; سلام فئران التجارب.. من يقبله؟ | مجلة المجتمع

العنوان سلام فئران التجارب.. من يقبله؟

الكاتب نوال السباعي

تاريخ النشر السبت 04-مايو-2002

مشاهدات 57

نشر في العدد 1499

نشر في الصفحة 35

السبت 04-مايو-2002

لم يخرج «رجل السلام شارون» حسب رأي بوش فيه في خططه العامة عن السياسة الأمريكية التي جربتها الولايات المتحدة لفرض «السلام» في كل من سربرينيتسا وكوسوفا على أيدي الصرب، وطبقتها بنفسها في العراق ثم في أفغانستان وهي سياسة الأرض المحروقة لحل تلك الأزمات التي تبدو وكأنه لا حل لها، والتي يعبر العالم ساعة فساعة عن عجزه التام عن مواجهتها خاصة اليوم صفة تصفية الحسابات مع ما يسمى بـ«الإرهاب» في خلط مقصود بين إرهاب الأفراد أو الجماعات المسلحة أو الدول، وبين حق الشعوب في مقاومة الظلم والعدوان والقمع والاحتلال والاستبداد والاستعمار بكل أشكاله. 

«الاتحاد الأوروبي» أحد أقطاب العالم التي كان يرجى لها أن تلعب دورًا في كبح جماح هذا التحالف الصهيو - أمريكي، نال خلال الأزمة الأخيرة في فلسطين الشيء الكثير من الذل والإهانة على يد «رجل السلام» مجرم الحرب شارون.. وهو لا يملك كنظيرته الأمم المتحدة، وعلى شاكلتهما «الأمة العربية»، إلا التنديد والشجب والإعلان بعد الإعلان عن المطالبة الملحة بما يسمونه «وقف العنف» وتقصي الحقائق دعوات تأتي على استحياء شديد بين يدي السطوة اليهودية على كل من الاقتصاد والإعلام في الدول الغربية دون استثناء.

في هذا السياق أتت مطالبة الاتحاد الأوروبي بلجنة للتحقيق بشأن ما جرى في «جنين»، وارتفعت بعض الأصوات منادية بتدخل حلف شمال الأطلسي، وكان الحلف يملك هو الآخر قراره السياسي المستقل عن الولايات المتحدة المحكومة المقيدة باللوبي اليهودي الذي يمسك بزمام الأمور في كل شاردة وواردة فيها إلى درجة تهميش «بوش» نفسه، ووضعه موضع الاستهزاء وفقدان الاحترام أمام العالم. 

لجان تقصي الحقائق أو التنقيب عن الحقائق أو النبش عما حدث في «جنين» سوف تصطدم بكل العراقيل الصهيونية الممكنة، أو بكل أنواع التشويه والكذب والتلفيق ولا نستغرب أبدًا عندما تصدر قرارات هذه اللجان بإدانة الفلسطينيين ومسؤوليتهم عن تلك المذابح التي جرت في صفوفهم تحت سمع وبصر العالم، بل لن نستغرب أن تتهم تلك اللجان الفلسطينيين بقتل بعضهم بعضًا في محاولة منهم لتمثيل دور الضحايا..!!.

مثل هذه المواقف الدولية التي اعتدنا عليها منذ مذبحة دير ياسين، والتي تأتي دائمًا متأخرة على استحياء لن تلق إلا أذانا صمًا من التاريخ، فقد استقل الأقوياء بكتابة التاريخ في عالم الغاب الذي كتب علينا اليوم أن نعيشه في ظل العولمة الصهيو-أمريكية، التي تريد تمرير العالم من ثقب إبرة رؤاها الخاصة للعالم والأشياء، وخاصة في منطقتنا المنكوبة بنا. 

«رجل السلام شارون - كما يقول بوش - لم يخرج في خططه العامة عن السياسة الأمريكية المرسومة أصلًا من قبل المستشارين اليهود الذين تكتظ بهم أروقة البيت الأبيض الأمريكي ووزارة دفاعه سياسة جربتها أمريكا في كل من سربرينيتسا وكوسوفا على أيدي الصرب، ثم طبقتها بنفسها في العراق ثم في أفغانستان.. سياسة الأرض المحروقة لحل الأزمات التي تبدو وكأنه لا حل لها، حيث تدمر البلاد، وتفكك هياكلها وتستأصل قياداتها الوطنية، ويقضى على كرامة وإنسانية مواطنيها، وكل مشاعر المقاومة والأمل لدى الشعب، عن طريق القتل الوحشي والذبح والهدم وانتهاك أدنى قدر ممكن من حقوق الإنسان، بعد ذلك يأتي دور الأمم المتحدة لتتدخل بلجان تقصي الحقائق، فتفرض نفسها إذ ذاك باسم إعادة إحصاء القتلى والمفقودين وتسجيل أعداد الجرحى والمنكوبين وتقوم بإعداد التقارير عن الخسائر المادية وما سقط من أحجار وما دمر من آثار، وبعد ذلك يعهد إلى الشركات متعددة الجنسيات بمهمة البناء والتعمير من جديد على انقاض التاريخ الذي ذبح والجغرافية التي انتهك عرضها والإنسان الذي كسرت كرامته.

ثم.. يفرض الأوصياء والمراقبون الدوليون الذين ستكون مهمتهم إحلال السلام، وكلمة السلام الخاصة بنا - في هذه المرحلة - تعني أن يكف هذا الشعب عن المقاومة وأن يحتمل كل هذا الحجم من الذل والإهانة، وأن يستأصل الصهاينة حلم الفلسطيني بالعودة إلى أرضه وإحقاق الحق وهزيمة الباطل، وحلم العربي بتوحيد مقاطعات هذه الأمة تحت لواء واحد، يجمع في المنطقة العربية كل ساكنيها من مسلمين ومسيحيين وغيرهم، وكل أقوامها من عرب وكرد وأمازيغ وغيرهم، لا يجمعهم إلا بهدف تحرير القدس، وخلاص الإنسان من السرطان الصهيوني.

أما السلام بالمفهوم الصهيو-أمريكي اليوم فهو يعني قتل حلمنا الكبير بصلاح الدين الجديد الذي يعيد الأرض والعرض ويطهر المقدسات، ويمنحنا فرصة لنتنفس الكرامة والعزة والحرية والأمن السلام بالمفهوم الصهيو-أمريكي اليوم يعني أن نكف عن بكاء ضحايا دير ياسين وأن نسكت عن جرائم التمثيل بجثث أسرى حرب ١٩٦٧، وأن نصم آذاننا عن عذابات الفلسطينيين على جسور العبور، وأن نترك المستوطنات تمتص دماء الفلسطينيين، تغتسل بمياههم وتترك لهم مياه المجاري يشربونها، أن ننسى الجولان وعسقلان وبيسان وأن ننسى أن محمد الدرة قتل صبرًا وأن هذه الأمة في نزعها الأخير تقضي نحبها أمام محاريب الفضائيات عجزًا وعفنًا. 

السلام الذي تريده لنا أمريكا والصهيونية هو سلام الاستسلام والتركيع والإجهاز على ما تبقى لدينا من قناعات بالغد، وما تبقى عندنا من إيمان وأمل، وما استعصى على ذلنا من كبرياء وكرامة، إنه يعني الاستسلام للسرطان وعدم التفكير في مقاومة الموت والنهاية إنه سلام فئران مختبرات التجارب في متاهات النظام العالمي المهيمن بالقوة، والذي لا يدري أن هذه الأمة.. وجدت لتحيا وأنها على الرغم من تقهقر ومذلة جيل من أجيالها فإن هذا الجيل المتخاذل ذاته سيسلم الأمانة إلى الجيل اللاحق الذي سيعرف إن شاء الله كيف يسترد الحق من مغتصبيه.. 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

541

الثلاثاء 24-مارس-1970

حول العالم

نشر في العدد 8

596

الثلاثاء 05-مايو-1970

حول العالم - العدد 8