; سلسلة النجاح (٤): الإقدام وترك التردد | مجلة المجتمع

العنوان سلسلة النجاح (٤): الإقدام وترك التردد

الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين

تاريخ النشر الثلاثاء 27-أكتوبر-1998

مشاهدات 68

نشر في العدد 1323

نشر في الصفحة 66

الثلاثاء 27-أكتوبر-1998

  • داء التسويف مهلك للأعمار وللأعمال.. وبه تزداد معاناة الإنسان
  • عليك أن تتخطى بنظرك وعزمك العوائق التي يضعها البعض في طريقك لترى عديدًا من الفرص التي هيأها لك القدر لتنجز من الأعمال الدينية والدنيوية الكثير

يعتبر التأجيل من أكثر الطرق استخدامًا لتجنب المعاناة، ولكن عادة عندما تؤجل ما يجب أن تفعله الآن، فإن ذلك يكلفك المزيد من المعاناة فيما بعد. 

ذلك قول حكيم من الحكماء، يضع يدك على أكثر أسباب الندم، أو الحسرة الشائعة بين الناس في عصرنا هذا، إنه داء التسويف المهلك للأعمار وللأعمال، فكم من إنسان تَمُر به سنوات بعد سنوات، وهو لم يتقدم خطوة واحدة للأمام في أي مجال فكري أو سلوكي، وكان ابن مسعود يقول: «ما من يوم حزنت على فقده أكثر من يوم زاد فيه عمري ولم يزدد فيه عملي»، فليست العبرة في اليوم ذاته، ولكن فيما انجز فيه من الخيرات، وفعل من الطاعات، وانتفع به الناس في الدنيا، وأثابهم الله عليه في الآخرة. 

فإن خلا اليوم من شيء من ذلك فهو محسوب عليك، وليس محسوبًا لك، والنفس بطبعها تميل إلى الدعة واللهو، وهي لكي تعمل ما يفيد وتستمر فيه تحتاج إلى معونة، وإلى دافع ينطوي على الترهيب أو الترغيب، والقرآن دافع عظيم للمؤمنين به لعمل الخيرات وتجنب الموبقات، ولذا جاء فيه الأمر: 

﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (آل عمران: 133)

﴿فَاستبِقُوا الْخَيْرَاتِ ۚ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا﴾ (المائدة: ٤٨). 

وجاء فيه: ﴿سَابِقُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ (الحديد: 21).

وفعل الخير يشمل كل مجالات الحياة، إذ لا يوجد سبيل قاصر على الشر وحده غير قابل للخير، إلا عند الشيطان وحده، وحديثنا عن فعل الخير لدى البشر، فإن ضاق سبيل عليك وسد طريق في وجهك فلا يصدنك ذلك عن سلوك طريق آخر، إذ لا يجب أن تقتصر نظرتك على الحائط الذي وضعه الآخرون في طريقك، ولكن انظر إلى كثرة الطرق وسعتها، ولا تنظر إلى العوائق التي يمكن أن تصد الناس عن سبيل الله، ولكن انظر إلى الفرص التي هيأها لك القدر لتعمل على نصرة الله، من خلال فعل ما يرضاه في الوقت المحدد المعلوم، فإن لكل شيء وقته، فإن مضى الوقت فقد الشيء قيمته، وربما قويل بالرفض، فما قيمة تقديم الطعام لرجل استشرى به الداء؟ وما قيمة محاضرة دينية عظيمة بين الجائعين؟ وما قيمة الحديث عن الحرية وأثرها بين الأسرى والمعتقلين؟

وينبغي وأنت تعمل الحق الذي أمر الله به في مكانه المناسب، ووقته المعلوم، ألا تخاف مما يوضع أمامك من عقبات ومشكلات، فإنك إذا فرطت في التركيز على ما تخاف منه فسوف ينتهي بك الأمر إلى الوقوع فيه، ورغم أن كبار القادة لم يكونوا واقعيين في تصوراتهم للمستقبل، وكانوا يذكرون بعض الإخفاقات التي وقعوا فيها، إلا أنهم لم يكونوا أسرى الخوف منها.

ولا يقتصر هذا التصور للمستقبل ومحاولة الوصول إليه على القادة وحدهم، بل إنه يمتد إلى الإنسان، حيث وجد هذا الإنسان، وتمسك بالأمل القوي الذي يولد عنده شعورًا معنويًا يدفعه إلى الإصرار على تعلم مهارة من المهارات، ولا شك عندي في أن الإنسان النافع يجيد مجموعة من المهارات البانية، والغارسة للخير في تربة الأرض لينتفع به الناس، وأما غيرها من المهارات فإن وجودها وعدمها سواء، بل إن عدمها يجنب الناس كثيرًا من الشرور والآلام.

فلا تجعل المهارات غير المقبولة رفيقك في الحياة، بل عليك أن تتخلص من كل ما يجعلك غير نافع للآخرين بالمقدار نفسه الذي تحب أن يكونوا نافعين لك، وأن تدرك أن التطور سنة سائرة في الحياة، ومن لم يتابع هذه السنة فإنه يتجمد في مكانه، ولا ينتظره ركب الحياة السائر أبدًا.

إن التطور الذي نعنيه هو في الوسائل لا في الغايات، وفي إمداد الحياة بطاقات جديدة، وإبداعات مبتكرة، ولتكن بغيتك الوصول إلى كل جديد نافع مفيد في عالم اليوم، فالأشخاص المتشوقون للمعرفة وتعلم الجديد لا يشعرون بالسأم أو الملل على الإطلاق، لأن الحياة بالنسبة لهم ما هي إلا دراسة ممتعة لا نهاية لها «٣٦٥ خطوة للنجاح، ص ۲۲۹ بتصرف»، وأجدر من هؤلاء وأحق بالبعد عن السأم والملل والرتابة والجمود أولئك العاملون على تقديم الخير للآخرين، وبذل جهودهم للناس أجمعين.

الرابط المختصر :