; سمات الدعوة والداعية تتجلى في حياة ابن تيمية | مجلة المجتمع

العنوان سمات الدعوة والداعية تتجلى في حياة ابن تيمية

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر الثلاثاء 25-مارس-1980

مشاهدات 115

نشر في العدد 475

نشر في الصفحة 34

الثلاثاء 25-مارس-1980

إن المتفحص لأخبار شيخ الإسلام ابن تيمية تتجلى أمامه بشكل واضح صفات الداعية الأصيل وبكل ما تحوي هذه الكلمة من معان، وفي هذا البحث محاولة لإبراز بعض هذه الصفات التي من شأنها أن تكون وقودًا للأخوة المربين.

مقدمة

اتفق أن بعض مشايخ العلماء بحلب قدم إلى دمشق وقال: سمعت في البلاد بصبي يقال له أحمد بن تيمية، وأنه سريع الحفظ، وقد جئت قاصدًا لعلي أراه، فقال له خياط: هذه طريق كتابه وهو الآن ما جاء فاقعد عندنا الساعة يجيئ يعبر علينا ذاهبًا إلى الكتاب، فجلس الشيخ الحلبي قليلًا، فمر صبيان فقال الخياط للحلبي: هذاك الصبي الذي معه اللوح الكبير هو أحمد بن تيمية، فناداه الشيخ، فجاء إليه، فتناول الشيخ اللوح، فنظر فيه ثم قال: يا ولدي امسح هذا حتى أملي عليك شيئًا تكتبه، ففعل، فأمل عليه من متون الأحاديث أحد عشر أو ثلاثة عشر حديثًا وقال له: اقرأ هذا فلم يزد على أن تأمله مرة بعد كتابته إياه- ثم دفعه إليه وقال: اسمعه علي، فقرأه عليه عرضًا كأحسن ما أنت سامع. فقال له: يا ولدي امسح هذا، ففعل، فأملى عليه عدة أسانيد انتخبها، ثم قال: اقرأ هذا، فنظر فيه، كما فعل أول مرة، فقام الشيخ وهو يقول - إن عاش هذا الصبي ليكونن له شأن عظيم فإن هذا لم ير مثله.[1]

رسالة إلى والدته:

من أحمد بن تيمية إلى الوالدة السعيدة أقر الله عينها بنعمه وأسبغ عليها جزيل كرمه، وجعلها من خيار إمائه وخدمه.

سلام عليكم ورحمة الله وبركاته - تعلمون أن مقامنا الساعة في هذه البلاد، إنما هو لأمور ضرورية متى أهملناها فسد علينا أمر الدين والدنيا، ولسنا والله مختارين البعد عنكم ولو حملتنا الطيور لسرنا إليكم ولكن الغائب عذره معه، وأنتم لو اطلعتم على باطن الأمور، فإنكم -ولله الحمد- ما تختارون الساعة إلا ذلك.

فلا يظن الظان أن تؤثر على قربكم شيئًا من أمور الدنيا قط بل ولا تؤثر من أمور الدين، ما يكون قربكم أرجح منه، ولكن ثم أمور كبار نخاف الضرر الخاص والعام من إهمالها والشاهد يرى ما لا يرى الغائب.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته كثيرًا كثيرًا، وعلى سائر من في البيت من الكبار والصغار وسائر الجيران والأهل والأصحاب واحدًا واحدًا والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا.[2]

لا ينسى قضيته حتى في السجن

ولما دخل السجن وجد المحابيس مشتغلين بأنواع من اللعب يلتهون بها عما هم فيه كالشطرنج والنرد، ونحو ذلك من تضييع الصلوات.. فأنكر الشيخ عليهم ذلك أشد الإنكار وأمرهم بملازمة الصلاة والتوجه إلى الله بالأعمال الصالحة، والتسبيح، والاستغفار والدعاء وعلمهم من السنة ما يحتاجون إليه، ورغبهم في أعمال الخير وحضهم على ذلك حتى صار الحبس بما فيه من الاشتغال بالعلم والدين خيرًا من الزوايا والربط والخوانق والمدارس، وصار خلق من المحابيس إذا أطلقوا يختارون الإقامة عنده، وكثر المترددون إليه حتى كان السجن يمتلئ منهم[3]...

صور من عفوه وحلمه «الدعاة لا ينتقمون لأنفسهم»

أ_ قال الحافظ محمد بن أحمد- سمعت الشيخ تقي الدين بن تيمية رحمه الله يذكر: أن السلطان لما جلس بالشباك، أخرج من جيبه فتاوى لبعض الحاضرين في قتله واستفتاه في قتل بعضهم.

قال: ففهمت مقصوده وأن عنده حنقًا شديدًا عليهم لما خلعوه وبايعوا الملك المظفر ركن الدين بيبرس الجاشنكير، أي عرف أنه ليس خالصًا لله فشرعت في مدحهم والثناء عليهم وشكرهم، وأن هؤلاء لو ذهبوا لم تجد مثلهم في دولتك، أما أنا فهم في حل من حقي ومن جهتي وسكنت ما عنده عليهم، قال: فكان القاضي زين الدين بن مخلوف - قاضي المالكية يقول بعد ذلك: ما رأينا أتقى من ابن تيمية، لم نبق ممكنًا في السعي فيه ولما قدر علينا عفا عنا.[4]

ب_ ثم إن الشيخ بعد اجتماعه بالسلطان نزل إلى القاهرة، وسكن بالقرب من مشهد الحسين، وعاد إلى بث العلم ونشره، والخلق يشتغلون عليه ويقرأون وفيهم من يعتذر إليه ويتنصل مما وقع فقال: قد جعلت الكل في حل مما جرى[5]..

ج_ جاء رجل إلى أخيه الشيخ شرف الدين، وهو في مسكنه بالقاهرة فقال له: إن جماعة بجامع مصر قد تعصبوا على الشيخ وتفردوا به وضربوه وكان بعض أصحاب الشيخ جالسًا عند شرف الدين قال: فقمت من عنده وجئت إلى مصر فوجدت خلقًا كثيرًا في الحسينية وغيرها رجالًا وفرسانًا يسألون عن الشيخ واجتمع عنده جماعة وتتابع الناس، وقال بعضهم: يا سيدي قد جاء خلق من الحسينية ولو أمرتهم أن يهدموا مصر كلها لفعلوا.

فقال لهم الشيخ: لأي شيء؟ قال لأجلك.

فقال لهم: هذا لا يحق.

فقالوا: نحن نذهب إلى بيوت هؤلاء الذين أذوك فنقتلهم ونخرب دورهم فإنهم شوشوا على الخلق، وأثاروا هذه الفتنة على الناس.

فقال لهم: هذا ما يحل.

قالوا: فهذا الذي قد فعلوه معك يحل؟ هذا شيء لا نصبر عليه ولا بد أن نروح إليهم ونقاتلهم على ما فعلوا - والشيخ ينهاهم و يزجرهم فلما أكثروا في القول قال لهم: إما أن يكون الحق لي، أو لكم، أو لله فإن كان الحق لي فهم في حل منه، وإن كان لكم فإن لم تسمعوا مني ولم تستفتوني فافعلوا ما شئتم وإن كان الحق لله فالله يأخذ حقه إن شاء كما يشاء.[6] 

صور من جهاده «عند الابتلاء لا يثبت إلا الدعاة»

الصورة الأولى

جاء التتار إلى الشام عام 669 وهزموا عساكر الناصر بن قلاوون فولى جند مصر والشام الأدبار واجتازوا دمشق فارين إلى مصر، وفر كثير من أعيان العلماء إلى مصر كقاضي الشافعية وقاضي المالكية وغيرهما من كبار العلماء وكبار الرجال، ولكن عالمًا واحدًا بقى مع العامة فلم يقف ولم يخرج، لأن له قلبًا يحول بينه وبين الفرار.[7]

فقد ساد السلب والنهب حتى أن المحبوسين من الشطار والسراق خرجوا من الحبس وكانوا قريبًا من مائتي رجل فنهبوا ما يقدرون عليه - جمع ابن تيمية أعيان البلد واتفق معهم على ضبط الأمور وأن يذهب على رأس وفد منهم يخاطبون ملك التتار في الامتناع من دخول دمشق.

الصورة الثانية

قال أحد الذين شاهدوا اللقاء - كنت حاضرًا مع الشيخ فجعل يحدث السلطان بقول الله ورسوله في العدل، ويرفع صوته ويقرب منه والسلطان مع ذلك مقبل عليه مصغ لما يقول شاخص إليه لا يعرض عنه -وسأل- من هذا الشيخ إني لم أر مثله ولا أثبت قلبًا منه، والشيخ أوقع من حديثه في قلبي، ولا رأيتني أعظم انقيادًا لأحد منه[8]..

ومما خاطبه عن طريق الترجمان - قل للقازان أنت تزعم أنك مسلم، ومعك قاض وإمام وشيخ ومؤذنان على ما بلغنا، وأبوك وجدك كانا كافرين، وعملا ما عملت عاهدا فوقيا وأنت عاهدت فغدرت وقلت فما وفيت[9]..

الصورة الثالثة

انتثر الجند المجموع وتفارطت الحال، فتقدم البطل الورع واستحث السلطان وأمراءه على إعداد العدة وجمع الجند -وقال في حمدة وغلظة قولة الحق والمصلحة: «إن كنتم أعرضتم عن الشام وحمايته أقمنا له سلطانًا يحوطه ويحميه ويستغله في زمن الأمن- لو قدر أنكم لستم حكامه ولا ملوكه واستنصرهم أهله وجب عليكم النصر فكيف وأنتم وسلاطينه وهم رعاياكم وأنتم مسؤولون عنهم» ثم قوى جأش الأمراء وما زال بهم حتى خرج السلطان بجنده إلى الشام[10].

الصورة الرابعة

ولقد أقام الفضيلة والأخلاق عندما صار رجل دمشق وحاكمها غير المتوج عندما فر حكامها في سنة 669 وأصبح إنكار المنكر حقًا عليه بالفعل لا بالقول والقلب إذ صار مبسوط اليد والسلطان فيها، فقد رأى الحانات والخمور فأخذ هو وصحبه وقد صاروا حكام الساعة، فحطموا أواني الخمر، وشقوا قرابها وأراقوا الخمور وعزروا أصحاب الحانات المتخذة للفواحش، فلقى ذلك في العامة ترهابًا إذ رأوا حكم القرآن ينفذ وعهد الرسول صلى الله عليه وسلم يعود[11].. 

الصورة الخامسة

«طريق الدعوة واحد إذن طريق الابتلاء واحد»

لقد كان ابن تيمية يقيم بعض الحدود بهذا السلطان فثار جماعة من حساده -فأرادوا أن يكيدوا له من هذه الناحية فقد جاء إلى نائب السلطنة كتاب فيه- أن ابن تيمية ومعه غيره من العلماء والأفراد والخواص يناصحون التتار ويكاتبونهم ويؤيدون من يمالئهم، فأحضره السلطان الناصر لدين الله بين يديه وقال له: إنني أخبرت أنك قد أطاعك الناس وأن في نفسك أخذ الملك فلم يكترث به بل قال له بنفس مطمئنة وقلب ثابت وصوت عال سمعه كثير ممن حضر - أنا أفعل ذلك؟ والله إن ملكك وملك المغول لا يساوي عندي فلسًا، فتبسم السلطان لذلك وأجابه في مقابلته بما أوقع الله في قلبه من الهيبة العظيمة: إنك والله لصادق وأن الذي وشى بك إلي لكاذب.

فعرف كاتبه وعزر تعزيرًا شديدًا - وقطعت يد كاتبه[12].

الصورة السادسة

أخبر حاجب من الحجاب الشاميين ذو دين متين - قال لي الشيخ يوم اللقاء ونحن بمرج الصفر، وقد تراءى الجمعان فلان أوقفني موقفة الموت قال فسقته إلى مقابلة العدو، وهم منحدرون كالسيل تلوح أسلحتهم من تحت الغبار المنعقد عليهم -ثم قلت له- يا سيدي: هذا موقف الموت وهذا العدو، قد أقبل تحت هذه الغبرة المنعقدة فدونك وما تريد.

قال: فرفع طرفه إلى السماء وأشخص بصره، وحرك شفتيه طويلًا، ثم انبعث وأقدم على القتال، وأما أنا فخيل إلي أنه وبما عليهم وأن دعاءه استجيب منه في تلك الساعة، ثم حال القتال بيننا والالتحام وما يحدث رأيته حتى فتح الله ونصر، وانحاز التتار إلى جبل صغير، عصموا نفوسهم به من سيوف المسلمين -وإذا أنا بالشيخ وأخيه يصيحان بأعلى صوتهما- تحريضًا على القتال وتخويفاً للناس من الفرار[13].

«هكذا يكون الذوبان بالقضية»

فلما كان قبل وفاته بأشهر ورد مرسوم السلطان بإخراج ما عنده كله، ولم يبق عنده كتاب ولا ورقة ولا دواة ولا قلم وكان بعد ذلك إذا كتب ورقة إلى بعض أصحابه يكتبها بفحم[14].

وجاء في بعض الرسائل الفحمية إلى بعض أصحابه.

ومن سنة الله أنه إذا أراد إظهار دينه، أقام من يعارضه فيحق الحق بكلماته ويقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق.

وجاء في رسالة ثانية ونحن ولله الحمد والشكر في نعم عظيمة تتزايد كل يوم ويجدد الله سبحانه وتعالى من نعمه نعمًا أخرى، وخروج الكتب كان من أعظم النعم فأني كنت حريصًا على خروج شيء منه لتقفوا عليه، وهم كرهوا خروج الاختانية، فاستعملهم الله تعالى في إخراج الجميع وإلزام المنازعين بالوقوف عليه وما كتبت شيئًا من هذا ليكتم عن أحد ولو كان مبغضًا[15].

صورة من جنازته «البطل يموت في سبيل قضيته»

وأحضرت الجنازة في الساعة الرابعة من النهار، أو نحو ذلك ووضعت في الجامع والجند يحفظونها من الناس من شدة الزحام، وصلى عليه أولًا – بالقلعة، تقدم في الصلاة عليه الشيخ محمد بن تمام ثم صلى عليه بجامع دمشق عقيب صلاة الظهر.

وحمل من باب البريد واشتد الزحام، وألقى الناس على نعشه مناديلهم وعمائمهم للتبرك، وصار النعش على الرؤوس، تارة يتقدم وتارة يتأخر وخرج الناس من الجامع من أبوابه كلها من شدة الزحام وكل باب أعظم زحمة من الآخر وأغلق الناس حوانيتهم ولم يتخلف عن الحضور إلا القليل من الناس، أو من أعجزه الزحام وحضرها نساء حزرن بخمسة عشر ألفًا وأما الرجال فحذروا بستين ألفًا إلى مائتي ألف[16].

 

[1] العقود الدرية ص4

[2] العقود الدرية ص257

[3] العقود الدرية ص269

[4] العقود الدرية ص282

[5] العقود الدرية ص283

[6] العقود الدرية ص285

[7] البداية والنهاية جـ14 ص9

[8] القول الجلي في ضمن مجموعة المناقب ص162

[9] القول الجلي ص162

[10] البداية والنهاية جـ14 ص15

[11] البداية والنهاية جـ14 ص11

[12] الكواكب الدراري

[13] العقود الدرية ص177

[14] العقود الدرية ص363

[15] العقود الدرية ص 366

[16]  العقود الدرية * كتاب في المسألة التي حبس عليها وهو الرد على ابن الأخنائي قاضي المالكية بمصر.

 

مراجع أخرى:

  1. ابن تيمية – أبو زهرة.
  2. ابن تيمية – محمود خليل هراس.
  3. حياة شيخ الإسلام – البيطار.
  4. ابن تيمية بطل الإصلاح – الاستنبولي.
الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 18

0

الثلاثاء 14-يوليو-1970

هذا الأسبوع (18)

نشر في العدد 196

204

الثلاثاء 16-أبريل-1974

لمسة قلم