العنوان سمر ليلة شتاء طويلة حول إعادة كتابة التاريخ الإسلامي
الكاتب محمد أحمد الراشد
تاريخ النشر الثلاثاء 05-فبراير-1980
مشاهدات 60
نشر في العدد 468
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 05-فبراير-1980
القسم الثالث
الشعوبية حركة معادية للإسلام كما هي معادية للعرب وهي ترتكز على البدع العقائدية
إخفاء دور قادة تحرير تركيا من المسلمين الأبطال وإبراز دور أتاتورك هادم الخلافة مثال على تزوير التاريخ الإسلامي
وإذا كانت الحماسة قد دعتنا إلى هذا التركيز على طلب الدراسات التحليلية للتاريخ الإسلامي فإن علينا أن لا نغفل عن لون آخر من خدمة التاريخ قام به المستشرق بروكلمان لما أصدر موسوعته عن «تاريخ الأدب العربي» وأودع خلالها ذكر ما وصل إليه علمه مما هو مبثوث في مكتبات العالم من المخطوطات العربية في كافة جوانب الآداب والعلوم ومنها التاريخ الإسلامي وهي موسوعة رفيعة المستوى، وتدل على ما صرف لها من جهد جهيد.
وكان الكثير من الباحثين يظنون أن بروكلمان قد استوفي واستكمل حتى جاء الباحث التركي الأستاذ فؤاد سركين حفظه الله ونشر استدراكاته على بروكلمان فإذا هي كثيرة جدًا وقد أصدر منها حتى الآن بألمانيا ثمانية مجلدات وستكمل في عشرين أو أكثر ويفصح عمله عن معدن جزل راسخ وعقل موسوعي نادر المثال ولا يوجد اليوم أعلم منه بالمخطوطات العربية ومازال يقيم في ألمانيا منذ سنوات طويلة أستاذًا جامعيًا وهو يتجه اليوم إلى تأسيس مركز جديد للدراسات الاسلامية الوثائقية في ألمانيا وسمعت أنه ينوي تحويل مكتبته الشخصية القيمة إلى هذا المركز ولكن الحكومات العربية لا تعضده بالمال الكافي ولربما وعدته بشيء قليل لا يتناسب مع طموحاته البعيدة.
وللصواب جوانب وأقارب
وكذلك فإن ذكرنا لهذه الجهود المتنوعة وترشيحنا للأخيار العشرة:
لا ينسينا المساهمات الجانبية الجيدة في الكتابة التاريخية الإسلامية وفي مقدمتها مساهمة الشيخ محب الدين الخطيب- رحمه الله- إذ كتب كتابه «مع الرعيل الأول» قديمًا، ونجح فيه وأودع بيانات تاريخية مفيدة خلال هوامشة على «العواصم من القواصم» لأبن العربي، وله مقالات أخرى جيدة مع تخليطه في آخر عمره. و يرد في هذا السياق أيضًا «الرسالة المحمدية» للشيخ سليمان الندوي- رحمه الله-، أحد كبار علماء الهند وقد أجاد فيه كل الإجادة وعرض عرضًا ناجحًا أهم أخلاق النبي- صلى الله عليه وسلم- ومميزات سيرته وكذلك كتاب الأستاذ المودودي- رحمه الله- عن «تاريخ تجديد الدين وإحيائه».
وكتب الشيخ محمد زاهد الكوثري مقالين عما يقال من زواج خالد بن الوليد- رضي الله عنه- بزوجة مالك بن نويرة أبدى فيهما براعة، تجدهما في كتاب «مقالات الكوثري» وهو شيخ شديد التعصب للمذهب الحنفي، سليط اللسان على ابن تيمية وابن القيم بظلم لكنه واسع الاطلاع وفي بعض ما كتب فوائد للمختصين لكن وقوع كتبه في أيادي المبتدئين يضر ضررًا بالغًا.
ومن الكتابات المنسية في الباب التاريخي كتاب «المهدي والمهدوية» لعبد الرزاق الحصان وهو كاتب بغدادي توفي في الكويت في الستينات وكنت أزوره يوم كان أمينًا لمكتبة الأوقاف العامة ببغداد وأحاوره فسمعت منه ورأيت في كتاباته غلوًا وتكلفًا ولمست منه حدة وتطرفًا قوميًا عنيفًا لكن ميزة كتابه أنه يجمع لك فيه نقولًا متفرقة ثمينة وهو مطبوع ببغداد سنة ١٩٥٧ والقارئ اللبق يستطيع الاستفادة من مثل هذه الكتابات المخلطة إذا عرف طريق الحذر وميز ولم يكن مبتدئًا.
ويمكن أيضًا وبقليل من التجاوز عن الموازين التي اعتمدناها أن نورد في هذا السياق كتاب عبد الله السلوم السامرائي عن «الغلو وفرق الغلاة» وهو دراسة جامعية يصدر فيها عن أفكار قومية لكن طبيعة الموضوع أرته حقائق عقائدية وتاريخية كثيرة نسقها بنجاح ولمس من خلال بحثه الصلات المتبادلة بين المساعي الشعوبية والانحراف العقائدي الذي مثلته سلسلة الزنادقة والمبتدعة.
وباسترسال يسير آخر مع هذا التجاوز يدخل كتاب «جذور الشعوبية» للدكتور عبد العزيز الدوري ضمن الكتب التي أزكيها للداعية المسلم مع ما في الكتاب من آراء متكلفة وسبب استساغتي لهذه التجاوزات أن الشعوبية حركة معادية للإسلام كما هي معادية للعرب وقد اعتمدت الغلو العقائدي والابتداع طريقًا لفلسفة عملها وسببًا لتماسك أفرادها ولهذا فإن كل كابت للشعوبية إنما هو ناصر للإسلام وإن لم يرد أو يتبين حقيقة عمله وكل داعية مسلم يتعبد وتصفو له عقيدته إنما هو كابت للشعوبية بدوره وهذا الترابط ظاهر في القديم كما هو في الحياة المعاصرة.
ولكن كما أن هذا الترابط يعظ صاحب العروبة بعدم التنكر للإسلام وتلك نتيجة إيجابية لوضوح الترابط فإن له نتيجة سلبية أيضًا إذ أغرى هذا الوضوح ويغري من تعوزهم الثقافة الشرعية والأحاسيس الإيمانية بإفراط في معنى العروبة وحداهم ويحدوهم إلى غلو فيها لا تسمح به معاني الأخوة بين الشعوب الإسلامية.
ومن هنا على القارئ أن يفهم أن تزكيتنا لمن ذكرنا لا تعني التنكر لآخرين أهملنا ذكرهم كالدكتور صالح أحمد العلي رئيس المجمع العراقي حاليًا ورئيس قسم التاريخ بجامعة بغداد من قبل لسنوات طويلة أو ذكرناهم مع إشارة إلى مخالفتنا لهم كالدكتور عبد العزيز الدوري رئيس جامعة بغداد سابقًا إذ لهما الاطلاع الواسع الذي لا ينكر ولكن تأثرهما بآراء من درسا عليه من المستشرقين ومخالفتهما لبعض ما أوردت من الموازين يمنعنا من الإقرار بالصفة الإسلامية لبحوثهما التاريخية مع أنهما من المختصين بتاريخ صدر الإسلام والقرون الأولى ولهما صواب كثير نعترف به لهما لكنهما شاباه والأستاذ الدوري يلهو اليوم بجهد شاق في طريق من النفع اتيح له يدنو به نحو ما نبغي إن هو معتكف منذ سنوات طويلة لتحقيق مخطوطة سيرة النبي- صلى الله عليه وسلم- لمحمد بن اسحاق بنصها الكامل الذي اكتشف في المغرب ولو انشغل غيره بمثل الشغل المثمر الذي لا خلاف فيه لكان أحسن لهم وللمسلمين.
وأما الدراسة الأندلسية فإن أعراف الناس تقدم الأستاذ محمد عبد الله عنان على أنه المختص الأول فيها وهو كذلك بحق وكتاباته دقيقة وعالية المستوى كما أنه يعتبر الرائد البادئ في المجال من بعد شكيب أرسلان.
و يتلوه الدكتور حسين مؤنس لكنه أقل صفاء من الأستاذ عنان وله فلتات إذا قسناه بالموازين الإسلامية التي ذكرتها أول مقالي هذا ولست بحاجة للتدليل على ذلك بشيء من كلامه القديم ويكفيني ما أورده في مقال كتبه في ٢٢ كانون الثاني (يناير) ۱۹۸۰ في جريدة القبس الكويتية يوم صدور القسم الأول من مقالي وذكر فيه كلامًا لطيفًا عن مؤتمر السيرة الأخير بقطر لكنه أنهى مقاله بسخرية من متحدث في المؤتمر غمز أتاتورك لأنه ألغي الخلافة وأثنى على هذا الحاكم المستبد بحجة أنه حرر تركيا من السيطرة الأجنبية حتى تساءل أخيرًا: ترى ماذا كان سيصير إليه حال تركيا لو لم يأخذ أتاتورك دوره؟ وهل إلغاء الخلافة جريمة تذهب بتحرير بلاده؟
والكتابات الإسلامية الكثيرة ترد الأستاذ مؤنس فإن حرب الاستقلال التركية خاضتها قيادة جماعية شارك فيها شجعان القادة الأتراك بدرجة سواء أمثال الفريق نور الدين إبراهيم قاهر القائد البريطاني تاوزند والبطل الأسطوري الأدميرال رؤوف اوربای وغیرهما ولكن أتاتورك سرق منهم انتصاراتهم وأبعدهم بمعاونة الماسونيين وأظهرته الدعاية اليهودية كقائد فرد ناء بكل ثقل الحرب ونادت به (زعيمًا أوحدًا).
ومن ذا الذي يناقش الأستاذ مؤنس في تلك الفترة من مشاركة أتاتورك أو قيادته؟ ولكن الأعمال بخواتيمها وإلغاء الخلافة جريمة كبرى طغت على تاريخه الأول وإن استهزأ مستهزئ بمستعظم لإلغائها فإن من المغالطة أن نفهم أن تلك الخطوة كانت إلغاء لمكانة خليفة ضعيف ورثها عن أضعف منه عبد المجيد عن وحيد الدين عن رشاد ولكنه ألغي هذا المبدأ السياسي الإسلامي واستغل ذلك لاستئصال كل مبادئ الإسلام الأخرى وبوحشية ضارية وعمالة سافلة فقتل ومثل وأرهب وبطش وجعل تركيا ألعوبة بيد حفنة من التجار اليهود الماسونيين الذين شاركوا من بعد مشاركة مباشرة في قيام إسرائيل وفي إسنادها حتى الآن وجهل الأستاذ مؤنس بقيمة هذه الجريمة الأتاتوركية يدل على عدم استيعابه لدروس التاريخ الأندلسي الذي يختص فيه فإن اليهود هم الذين ساعدوا على تقليص دولة الإسلام في الأندلس وفي مذكرات الأمير عبد الله بن بلقين أخبار كثيرة عن دورهم ذاك قبيل العصر المرابطي ثم كان لهم دور في إنهاء دولة غرناطة وخروج المسلمين من الأندلس نهائيًا ومثل هذا هو الذي كنت أعنيه خلال كلامي عن الموازين عندما ذكرت وجوب تحلي الكاتب بقدرة على تحليل واستيعاب لدروس الأحداث.
ومع هذا فإن تعقيبي على مثل هذه الفلتة من الأستاذ مؤنس لا يعني تجاهلي لمكانة دراساته الأندلسية فإنها وافرة وجيدة وهو والأستاذ عنان يمثلان الجيل المخضرم من المعنيين بالتاريخ الأندلسي وبدأ تنافس عدد من تلاميذهما اليوم كل منهم يستشرف لاحتلال موطن الخلافة لهما وأنا أرجو أن يكون الدكتور
عبد الرحمن الحجي أسبق أقرانه وأجدر بالترشيح لاحتلال مكانة الاختصاصي الأول في الميدان الأندلسي وهو محتاج إلى كتاب آخر في الأندلسيات من وزن كتابه (التاريخ الأندلسي) ليضمن تواطؤ الإشارات إلى تقديمه ودفعه إلى قيادة الجيل القادم من أصحاب الاهتمامات الأندلسية.
وليس هذا الترشيح مني غمزًا باثنين من الباحثين في التاريخ الأندلسي هما: الدكتور السيد عبد العزيز سالم والدكتور أحمد مختار العبادي وقد اشتهرا بجملة بحوث وتحقيقات ولربما كان لهما من صحة المنهج وطريقة التناول ما يرضي الملتزم بالمفاهيم الإسلامية ولكني لا أعرفهما ولم اقرأ لهما وأتخوف أن أقول قولًا عن غير مطالعة وتعرف ويصدق هذا الكلام أيضًا على غيرهما ممن له مشاركة في الأندلسيات ولم أورد ذكره وإنما كانت بي هذه الجرأة لترشيح الدكتور الحجي لكثرة بحوثه واقتصار غيره على تحقيق المخطوطات الأندلسية أو يكادون والسنوات القادمة كفيلة بأن تحكم له أو لأحد منهم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل