصف لتحديد معالمه
٢-هذا الفريق موجود في كل عصر وزمان ولا يزال هذا الفريق يرى في مجتمعات المسلمين اليوم، ومن يحسن النظر فيما حدث الله به عن المنافقين فإنه يرى نماذجهم مبثوثة هنا وهناك.
٣-هذا الفريق يبطن الكفر، ويظهر الإسلام ويدعي الفطنة والذكاء وهم متعالمون ويظنون أن بإمكانهم خديمة الله والمؤمنين والحقيقة انهم لا يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون 4-هذا الفريق قلوبهم عليلة ونفوسهم سقيمة وكلما امتدت بهم الحياة ازدادوا مرضا وسقما، وجزاء هؤلاء وأضرابهم أن يحل بهم العذاب الأليم.
5-يدعي هؤلاء الصلاح عندما يُدعون إلى عدم الإفساد في الأرض، وقد حكم الله عليهم أنهم هم المفسدون، ولكن لا يشعرون
٦-عندما يطالب المنافقون أن يؤمنوا كما أمن الرسول ﷺ وأصحابه والأخبار من هذه الأمة ينتفخون عجبًا، ويستنكرون أن يدعوا إلى الإيمان بمثل إيمان هؤلاء السفهاء، وقد حكم الله عليهم بأنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون
7-ضرب الله مثلاً لهؤلاء في خداعهم ونفاقهم وتلونهم، فعندما يلتقون بالمؤمنين يزعمون أنهم مؤمنون، وعندما يلتقون بدهائهم وعمالهم من شياطين الإنس يزعمون أنهم كانوا يسخرون بالذين أمنوا عندما يخبرونهم بأنهم أمنوا بدينهم.
8-هذا الفريق فريق ضال منحرف وقد صدق قول الله فيهم أنهم اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين
9-لقد كان الرسول ﷺ يرى المنافقين يعيشون وسط أصحابه، فصبر عليهم وأغلظ لهم القول وكشف سترهم، ولكنه لم يحاربهم ولم يقاتلهم، وكف عن سفك دمائهم، وبين الرسول صلى الله عليه وسلم الحكمة من وراء موقفه منهم فقال: أكره أن يتحدث العرب أن محمداً يقتل أصحابه ومصير المنافقين يوم القيامة النار وغضب الجبار.
النص القرآني الثالث من السورة مثلان مضروبان للمنافقين حدنا ربنا – تبارك وتعالى – في النصين السابقين عن أقسام الناس ومواقفهم تجاه القرآن الكريم، وقد أطال في النص السابق الحديث عن صفات المنافقين، وضرب في هذا النص مثلين لمزيد من التعريف بهم الأول ناري والثاني مائي.
آيات هذا النص من القرآن الكريم
﴿ مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَّا يُبْصِرُونَ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ ۚ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ ۖ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُم مَّشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [ البقرة: 20:17]
المعاني الحسان
المعاني الحسان في تفسير آيات هذا النص من القرآن الكريم من سورة البقرة.
التعريف بالأمثال وبيان فوائدها:
ضرب الله في هذا النص مثلين للمنافقين لمزيد من التعريف بهم والمثل والمثل والمثيل المثيل والشبه والشبيه لفظاً ومعنى والجمع امثال والمثل عبارة عن قول في شيء يشبه قولا في شيء آخر، بينهما مشابهة، قال تعالى: وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [ سورة الحشر: 21]، وقال:﴿ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ ۖ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [ سورة العنكبوت: 43]، (بصائر ذوي التمييز: ۱۸۱/۵ ۱۸۲)
وامثال القرآن كثيرة منها ما صرح الحق - تبارك وتعالى – فيها بأنها أمثال مضروبة كالمثلين اللذين تتحدث عنهما في هذه السورة وهذه الأمثال المصرح بها تزيد على الأربعين ومنها أمثال قرآنية مضروبة من غير تصريح بأنها أمثال وهي كثيرة في القرآن وضرب الأمثال في الكلام نوع عال من أنواع البلاغة، وكلما كان المثل مطابقا لمقتضى الحال، ارتقى الكلام رئبة في درجات البلاغة لأن الأمثال تؤثر في القلوب ما لا يؤثر وصف الشيء في نفسه، ما فيها من تشبيه الخفي بالجلي، والغائب بالشاهد (جواهر الأفكار ص ٨٢)
وضرب الله للمنافقين في هذا النص مثلين: أحدهما ناري والثاني مائي
أ-المثل الناري
والمثل الناري الذي ضربه منافقين استوقد نارا في قوله تعالى: ﴿ مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَّا يُبْصِرُونَ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ [ سورة البقرة: 18:17]
ومثل – تعالى – حالة المنافقين في غيهم وتلاعبهم، وما هم عليه من الأحوال العجيبة الشأن بحالة الذي استوقد ناراً، ولما كانوا بأجمعهم متفقين على حالة واحدة، ومسلك واحد من النفاق، وسالكين قانوناً واحداً لا يتجاوزونه. عد فعلهم كانه فعل رجل واحد منهم، فمثل بحالة شخص استوقد نارا، وهو نوع من البلاغة يعد في طبقة الإعجاز (جواهر الأفكار : ص ٨٢)
وتقرير هذا المثل – كما يقول ابن كثير أن الله سبحانه شبههم في اشترائهم الضلالة بالهدى وصيرورتهم بعد البصيرة إلى العمى بمن استوقد ناراً، فلما أضاءت ما حوله، وانتفع بها، وأبصر بها ما عن يمينه وشماله وتأنس بها، فبينا هو كذلك إذ طفئت ناره وصار في ظلام شديد لا بصير ولا يهتدي، وهو مع ذلك اسم لا يسمع أبكم لا ينطق أعمى لو كان ضياء لما أبصر، فلهذا لا يرجع إلى ما كان قبل ذلك كذلك هؤلاء المنافقون في استبدالهم الضلالة عوضا عن الهدى واستحبابهم الغي على الرشد، وفي هذا المثل دلالة على أنهم آمنوا ثم كفروا، كما أخبر عنهم تعالى : قوله : ﴿ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾ [ سورة المنافقون: 3]
وقال ابن كثير معقبًا: وقد حكى هذا الذي قلنا فخر الدين الرازي في تفسيره عن السدي، ثم قال: والتشبيه هاهنا غاية في الصحة: لأنهم بإيمانهم اكتسبوا أولا نورا ثم بتفاقهم ثانيا، أبطلوا ذلك النور، فوقفوا في حيرة عظيمة، فإنه لا حيرة أعظم من حيرة الدين ابن كثير بشيء من الزيادة: ۲۰۲/۱) وبين – تبارك وتعالى – في موضع آخر أن معنى صممهم ويكممهم وعماهم هو عدم انتفاعهم بأسماعهم وأبصارهم وقلوبهم ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَىٰ عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُم مِّن شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [ سورة الأحقاف: 26]
ب- المثل المائي
والمثل الثاني المضروب للمنافقين وهو المثل المائي، ضربه في قوله تعالى: ﴿ أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ ۚ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ ۖ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُم مَّشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [ سورة البقرة:19: 20]
وهذا المثل مضروب للمنافقين الذين وصل إلى قلوبهم المعلومة بظلمات الشكوك والريب والضلال شيء من نور القرآن فكانت تفزعهم قوارع القرآن، ووعده ووعيده وتزلزل حياتهم، وقد شبه الله حال هؤلاء بحال قوم أصابهم في مسارهم صيب عاطل من السماء والصيب المطر في ليلة ظلماء ارخت سدولها، وتكاتفت ظلماتها، بما تراكم فيها من الصعب، وصارت قطراتها منتجة مع بعضها بعضا، وتواترت فيها الرعود الهائلة، والبروق المخيفة، والصواعق المختلفة والمهلكة (جواهر القرآن٨۷)
وقد شبه الحق – تبارك وتعالى – في هذا المثل الدين الحق المنزل من عنده بالمطر الهامل من السماء والشبهات التي في قلوب المنافقين بالظلمات والوعد والوعيد الذي يقرع أسماعهم بالرعد القاصف ونور القرآن بالبرق إلى وصفه في آية أخرى بقوله : ﴿ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ﴾ [ سورة النور: 43] ولشدة الرعد الذي تحول إلى صواعق تكاد تزهق أرواحهم يدخلون أصابعهم في آذانهم حتى لا تخرق منهم طبلة الأذان وعندما يلمع البرق يسيرون خطوات كحال المنافقين عندما يصل إلى قلوبهم بصيص من نور، فإذا انقطع ذلك النور عادوا إلى الشكوك والريب والضلال، ولو شاء الذهب بأسماعهم وابصارهم، فاصبح حالهم كالجماد، والله على كل شيء قدير.
ما تهدي إليه آيات هذا النص من علم وعمل
إذا تدبرنا آيات هذا النص وجدناها تهدينا إلى ما يأتي من علم وعمل:
١- ضرب الله في هذا الموضع مثلين للمنافقين، وفي القرآن أمثلة كثيرة أخرى. يضربها ربنا لنا، وما يعقلها وينتفع بها إلا العالمون
٢-الأمثال توضح المعنى المراد وتجليه وتظهره وتعليه، ولكن هذا الإيضاح وتلك التجلية تحتاج إلى عقول تدرك النص وتعقله.
٣-ضرب الله مثلًا للمنافقين برجل أوقد شارًا- في ظلمة الليل وفجأة انطفأت النار فعم الظلام فزال انتفاع الإنسان بناظريه وهؤلاء المنافقون أمنوا فأبصروا ثم كفروا هزال النور ووقعوا في الظلمات
٤-شبه الله المنافقين في المثل الثاني يقوم سائرين أمطرتهم السماء مطراً فيه رعد وبرق شديدان ولشدة الرعد يجعلون أصابعهم في آذانهم ولشدة البرق يكاد يخطف أبصارهم، وهؤلاء المنافقون المشروب لهم المثل قد يتسلل شيء من نور القرآن إلى قلوبهم فيهتدون به لفترة وجيزة، وإذا ذهب ذلك النور حلت بهم الظلمات .
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل