العنوان سوابق النظام الدولي في كوسوفا
الكاتب شعبان عبد الرحمن
تاريخ النشر الثلاثاء 28-أبريل-1998
مشاهدات 58
نشر في العدد 1297
نشر في الصفحة 19
الثلاثاء 28-أبريل-1998
أحداث كوسوفا التي صارت ملء السمع والبصر لا تنفصل عما يجري في منطقة البلقان كلها منذ أكثر من عشر سنوات، وهي لا تدور بمعزل عن الصراع «المكتوم» بين أوربا والولايات المتحدة على التهام مناطق نفوذ جديدة هناك، كما أنها من قبل تجرى في إطار الحرب العالمية ضد الصحوة الإسلامية في العالم... ومن هنا، فإن تركيز النظر على ما يجري في تلك البقعة بحق ما يقرب من مليوني مسلم، يجب أن يكون في إطار هذه الأبعاد التي تحرك الأحداث لتستقر إلى حيث يريد كل طرف أن ترسو مراكب الأحداث عند مصالحه.
ولسنا في حاجة للقول بأن السيناريو الدائر في كوسوفا هو السيناريو نفسه الذي دار في البوسنة، وهو نفسه الذي سيدور في مقدونيا خلال الأيام القادمة، والذي يصب في النهاية في الحيلولة دون قيام كيان إسلامي متماسك له القدرة على البقاء والاستمرار وسط الكيانات الدولية، وفي الوقت نفسه الحيلولة دون تمادي الصرب في مذابحهم للمسلمين، لأن الدماء المتفجرة من هذه المذابح تلطخ جبين النظام الدولي، وصرخات الآلام الصادرة عنها تزعجه وتفضح انحيازه للوحشية وتسقط شعاراته عن حقوق الإنسان، ومن هنا يحاول الغرب وقف المذابح، وتحقيق ما يريد الصرب دون ضجيج، ودائرة الخلاف بينهم تمتد إلى نطاق المصالح... من الذي يستفيد أكثر؟!
في البوسنة، أوقفت المذابح بعد فشلها في دفن الطرف الإسلامي، وتغييبه عن وجه الأرض، لكن إجراءات قيام الدولة المستقلة أصيبت بالجمود وتحولت القوات الدولية إلى فرق تفتيش تراقب تحركات الطرف المسلم.
وفي كوسوفا توقفت المذابح إلى حين، وبدأت لعبة جديدة يوم الثالث والعشرين من الشهر الجاري، تمثلت في الاستفتاء الذي نظمته صربيا للشعب الصربي، حتى يحدد موقفه بقبول مشاركة وسطاء دوليين لحل أزمة كوسوفا أم لا؟ والهدف إدخال القضية في مرحلة جديدة من المجادلات والمساجلات بين النظام الدولي والصرب، تزيد من تمييع حل القضية، حتى يتجمد الموقف على ما هو عليه... والطرف الدولي طرف أصيل ليس في قضية كوسوفا فقط وإنما في قضايا البلقان كلها، وهو الطرف الذي يدير النزاع ضد المسلمين، ولصالح الصرب، ليس اليوم فقط، وإنما على امتداد ما يقرب من قرن من الزمان، فالذي أهدى كوسوفا إلى صربيا هو النظام الدولي في مؤتمر لندن الذي انعقد عام 1913م، لبحث ترتيب الأوضاع في البلقان بعد غياب الخلافة الإسلامية عن هذه البلاد، والذي صمت عن اضطهاد المسلمين في المنطقة منذ ذلك التاريخ وحتى اليوم، هو النظام الدولي متواطئًا مع الصرب... فلماذا يجري النظام الصربي استفتاء حول دور الوسطاء الدوليين في القضية... وسجل التدخل الدولي حافل بمساندتهم والتواطؤ معهم؟
الغريب أن ذلك كله يحدث بشأن كوسوفا التي لا تشترك في أي من عوامل الوحدة مع صربيا، لا دينًا ولا لغة، ولا عرقًا، بينما يلقى طلب الجبل الأسود بالانفصال عن صربيا، وتكوين جمهورية جديدة الموافقة من صربيا نفسها، والترحيب والدعم من الجانب الدولي، فقد أعلن الرئيس الفرنسي جاك شيراك «دعم فرنسا الحازم» لاستقلال هذه المقاطعة خلال استقباله الأسبوع الماضي لرئيسها ميلو ديو كانوفيتش مع أن الجبل الأسود أقل في المساحة من كوسوفا، وسكانه لا يتعدون ثلث سكان كوسوفا «700 ألف نسمة» وتشترك في اللغة والدين والعرق مع صربيا!
ترى هل بقيت للدور الدولي مصداقية هناك؟!.