; سمعة سيئة ووهم كبير وخطر يجب مواجهته | مجلة المجتمع

العنوان سمعة سيئة ووهم كبير وخطر يجب مواجهته

الكاتب نبيل شبيب

تاريخ النشر الثلاثاء 30-سبتمبر-1997

مشاهدات 73

نشر في العدد 1269

نشر في الصفحة 22

الثلاثاء 30-سبتمبر-1997

موضوع الغلاف

وكالة المخابرات المركزية الأمريكية

خمسون عاما على نشأة المخابرات المركزية الأمريكية

حلول الذكرى الخمسين لنشأة وكالة المخابرات المركزية الأمريكية تستحق وقفات طويلة أمام تاريخ هذا الجهاز العملاق الذي شغل العالم طوال نصف قرن ببطولاته وإنجازاته ومغامراته وقدراته السحرية على إسقاط الحكومات وإنهيار الإمبراطوريات وتحريك الأحداث في الكون بما يحقق أهداف السياسة الأمريكية.

قد يكون لهذا الجهاز الكبير إنجازات كبيرة ولكنها ليست بهذا الانتشار المخيف الذي يتحدثون عنه، ولا شك أن له قدرات فائقة ولكنها ليست بهذه الطريقة السحرية التي تخطف الأبصار، وتخلب الألباب.

والذي يتوقف قليلاً أمام سجلات هذا الجهاز على امتداد نصف قرن سيجدها بلاشك مليئة -من واقع الاعترفات الرسمية- بقصص الفشل المدوي الذي يفضح حقائق مُرة لما يدور فيه، كما سيجدها مليئة بقصص المغامرات والاغتيالات والمؤامرات وانتهاك حقوق الإنسان والتعاون مع عصابات الإجرام المنظمة بذريعة واحدة لا تتغير هي مصلحة الأمن القومي الأمريكي.

ورغم أن هذه الحقائق واضحة إلا أن فريقًا من أدعياء الحنكة السياسية في بلاد العرب والمسلمين لا يريد قراءتها أو استيعاب مغزاها فإذا بهم يفسحون المجال أن يكون في بعض عواصم بلادنا أيضًا مكاتب رسمية للمخابرات الأمريكية، زيادة على من تنشرهم من مخبريها السريين وما تشتريه من ضمائر مخبرين محليين تحللوا من القيم، وسائر القيم في عالم بات من أبرز سماته ذلك الصراع المرير بين العودة إلى القيم الأصيلة... وبين الإمعان في تزييفها والقضاء على البقية الباقية منها، ما استطاع القائمون على أجهزة من مثل جهاز المخابرات الأمريكية إلى ذلك سبيلاً.

الوهم الكبير

الحديث عن تلك المخابرات في كثير من وسائل إعلامنا، وأحيانا على ألسنة بعض السياسيين، أشبه بحديث بعض الأمهات والآباء -في خطأ تربوي فاحش- عما يُعرف في بعض بلادنا بالغول... أو البعبع لتخويف الأطفال إلى أن يتصوره شبحًا يظهر في جنح الظلام فيفترسهم كما يشاء، ولا أحد يستطيع منعه أو صده!... فالمخابرات المركزية الأمريكية قادرة وفق تلك الأحاديث على صنع ما تشاء متى تشاء، في كل مكان وزمان... فهي من وراء الانقلابات والتحولات السياسية، وهي من وراء النزاعات المسلحة والخلافات الأقتصادية، وهي التي تتحكم في زعماء الدول والحركات والأحزاب... من إنجازاتها إسقاط المعسكر الشرقي، والوصول بمستويات التجسس التقنية إلى شأو لا يضارعه أحد، فعيونها موجهة من الأقمار الصناعية القادرة على قراءة أرقام السيارات، وعلى سماع الهمسات عبر خطوط الهاتف ووراء الجدران المغلقة، ومخبروها منتشرون في الأجهزة العسكرية والسياسية والأقتصادية والعلمية وسواها في كل بلد من البلدان... لا يمكن أن يفلت منهم صغير أو كبير ولا يستطيع أن يتصدى لهم أحد.

وهم كبير... أشبه بما تصنعه الصور المتحركة والخدع السينمائية في إنتاج هوليوود وأمثالها جعل بعض الأحاديث التي تدور بين فريق من العامة -ولا أشد من ضعف الوعي على نهضة أمة من الأمم- تتحول إلى تفسير كل حدث في بلادنا بأنه من صنع المخابرات الأمريكية، فإن سقط حاكم مستبد فهي التي أسقطته، وإن بقي رغم استبداده زمنا طويلاً في السلطة، فلأن لها مصلحة في بقائه... وإن وقعت هزيمة عسكرية كما كان عام ١٩٦٧م كان تعليلها الرئيسي ما نقلته المخابرات الأمريكية لليهود من معلومات، وإن تحقق نصر عسكري ولو جزئيًّا كما كان عام ١٩٧٣م، فبدعوى أنها تعمدت أن يتحقق وقد استشرفت أن صانعيه لا يريدون منه سوى فتح الأبواب إلى نكبة كامب ديفيد وما تلاها. 

وهم كبير... وخطير بأبعاده ونتائجه، قد تتبين حقيقته للواهمين إذا ما قرؤوا واستوعبوا مثلا قول صحيفة نيويورك تايمز بمناسبة بلوغ المخابرات المركزية الأمريكية خمسين عامًا من عمرها أنها مجرد جهاز رعب عتيق بلغ سن الشيخوخة... أو قول صحيفة واشنطن بوست أنها جهاز يمر بفترة اليأس كتلك التي تمر بها النساء، والمخبرون فيها مترهلون يجترون ذكريات الماضي، ومعظمهم لا يستطيع أن يرى ما هي مهمته الحقيقية في الوقت الحاضر... أو ما جاء على لسان هلموت زونيفيلد الخبير في مركز التحليلات والدراسات في واشنطن، ومستشار شؤون الأمن عند الرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون أنها تعاني من أزمة هوية!!

وقليلاً ما يُذكر في حديث وسائل إعلامنا عن المخابرات الأمريكية بعض ما تذكره وسائل الإعلام الغربية بما فيها الأمريكية من سجل تاريخي حافل بألوان الإخفاق في قضايا كان بعض المحللين والمراقبين العاديين، وبعض أجهزة الرصد العلمية الصغيرة قادرًا على استيعابها واستشراف أبعادها في الوقت المناسب... ومن ذلك على سبيل تعداد الأمثلة المعروفة دون حصر ولا استقصاء سقوط المعسكر الشرقي الذي تأخرت واشنطن طويلا في التعامل مع مقدماته، لأن جهاز مخابراتها العتيد كان يؤكد استحالة سقوطه... ومثال آخر سقوط شاه إيران من قبل وكان الجهاز العتيد عاجزًا عن تقدير أبعاد ما وصلت إليه الثورة الإسلامية في بلد كان يعتبره من «المواطن» الرئيسية لنشاطاته وخبرائه ومخبريه... وكان لا ينقطع عن الفخر بأنه ساهم إسهامًا رئيسيًّا في اصطناع الانقلاب على رئيس وزرائه مصدق عام ١٩٥٣م ليعيد الشاه من المنفى... خشية على مصير الثروة النفطية في منطقة الخليج، وليس مجهولاً أن الحدثين انهيار الشيوعية وسقوط الشاه، كانا بمثابة حجري الرحى في معظم ما شهده العالم من تحولات في شماله وجنوبه في السنوات الماضية... ومع ذلك لم تستطع المخابرات الأمريكية وحتى مؤسسات البحوث والدراسات التابعة لها أن تواكب مجرى التطورات في الوقت المناسب.

ولا تنقطع الشواهد عن حجم الإخفاق في ميادين أخرى عديدة منها على سبيل المثال أن ينكشف عام ١٩٩٤م فقط أن أولدريش إيميز أحد كبار المخبرين الأمريكيين، كان يعمل تسع سنوات كاملة لصالح موسكو وهو في «عرين» الجهاز الأمريكي الضخم... ولم ينقض عامان تقريبًا عندما انكشف في نوفمبر عام ١٩٩٦م أمر هارولد نيكولسن، الذي عمل لصالح موسكو أيضًا لمدة ۳۹ شهرا، وهذا بعد سقوط الستار الحديدي وزوال أزمة الشرق والغرب!

الـ « سي آي إيه» تكافح تجارة المخدرات في حدود ما يمكن أن يصيب الأمريكيين بالخطر لكنها لا تتورع عن الأستعانة بعصابات الإجرام المنظم إذا كانت المصالح الأمريكية تتطلب ذلك

بين الإخفاق والإجرام

على أن النتائج الإجرامية لعمليات أخفقت تتبدى بصورة صارخة في عمليات أخرى كانت المخابرات المركزية الأمريكية تنفذها وترصد لها المبالغ الخيالية وتخطط لها زمنا طويلا وتدفع من أجل تنفيذها بأعداد ضخمة من البشر... ثم كانت النتائج كوارث بمعنى الكلمة، من ذلك ما عرف عام ١٩٦١م بقضية خليج الخنازير، عندما نظمت المخابرات الأمريكية هجومًا مسلحًا، كوبا، أسفر عن ترك واشنطن ألوف المجندين يقتلون ويغرقون في مياه البحر، دون أن تتمكن من مجرد محاولة إنقاذهم... ومن تلك الكوارث ما عرف بعملية فونيكس أثناء حرب فيتنام والتي أسفرت عن مقتل عشرات الألوف من الجنود الأمريكيين والفيتناميين الجنوبيين خلال أيام معدودة، كذلك لم يمض بعد ذلك سوى عام ونيف على آخر تلك الكوارث في شمال العراق، عندما أرادت المخابرات الأمريكية أن تلعب بورقة صراع الأكراد بين بعضهم بعضًا، وأن تجعل ذلك مدخلاً إلى محاولة إسقاط نظام صدام حسين في العراق، وكانت النتيجة ما هو معروف من امتداد سلطانه إلى حيث سبق أن انحسر كنتيجة من نتائج حرب الخليج الثانية، ثم ما يوصف بعملية الانسحاب غير المنظم، في حملة كبرى لإنقاذ من يمكن إنقاذهم من المتعاونين مع المخابرات في العملية.

هذه العمليات وأمثالها كانت بمثابة الفضائح الكبرى التي لا يمكن التستر عليها كما يُصنع مع سواها، وهي التي كشفت عن مدى ترهل الجهاز الذي لم تكن له نشاطات كبرى ناجحة... بمعنى تحقيق أهدافه العدوانية، إلا في الخمسينيات الميلادية في العقد الأول من نشأته إنما توجد شواهد أخرى لا تُحصى وإن لم تبلغ مستوى الفضيحة العلنية الكبيرة على حقيقة أوضاع المخابرات الأمريكية في الوقت الحاضر... وتكفي الإشارة أنها قد شهدت في خمسين سنة ستة عشر رئيسًا، ولكن كان منهم أربعة في السنوات الست الماضية فقط، يسقط واحدهم تلو الآخر بعد فترة وجيزة من استلامه المنصب، لعجزه إحداث تغييرات داخلية حاسمة في الجهاز أو لسقوطه في أخطاء كبرى مشابهة لأخطاء أسلافه، فضلا عن كشف الفضائح ومواطن الإخفاق بل إن منهم من سقط بسبب الكشف عن تحرك المخابرات المركزية الموجهة في الأصل لخارج الحدود، على الصعيد الداخلي، مما جعل رئيسها الأسبق المتوفى في هذه الأثناء ويليام كولبي يقول: «كان بعض المخبرين خطراً على الأمريكيين أنفسهم.

ومن ألوان النشاطات الإجرامية الناجحة أو الفاشلة، ما بدأت تكشف الوكالة نفسها النقاب عنه، وفق القانون الأمريكي الذي يقرر إلغاء السرية المفروضة على الوثائق بعد مرور خمسة وعشرين عامًا على الأحداث المسجلة فيها... وفي هذا الإطار كان على سبيل المثال الكشف عن قيام المخابرات بثماني محاولات على الأقل لاغتيال فيديل كاسترو، القريب من الحدود الأمريكية، دون جدوى... ومن المؤكد أن ذلك لا يعود إلى طاقة غير عادية لدى الحاكم الكوبي، بل يعود إلى عجز الجهاز الأكبر عالميًّا عن تحقيق أهدافه، حتى وإن لجأ إلى أشد الوسائل إجرامًا في عمليات يطلق عليها الخبراء من أمثال زونيفيلد السالف الذكر وصف «العمليات القذرة»، وكان منها على سبيل المثال، ووفق ما كشفته الوثائق المنشورة مؤخرا ونقلته وكالة أسوشيتدبرس في مطلع يوليو الماضي، أن المخابرات الأمريكية اتصلت بزعماء العصابات الإجرامية المنظمة - المافيا في شيكاغو، مثل سام ديانسانا وجون روسيلي، وعرضت عليهم مبلغ ١٥٠ ألف دولار للقيام بالنيابة عن المخابرات باغتيال كاسترو... ورفض المجرمون العرض.

ورغم صدور قوانين جديدة للحد من تلك العمليات بعد أن فاحت رائحتها، فإن هذه القوانين تقرر لجهاز المخابرات صلاحية تنفيذ عمليات تتضمن التعاون مع من ينتهك حقوق الإنسان إذا قدر جهاز المخابرات أن ذلك يخدم المصالح القومية الأمريكية.... والمثير للاستغراب لولا أن المنطق الأمريكي معروف أن منظمة تفخر بدفاعها عن حقوق الإنسان مثل المرصد الأمريكي لحقوق الإنسان، تنتقد تلك القوانين الجديدة، ولكنها لا تطالب بإلغاء مضمونها المتناقض مع نصوص الدستور الأمريكي نفسه ومع نصوص المواثيق الدولية، بل تطالب بأن يكون القرار بشأن تقدير المصلحة القومية الأمريكية التي تبيح انتهاك حقوق الإنسان في يد الرئيس الأمريكي لا المخابرات!.

ريتشارد هيلمس الرئيس الأسبق للمخابرات الأمريكية يعترف: نشاطات الـ «سي آي إيه» قذرة وخطيرة!

من يحمل المسؤولية

وفي هذا -وفي مواقف مشابهة عديدة- تبرئة مباشرة وغير مباشرة للمسؤولين السياسيين في الولايات المتحدة الأمريكية، وهو ما يتناقض مع شهادة مثل شهادة الرئيس الأسبق لجهاز المخابرات، ريتشارد هيلمس عندما يقول: «كان باستطاعة كل رئيس أمريكي أن يوقف العمليات بجرة قلم... ولم يفعل أحد منهم ذلك»، وهيلمس هو الذي يصف نشاطات المخابرات الأمريكية -ولكن بعد أن ترك منصبه- بأنها «أعمال قذرة خطيرة».... ولكنه هو الذي كان يقول أيضًا: «لا يهمني ماذا يقع في العملية المقررة، إذا ما أعطى الرئيس أمراً بالعمل على إسقاط حكومة من الحكومات مثلاً».

المخابرات المركزية الأمريكية تعمل -كسواها- في مجال التجسس العسكري والسياسي بالأساليب التقليدية في عالمنا المعاصر، فتجمع المعلومات، وتضعها تحت تصرف أصحاب القرار السياسي، وربما كانت طاقاتها أكبر نتيجة وضع ميزانية سنوية تبلغ ثلاثين مليار دولار تحت تصرفها، فكانت قادرة على خدمة بلدها بتطوير أحدث الوسائل التقنية كطائرة يو-2 التجسسية وأجهزة التنصت والتصوير البالغة الدقة... ولكن نشاطاتها تتجاوز هذه الميادين المقررة في البنود الأربعة الأولى من القانون الصادر مع تأسيسها عام ١٩٤٧م في عهد الرئيس الأمريكي الأسبق هاري ترومان وتصل تلك النشاطات إلى ما يتضمن الأعمال الإجرامية.... ولكن المسؤولية عن سائر ما ارتكبته المخابرات هي مسؤولية صانعي القرار السياسي في واشنطن، هذا ما بدأ عند تأسيس المخابرات من جهة عبر ربطها بالجيش الأمريكي عن طريق عدد من كبار الضباط الذين حملوا المسؤولية فيها، وكان ذلك رد فعل على الضربة اليابانية العسكرية للأسطول الأمريكي في بيرل هاربور، حيث ثبت حجم جهل الأستخبارات الأمريكية بحقيقة ما يخطط له العدو العسكري وينفذه... ومن جهة أخرى عبر صياغة البند الخامس من القانون المشار إليه صياغة تطلق يد العاملين في المخابرات لتنفيذ ما يريدون على أساس حملها، «مهمة الدفاع عن القضايا الأمنية القومية وتقرير الإجراءات المناسبة لذلك.. دون تحديد معايير ما لتلك القضايا أو لتلك الإجراءات».

الفضائح الكبرى التي لحقت بالمخابرات الأمريكية في خليج الخنازير وعملية «فونيكس» ومنطقة الأكراد كشفت عن مدى ترهلها وعجزها!

القوانين الأمريكية تعطي للمخابرات صلاحية تنفيذ عمليات تتضمن التعاون مع

من ينتهك حقوق الإنسان

ولكن تبقى صلاحيات الرئيس الأمريكي هي الأعلى، كما تبقى صلاحيات الكونجرس الأمريكي هي الأعلى من صلاحيات المسؤولين في جهاز المخابرات... صحيح أن الرقابة شددت منذ عام ١٩٧٥م وقبل فترة وجيزة، ولكن تطبيق تلك القوانين لم يكن يغير شيئا من طبيعة نشاطات الجهاز، باستثناء الحد الشكلي من ممارستها تجاه أمريكيين على الأرض الأمريكية نفسها، ويؤكد جيمس كولي -أحد الرؤساء السابقين للجهاز- أن الرقابة النيابية بقيت دون مفعول، فهي لا تمنع العمليات الجاري تنفيذها، كما أن اللجنة النيابية المختصة لم تكشف حتى الآن عن شيء من ذلك... أو مما يرفض الكشف عنه بحجة أنه من الأسرار القومية، ومثل هذه الحجة تستخدم في التغطية مثلا على عمليات قذرة من قبيل المؤامرات لإسقاط حكومات دول أخرى، وهو «النشاط» الذي كانت أمريكا الجنوبية ضحيته الأولى طوال العقود الماضية وكذلك من قبيل توريد السلاح إلى فئات متقاتلة على جبهتي القتال غالبًا، ولم تكن المخابرات تتورع في ذلك وسواه عن ارتكاب الجرائم أو التعاون مع مرتكبيها على الأقل، وقد جاء في تقرير لصحيفة واشنطن بوست في مطلع مارس الماضي، أنه ثبت على المخابرات تعاونها منذ عام ۱۹۹٥م مع ۱۰۰ مخبر على الأقل، سبق تورطهم بصورة قاطعة في عمليات إرهاب واختطاف وجرائم أخرى.

هذه الأعمال لم تكن من الماضي البعيد، ولم تقع قبل تعديل قوانين الرقابة، بل بعد سريان مفعولها، ومثل هذه المخابرات التي تتعاون مع إرهابيين ومجرمين يقول رئيسها الجديد جورج تانیت هذه منظمة تجسس، وسوف نركز نشاطها التجسسي على مكافحة الإرهاب وتجارة المخدرات والسلاح، وطالب المواطنين الأمريكيين بتجديد ثقتهم في مخابراتهم رغم أخطاء المرحلة السابقة.

إن «الإرهاب» الذي تريد المخابرات المركزية الأمريكية مكافحته، هو ما تضع السياسة الأمريكية مصطلح «الإرهاب» له، وليس ما يسري عليه مثل هذا المفهوم وفق المنطق أو وفق القوانين الدولية.... وتجارة المخدرات تكافحها المخابرات الأمريكية في حدود ما يمكن أن يصيب الأمريكيين بالخطر، ولا تتورع عن الاستعانة بعصابات الإجرام المنظم -ومن نشاطاتهم الرئيسية المخدرات- إذا كانت المصالح القومية الأمريكية المزعومة تقتضي ذلك... كذلك فإن مكافحة تجارة السلاح من جانب المخابرات هي في حدود «مكافحة» ما يمكن أن يصل إلى دولة من الدول، لا تمارس تبعية كاملة للسياسة الأمريكية، ليكون رادعًا ولو بصورة جزئية تجاه الأخطار العسكرية الخارجية المحتملة... ولا سيما من جانب الولايات المتحدة الأمريكية بالذات.

ومن أراد المزيد من التفصيل فليرجع إلى تعريف الأخطار المستقبلية، بمنظور السياسة الأمريكية كما جرى تثبيته على مستويات مختلفة بلغت القيادات العليا لحلف شمال الأطلسي ومؤتمرات قمته، وكان في مقدمتها- منذ عام ۱۹۹۱م، خطر الأصولية الإسلامية، فيما يوصف بمنطقة هلال الأزمات ما بين المغرب وإندونيسيا ... ومنها مثلا تأمين خطوط نقل مصادر الطاقة ولاسيما النفط والمواد الخام والبضائع التجارية، وهو ما ينبغي وضعه في إطار ما جرى تثبيته عبر الاتفاقات «الدولية» بما يضمن مضاعفة السيطرة الاقتصادية والمالية تحت عنوان «العولمة».

إن سقوط الاتحاد السوفييتي ومعسكره الشرقي، جمع بين دول الشمال على أرضية جديدة، ولم يمنع ذلك من استمرار التجسس المتبادل، ولا سيما في الميادين الاقتصادية والتقنية، ولكن زوال أزمة الشرق والغرب مكن جهاز المخابرات الأمريكية، الذي يعمل في مقره الرئيسي ١٦ ألف شخص، ويعمل معه عالميًّا ۸۰ ألف مخبر على الأقل... مكنه من تخفيض حجم الطاقات التي كان يصرفها للتجسس على الشرق، وبالتالي فقد أمكن تحريرها لتوجيهها إلى مناطق أخرى من العالم.

لقد عين تانيت، الرئيس الجديد للمخابرات، جاك دونينج -الذي يتقن الصينية- رئيسًا لجهاز المخبرين، وهو ما يرجح أن تكون الصين هدفًا رئيسيًّا في المرحلة المقبلة، وإن أنكر تانيت ذلك رسميًّا... إلا أن ما لا شك فيه، هو أن النشاط الأعظم للمخابرات الأمريكية، تحت العناوين المذكورة وسواها سيتركز على موطن الإسلام الذي اعتبر فكريًّا ورسميًّا وعلى مختلف المستويات، علنًا تارة وببعض التمويه تارة أخرى هو العدو البديل بعد انهيار الشيوعية ومن يصدق المزاعم الكلامية القائلة بالتمييز بين متطرفين ومعتدلين، فعليه التأمل في الوقائع التطبيقية للسياسات الأمريكية في السنوات الماضية؛ فهي المصدر الأصح لتقدير ما تتعرض إليه المنطقة الإسلامية من أخطار جسيمة ليس جهاز المخابرات الأمريكية إلا أداة من الأدوات المستخدمة في إطارها لتحقيق أهداف السيطرة الأجنبية على مختلف الأصعدة.

ولكن ما لا ينبغي أن يغيب عن الأذهان في مواجهة الخطر، هو أن المخابرات المركزية الأمريكية، ليست إلا جهازًا سرى فيه ما سرى في سواه من أجهزة القوى الدولية من أسباب الانهيار الداخلي، وأن ما يحققه من «إنجازات» بالمعايير الأمريكية، يرتبط أولا وأخيرًا بالأرضية الملائمة التي يجدها جاهزة في البلدان التي يستهدفها بعملياته وبالأفراد الذين يوفرون له إمكانية استخدامهم أدوات لتوجيه الضربات الداخلية في بلادهم، وعلى قدر الوعي بحقيقة الأخطار الخارجية دون تهويل من شأنها ولا تهوين يمكن توفير أسباب مواجهتها، وصدها، شريطة اقتران ذلك بما يصنع الإنسان القادر من خلال قيمه على الاستعلاء فوق المغريات والمرهبات على السواء... ولا يملك أي جهاز مخابرات مهما على واستعلى سوى جملة من المغريات والمرهبات لتحقيق أغراضه الفاسدة وتنفيذ عملياته القذرة.

الرابط المختصر :