العنوان سلسلة النجاح (۲) الإصرار على الاستمرار.. منهج الواثقين
الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين
تاريخ النشر الثلاثاء 13-أكتوبر-1998
مشاهدات 103
نشر في العدد 1321
نشر في الصفحة 66
الثلاثاء 13-أكتوبر-1998
الخطوات وإن كانت قصيرة.. فإنها توصل إلى الغاية مادام صاحبها متمسكًا بالجدية والاستمرارية.
المبادئ والقيم الإسلامية التي يهتدي الإنسان بضوئها في حياته تعصمه من السقوط في مهاوي القبح والذل والشعور بالدونية.
المثل الأعلى من المبادئ والقيم ينبغي أن يكون نصب عينيك، تتطلع إليه، وتسعى نحوه، لتجعله محور حياتك، إذ هو يعصمك من السقوط والتردي في مهاوي القبح والذل والشعور بالدونية ويجعلك لا تعبأ بما يصيبك من أذى في سبيل ما آمنت به من مثل اختطها لأنفسهم ولغيرهم صفوة البشرية، وأرسوا دعائمها بين الناس، وجعلوها واقعًا ملموسًا في الحياة، لم ينههم عنها وعيد، ولم يحولهم عن التمسك بهذا ترغيب، وكان أتباعهم يؤتى بالواحد منهم فيوضع المنشار على مفرق رأسه، ويشق نصفين، ويمشط ما بين لحمه وعظمه بأمشاط الحديد ما يصرفه ذلك عن دينه: ﴿فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا ٱسۡتَكَانُواْۗ﴾ (سورة آل عمران : ١٤٦)، وكان المبدأ في نفوسهم أرسخ من أن تزعزعه آلام جسدية، أو معوقات مادية، وعلى مدار التاريخ الإسلامي، لم تخل حقبة منه من أناس يقاومون السقوط، ويرفضون المساومة على المبادئ مهما كان الثمن، وقدوتهم في ذلك إمام المرسلين، وخاتم النبيين محمد الله حين قال: والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله .... ويعلن استعداده التام للتضحية بنفسه في سبيل ذلك فيضيف: «أو أهلك دونه».
ويبدو أن رفض الظلم والقبح والهوان والحنين إلى الفضائل والكمال شيء مركوز في فطرة الإنسان، إذ ليس قاصرًا على المؤمنين وحدهم، بل يتعداهم إلى غيرهم ممن وهبوا فطرة سليمة ففي عام ١٩٥٥م، رفضت روزا باركس أن تتخلى عن مقعدها في الأتوبيس، متحدية بذلك قانونًا غير عادل أدى إلى التفرقة العنصرية، وأبت وهي سوداء اللون أن تنفذ قانونًا جائرًا، وكان وراء رفضها تنفيذ هذا القانون وعلمها بما يتبع ذلك من إجراءات - قد تكون قاسية - تعلقها بمعايير أفضل للحياة، وكان هذا بداية الطريق لوضع هذه المعايير موضع التنفيذ بإلغاء القوانين التي تجيز التفرقة العنصرية، فجاء عملها هذا موافقًا لقول ابن المقفع، حين تحدث عن صفات العاقلين التي منها: تنفيذ البصر بالعزم بعد المعرفة بفضل الذي هو أدوم، وبعد التثبت في مواضع الرجاء والخوف، فإن طالب الفضل بغير بصر تائه حيران، ومبصر الفضل بغير عزم ذو زمانة صاحب عاهة محروم (الأدب الصغير (ص١٦).
وإذا استصعبت الوصول إلى الغاية جملة واحدة، فلا بأس من البدء بخطوات صغيرة على الطريق، فإن الاستمرارية والجدية كلتيهما كفيلتان بتحقيق غايتك، فرحلة الألف ميل تبدأ بخطوة واحدة، فلا تتقاعس عن اتخاذها الآن بغير اندفاع، لأن الحماسة والاندفاع شعلتان تتوهجان في النفس في لحظات معينة، ثم يخفت ضوؤهما، حتى يتلاشى تحت رياح الخمول والفتور والكسل فاحذر من الاندفاع، واحذر كذلك من القعود والتكاسل، فخير الأمور أوسطها، فالتثبت والتوازن والاستمرار لا غنى عنهم في رحلة الحياة الطويلة التي تريد أن تحقق فيها الكثير لنفسك ولقومك والناس - أجمعين - إن استطعت إلى ذلك سبيلًا، ولا شك عندي في أنك إن اتخذت هذه الحياة الجادة ثارت عليك غرائزك، وأهاجت شياطين الإنس والجن عليك شهواتك لتضلك عن الطريق وتصدك عن السير، لأنهم قاعدون بكل صراط يصدون عن الجادة ويبغونها عوجًا، ومن فضل الله أنه لم يحرم الطيبات، بل أباحها، وأجاز للناس أن يأخذوا منها بغير إسراف، فالزواج والطعام الحلال والشراب، وأنواع الملبس والزينة، كلها حلال مباحة - إن أخذها الإنسان بحقها - ولم يتجاوز شرع الله فيها، وفي الحلال لهذه الشهوات والملذات متسع يغني عن الحرام، ويعين على وعورة الطريق، ويخفف من مشاق الحياة، ويجدد الطاقة للسير نحو الهدف في تثبيت وتوازن واستمرار، ومن ليس قادرًا على الزواج، فالصوم له وجاء ووقاية وحفظ وصيانة، فإذا ما اقتنعت بما تريد، فيجب أن تطبق ما يقوله صاحب كتاب: ٣٦٥ خطوة للنجاح، حيث يقول: إن العبقرية الحقيقية هي المقدرة على توظيف أحسن الموارد والقدرات التي تملكها، وذلك ببساطة عن طريق الاقتناع المطلق بما نريده (ص ۹۱)، ولا تجعل الأمل يفارقك في أي لحظة من لحظات هذه الحياة ثم بعد هذا أنت واجد طلبك ومحقق أملك.