; سليمان رشدي: مفارقة المبادئ وأزمة المصالح | مجلة المجتمع

العنوان سليمان رشدي: مفارقة المبادئ وأزمة المصالح

الكاتب محمد امين العباس

تاريخ النشر الثلاثاء 28-فبراير-1989

مشاهدات 79

نشر في العدد 906

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 28-فبراير-1989

• ماذا تريد بريطانيا من بياناتها المصرة على حماية المارق سليمان رشدي؟

• مقاييس الحرية في الأنظمة الرأسمالية تتحول إلى عدوانية شرسة ضد الأفراد والشعوب!!

أصدرت وزارة الخارجية البريطانية قرارًا يقضي باستدعاء جميع دبلوماسييها في طهران يوم الإثنين الأسبق عقب الجلسة الأولى لمؤتمر وزراء خارجية دول السوق الأوروبية المشتركة في بروكسل، وذلك ضمن تطورات الأزمة مع إيران والتي فجرها موقف إيران من مؤلف كتاب «آيات شيطانية» سليمان رشدي، وقال بيان وزارة الخارجية البريطانية: إن قرار سحب الدبلوماسيين اتخذ ردًا على ما أعلنته إيران من تنفيذ حكم الإعدام على مؤلف «آيات شيطانية» وفي غضون ذلك أعلنت دول السوق الأوروبية المشتركة الـ12 دولة سحب سفرائها من طهران تضامنًا مع موقف بريطانيا، واستنكارًا للموقف الإيرانين.

 ومن جانب آخر استدعت الجمهورية الإيرانية جميع سفرائها من تلك الدول كرد فعل طبيعي لحالة الاستدعاء الأوروبية الجماعية. ومن جهة أخرى صرح رئيس مجلس الشورى الإيراني هاشمي رفسنجاني: «بأن إيران لا تخشى التهديدات الغربية، وأنها سوف تستمر في سياستها الإسلامية ضد تلك العدوات مهما بلغ الثمن» ووصف كتاب سليمان رشدي بأنه مؤامرة صهيونية ضد الإسلام ورسوله الكريم، وقال رئيس وزراء إيران مير حسين موسوي في مؤتمر صحفي عقده في أعقاب قرار سحب السفراء الأوروبيين قائلًا: «بأن إيران على استعداد للرد على أي فعل يمكن أن ترتكبه الدول الأوروبية كما أنها على استعداد للرد على كافة التهديدات وبكل الوسائل».

وتأتي الأزمة الأوروبية في سياق التطورات التي أحدثها كتاب «آيات شيطانية» المتضمن لإهانات عظيمة للعقيدة الإسلامية والرسول الكريم مما حدا بالزعيم الإيراني آية الله الخميني أن يصدر قرارًا بإهدار دم مؤلفه سليمان رشدي، والذي اعتبرته السوق الأوروبية نوعًا من الإرهاب كما رأت فيه بريطانيا تدخلًا في شؤونها وإهدارًا لذمة أحد مواطنيها، وبقيت الأزمة إطارًا لصراع المفاهيم وتقدير المواقف تبعًا لها، غير أن ما يتوفر للدين الإسلامي من حرمات يظل أضل بكثير مما يتوفر لغيره من الأديان.

• إهانات عقدية:

ما إن صدر كتاب «آيات شيطانية» وسعت أجهزة الإعلام الغربية على إبرازه كحدث أدبي منفرد حتى بدأت بعض المؤسسات والمنظمات والدول الإسلامية في الاحتجاج على ما تضمنه الكتاب من إهانات بالغة للعقيدة الإسلامية، وشعرت الدول الإسلامية التي احتجت وهي إيران، باكستان، مسلمو الهند والمنظمات الإسلامية في بريطانيا وكندا بأن هناك تجنيًّا متعمدًا على العقيدة الإسلامية مما يشكل تحديًا مباشرًا لمشاعرها الدينية ومقدساتها، وكان موقف إيران قويًا وواضحًا فقد أيدت رفضها المبدئي لحماية بريطانيا لمثل تلك الافتراءات، وطلبت منها أن تعتذر عما بدر منها بالسماح لنشر الكتاب وطباعته، وتوجت ذلك الموقف بإصدار حكم الإهدار لدم المؤلف، وهو موقف وإن اختلفت التقديرات الأوروبية في استيعابه إلا أنه يتوافق والشريعة الإسلامية، فالموقف بالمحافظة على توقير الدين ورد الافتراء فرض ديني وتميله أحقية احترام المقدسات، والموقف الإيراني ينطلق من تلك المسلمات الأولية في العقيدة الإسلامية، إن كل من يسب النبي r ويفتري عليه فهو مهدر الدم شرعًا ولا تنفعه توبة ويقتل حتى ولو تعلق بأستار الكعبة، وكذلك فعل النبي r مع من تعرضوا لشخصه، وبالطبع أوروبا لا تفهم المعاني الإسلامية غير أنها تفهم المعاني الدينية الصليبية، ولذلك فهي تسن في قوانينها الحماية للدين وحفظ المقدسات الصليبية من المساس على الرغم من ادعائها الطويل بالحريات الفردية...

• بريطانيا والقضية:

أرادت بريطانيا أن تظهر موقف إيران بالآثم المتطلع للإرهاب حين أمرت باستدعاء بعثتها الدبلوماسية من طهران ووسعت موقفها ذلك بضم صوت دول السوق الأوروبية المشتركة لها وبريطانيا تعلم أن هناك أكثر من سبب دفع حلفاءها لاستدعاء رؤساء بعثاتهم من طهران، ومن أبسط هذه الأسباب هو الممالأة لمواقفها طمعًا في تعديل مزاجها المتعنت تجاه الوحدة الأوروبية، لا سيما وأن أزمات سابقة حدثت بين إيران وفرنسا لم تصل فيها درجة التأزم لهذه الدرجة بالرغم من أن الحدث كان أكبر من حدث مؤلف كتاب مجحف... وبريطانيا بكل المقاييس ما زالت تنظر للعالم الإسلامي نظرة بطرس وريتشارد «قلب الأسد» الصليبية أو نظرة رجال العهد الفيكتوري الذين يرون أن الدنيا لا بد أن تبقى تحت تصرفهم، وإلا فبريطانيا ليست دولة الحريات المطلقة، بل إن إصابتها بالعقدة الصليبية ما زال هو الأقوى وإلا فلماذا الإصرار على براءة مؤلف كتاب «آيات شيطانية» والإصرار على محاربة إيران من جراء موقفها المبدئي منه؟

 ولماذا لا تحاول بريطانيا التي ترفض الإرهاب معاملة «إسرائيل» مثل تلك المعاملة؟ إن بريطانيا التي رفضت معاقبة سليمان رشدي باسم حرية الرأي قد منعت قبل أشهر معدودة صدور كتاب «صائد الجواسيس» ورفضت نشره في إنجلترا... كما أن موقف الغيرة على الأمن ومنع الإرهاب لم تقفه الدول الأوروبية ضد الاتحاد السوفيتي عندما غزا أفغانستان أو عندما اجتاحت قوات نيريري لأوغندا عام 1983. إن الموقف الأوروبي والبريطاني كله ينطلق من دهاليز المصالح والتسييد وليس من منطلقات مبدئية.

• شيء من الحرية:

إن موقف المبادئ الرأسمالية عمومًا تجاه الحريات أمر يتسق والمنطق المنفعي «نظرية بيتمان» فالمبادئ هي صنعة مشتركة للثقافة والمصلحة، وبقدر تحقيق النفع المادي تنقلب المنفعة إلى مبدأ والحريات العامة لا تخرج عن ذلك الإطار، إلا أن مصالح الطبقات العليا رأت أن التغني بالحريات العامة أمر يزين المصالح ويزيح جزءًا من قبحها المادي والحريات الفكرية لا تشغل أوروبا كثيرًا، طالما تتسق مع الثقافة الصليبية الرأسمالية، ولذا فهي مقننة بعدم مساس الخطوط الرئيسة للأسس المجتمعية، كما أن الدين المسيحي ومقدساته تبقى تحت حماية القانون وما بقي من شعارات الصليب على الأعلام الأوروبية شاهد على أسس الثقافة السائدة.

 ومن جانب آخر فإن الثقافة الغربية ترفض تمقت الثقافة الإسلامية باعتبار أن جذورها وانطلاقاتها مناوئة للثقافة الغربية، من هذا السياق فهي تعتبر ضد المصلحة الرأسمالية كما ضد الثقافة الصليبية، ولذلك فهي موضوع يجوز التعامل معه دون التقيد بالمبادئ الموضوعية التي تحكم التفكير الأوروبي، فالتعريض بالدين الإسلامي والافتراء عليه يعد أمرًا تحكمه حرية الرأي في حين أن المناقشة الموضوعية مع المبادئ الكنسية أو المبادئ المؤسسية للمجتمع الأوروبي تبقى تجديفًا يحرمه القانون ويحرمه المجتمع، فالقول بحرية البحث العلمي لا تمكن الباحث من التعرض لتخطئة «جب»، أو «ماسيتون» أو «جولدتسهير» باعتبار أنهم رواد الفكر الاستشراقي، وقد ذكر ذلك «مصطفى السباعي» في كتابه من روائع حضارتنا، وحرية الرأي المزعومة تلك هدرت الوجود الوظيفي للكاتب الصحفي المرموق محمد جلال كشك عندما صاغ مقالة تعرض فيها لبعض المفاهيم الكنسية، وبصورة موضوعية خالية من التجاوزات العاطفية.

إن أوروبا لا تفهم مفردات اللغات التجريدية، وإنما تعي وتستوعب فقط اللغة من خلال الحجم أو كم تساوي في ميزان المصلحة، وكل تفاهم لا يأخذ في الحسبان ذلك المنظور يعد «حوار طرشان».

• التوقير والعقيدة:

إن العقيدة الإسلامية تقر الحريات العامة ومنها حرية الرأي، غير أن ذلك الإقرار لا يعني الانزلاق إلى مهالك الفوضى ومداخل الهدم فالحرية تبقى مسؤولية الفرد والجماعة طالما حافظت على أسس البناء المجتمعي ولم تخرج على قيم العقيدة والأعراف الكريمة، وحينما يستبد ببعض الأفراد أو حتى الجماعات الهوس العقلي والإعجاب بالرأي، فالعقيدة الإسلامية تفتح مجال المناظرة والجدل بالحق والسعي إلى معرفة أسباب التفلت والخروج، ولو كان ذلك الخروج خروجًا على العقيدة فالتسوية والمراجعة والنقد الذاتي والمجتمعي بأركانه العلمية والوقائية متاح وموفور، ومن تاب وتراجع كفى نفسه، وأما الذي يصل به الانزلاق في الهوى لدرجة سب النبي r أو الافتراء عليه، فإنه مهدر الدم ولا تقبل توبته.

• المصالح والموقف المفتقد:

إن أوروبا لها مصالح حيوية في منطقة العالم الإسلامي، وهي تعلم أن تلك المصالح تبقى في حفظ ومأمن ما لم تحدث تغيرات واسعة في التركيبة الثقافية والتكوينية للمجتمع المسلم، ومن أبجديات تلك المصالح أن الشرق الإسلامي يعتبر سوقًا استهلاكيًا واسعًا للمصنعات الأوروبية كما أنه منتج للمواد الأولية والاستخراجية «النفط» ولا يمارس مع أوروبا إلا تجارة سلسة في تعاملها ولا تجلب له إشكالات أو شرائط تنموية، وهذه المصالح ظلت بمنأى عن المبادئ والأفكار السائدة في الغرب، ولذا فهو يقوم بخطوات مناقضة لأفكار وثقافة المسلمين دونما يجد حرجًا أو تعنيفًا من قبل شركائه التجاريين، وحينما تظهر للسطح قضية مثل مشكلة افتراءات سليمان رشدي فإن الغرب يتعامل معها وفقًا لقواميسه النمطية الجاهزة ولا يحتاج لاستعارة قاموس شرقي إسلامي، وعندما بدأت إيران في موقفها الرافض هنا هاج الغرب عليها واعتبر ذلك بادرة تحدٍ خطرة.

إن أوروبا لا تهمها ألفاظ الشجب والإدانة فهي لا تعدو أن تتلاشى بفعل الزمن، ولكن عندما يتعامل معها الشريك أو الخصم بلغة المصالح والتأكيد على مفردات الفعل فإن لهجة الحديث تتبدل والمواقف تتغير، ولهذا فالدول الإسلامية مطالبة بإعلان موقف مبدئي تدعمه المصالح والإعلان بأن التعامل لا بد أن يرتفع بتكافئ منطق المبادئ حتى تحفظ لعقائدنا ومقدساتنا الموضع اللائق، وبقدر ما كانت تلك المواقف صادقة فعالة كانت استجابة أوروبا الموازية وهي في المقام الأول مواقف تمليها العقيدة ﴿حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ (البقرة: 193) صدق الله العظيم.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 3

314

الثلاثاء 31-مارس-1970

مشاريع كثيرة، ولكن !!

نشر في العدد 17

206

الثلاثاء 07-يوليو-1970

هذا الأسبوع - العدد 17

نشر في العدد 18

166

الثلاثاء 14-يوليو-1970

الترقب والانتظار!