العنوان سلام البوسنة لم يعرف طريقه للمساجد
الكاتب عبد الباقي خليفة
تاريخ النشر الثلاثاء 14-مارس-2000
مشاهدات 84
نشر في العدد 1392
نشر في الصفحة 46
الثلاثاء 14-مارس-2000
حوار في المحراب مع رئيس علماء البوسنة الدكتور مصطفى تسيريتش
سبعة مساجد تحولت إلى كنائس نجاهد لاستردادها، وأخرى هدمت نكافح من أجل إعادة بنائها.
سراييفو قلب أوروبا ووجود جامعة إسلامية فيها يرد عنا الموجات العاتية.
مشكلة الحضارة أنها قدمت مع التطور الصناعي الاكتئاب، الانتحار، الإيدز، المخدرات وكلها أوبئة مدمرة شجعت عليها الكنيسة.
الدكتور مصطفى تسيربتش رئيس علماء البوسنة والهرسك كتلة من النشاط الذي لا يهدأ، فالرجل يضطلع بمسؤوليات عدة، منها إدارة المؤسسات الإسلامية في البوسنة كالمدارس الإسلامية والكليات الإسلامية، وعددها ثلاث كليات، إضافة لمتابعته لدور الإفتاء في الأقاليم المختلفة والتدريس في الكلية الإسلامية بسراييفو، والتي يؤمل أن تتحول إلى جامعة إسلامية أوروبية لأبناء البلقان والقارة الأوروبية، ومع ذلك فقد أفسح للمجتمع من وقته ليحدث قراءها عن السلام، واللقاءات مع القساوسة، ومصير جامع فرهاد باشا الذي هدمه الصرب في بنيالوكا وآفاق الدعوة الإسلامية في البوسنة وغيرها من المواضيع.
■ مضت أربع سنوات على اتفاقية دايتون للسلام، فهل عاد السلام إلى رحاب المساجد في البوسنة خاصة الواقعة حاليًا تحت السيطرة الصربية والكرواتية في مدن فوتشا، وازفورنيك وفيشي غراد وياييتسا وغيرها؟
- لم يعد السلام بعد إلى رحاب المساجد التي لا تزال تحت السيطرة الصربية وفي المناطق التي يسيطر عليها الكروات، كما أن العديد من المسلمين الذين هجروا من تلك الديار لم يعودوا إليها بعد؛ لأن ديارهم ما زالت مهدمة ومحتلة، والبيوت التي بقيت سليمة يسكنها الصرب والكروات الآن، عندما يعود المهجرون وتبنى المساجد من جديد، ويعود إليها روادها عندها فقط يمكننا أن نقول بتحفظ، عاد السلام للمساجد وللديار وأهلها.
■ جرت في الفترة الأخيرة لقاءات بينكم وبين القساوسة الأرثوذوكس والكاثوليك، فهل تطلعوننا على ما دار في تلك الاجتماعات، وما توصلتم إليه، وهل سيتم قريبًا البدء في بناء جامع الفرهدية ببنيالوكا وغيره من المساجد وعودة المهجرين؟
- كان هناك حوار دائم بيننا (في أوقات السلام) بدأه المسلمون منذ الحكم العثماني ولم يكن حوارًا رسميًا فقط، وإنما كان حوارًا شعبيًا أيضًا بين المؤسسات الدينية (بعد سقوط الأندلس في عام ١٤٩٢م، قبلت البوسنة المسلمين واليهود الفارين من محاكم التفتيش الكنسية والإبادة الجماعية التي قادتها، والآن تأتي بعض المؤسسات الأمريكية لتدير هي الحوار - مفارقة عجيبة حقًا).
أما فيما يتعلق ببقية المساجد التي لاتزال تحت سيطرة الصرب والكروات سواء التي حولوها إلى كنائس وهي سبعة مساجد، أو التي هدموها ومنها جامع فرهاد باشا بينيالوكا والذي نطلق عليه الفرهدية، فإننا لانزال نكافح ونناضل ونجاهد من أجل إعادة بنائها واسترداد المساجد التي حولت إلى كنائس، وغيرها ونحن مصممون على ذلك، وسننتصر بإذن الله.
■ كيف تقيمون موقف السلطة الدولية من الموقف الصربي (السياسي والكنسي) من حق المسلمين في استرداد مساجدهم أو إعادة بناء ما هدم منها؟
-الجواب الصحيح عند السلطات الدولية نحن نعتقد أنها تواصل جهودها مع الأطراف جميعًا لتنفيذ بنود اتفاقية دايتون بالرغم من تقليصها لعدد القوات الدولية بالبوسنة والهرسك، وهي تحاول القبض على مجرمي الحرب وإرسالهم إلى لاهاي.
■ هل ترون الأحكام الصادرة على بعض مجرمي الحرب مجزية؟
- طبعًا غير مجزية؛ فهي لم تعوض الضحايا عما فقدوه، ولم يتلق المجرمون ما يستحقون من عقاب مقارنة بأحكام نوتنبرج الشهيرة التي أقيمت انتقامًا من النازية وانتصارًا لضحاياها من اليهود، بل لا يمكن مقارنتها بمحاكم «رواندا» التي فيها شيء من الإنصاف.
■ في مناطق السيطرة الصربية لا يدرس المنهج الإسلامي المعد للمدارس الحكومية في البوسنة لأبناء المسلمين، هل بحثتم هذا الوضع في لقائكم مع القساوسة؟
- الصرب والكروات يعملون على تمزيق البوسنة دائمًا ولا يزالون، ومن ذلك المماطلة في تنفيذ بنود اتفاقية دايتون ومنها بسط الحكومة المركزية نفوذها على كافة التراب البوسنوي وعودة المهجرين، والجانب البوسنوي، وكذلك المجتمع الدولي حريصان على اتفاقية دايتون، ولذلك نحن متيقنون -بعون الله- من توحيد أراضي البوسنة والهرسك عاجلًا أم آجلًا.
■ هل للتطورات الإقليمية تأثير على مجمل الأوضاع في البوسنة وخاصة الأوضاع الجديدة في كرواتيا وصربيا، والجبل الأسود، وكوسوفا، والسنجق؟
- بالتأكيد فكرواتيا اليوم دولة ديمقراطية ينصب جهد حكومتها المستقبلية على الشأن الداخلي، وعلى علاقات حسن جوار مع جمهورية البوسنة والهرسك، وهذا ما سيكون له عميق الأثر على مستقبل البوسنة، كما أن التطورات على الساحة في كوسوفا والجبل الأسود والسنجق في صالح الأمن الوطني للبوسنة والهرسك.
■ بعد استقلال البوسنة أصبح المسلمون أحرارًا في تبليغ دعوة الحق، ما مدى استفادتكم من هذه الحرية في إقامة تجمعات واجتماعات دعوية في مختلف المدن والقرى البوسنوية؟
- نحن نعمل من خلال مؤسسات المشيخة الإسلامية لتوعية المسلمين بشتى الوسائل، ويقوم اتحاد العلماء ودائرة الشباب ومنظمات نسائية أخرى بإلقاء المحاضرات والدروس الإسلامية، وتنظيم الندوات، وإدارة الحوارات من خلال اللقاءات المباشرة، أو عبر وسائل الإعلام المختلفة المقروءة والمسموعة والمرئية، وهذه البرامج الإسلامية لم تكن موجودة قبل الحرب، ولم يكن يسمح بها، ومع ذلك فما هو جار ليس في مستوى الآمال والطموحات، وسنبذل قصارىجهدنا لتطويره في جميع المجالات.
■ وما تقويمكم للأنشطة الإسلامية الوافدة؟
- نحن مجتمع إسلامي تقليدي محافظ، لا نعتقد بأن التيارات الدينية الوافدة ستساعدنا في تحسين أوضاعنا وسط أوروبا.
■ هناك حديث عن ضرورة إقامة جامعة إسلامية عالمية في سراييفو تكون لأبناء المسلمين من البلقان والدول الأوروبية، ماذا تم في هذا الصدد خاصة أن الأنشطة التنصيرية تتزايد باستمرار منذ توقيع اتفاقية دايتون؟
- هذا سؤال مهم جدًا ونحن نعتبر سراييفو قلب أوروبا ووجود جامعة إسلامية عالمية فيها سيحقق آمالًا وأهدافًا وطموحات عظيمة، وستكون حصنًا في وجه الموجات العاتية، نحن نأمل أن يتحقق ذلك، وهذا متوقف على مدى استعداد من يهمهم أمر هذا الدين من إخواننا في العالم الإسلامي، وخاصة القادرين منهم، وأنا أطمئنك بأن المشروع سيتحقق في يوم من الأيام إن شاء الله تعالى.
■ أنتم تقولون إنكم مجتمع إسلامي محافظ وسط أوروبا، كيف ترون إمكان تعايش حضارتين في مكان واحد، وهل ترون من خلال موقعكم الجغرافي والفكري إمكان الحوار الحضاري مع الغرب فوق الأرض الغربية؟
- للحضارة الغربية أفضال على الحياة المعاصرة كما لها مخاز يندى منها الجبين، أفضال الحضارة الغربية متعددة: الاكتشافات العلمية، والتنظيم الإداري، وتنظيم السلطة بطريقة غير دموية، إضافة للتطورات التي شهدتها الأبحاث الطبية، والفلكية، وطبقات الأرض، وغيرها.
أما مخازيها فكثيرة جِدًّا هي الأخرى فالنعرات القومية بضاعة غربية (١٠٠%) تسببت في حروب وويلات اكتوى منها العالم بأسره ليس أقلها الحربين العالميين في النصف الأول من القرن العشرين، والحروب العدوانية ضد المسلمين في البوسنة شاهد على ذلك، وما خلفه الاستعمار وما قام به من اضطهاد واستغلال وابتزاز الشعوب المستضعفة، ولا يزال يأخذ أشكالًا متعددة إلى يومنا هذا، ولا ننسى أنها المسؤولة عن ذرع الكيان اليهودي في فلسطين للتخلص من اليهود، واستخدامهم مخلب قط للسيطرة على المنطقة الإسلامية بعد أن استنزفتها في عقود الصراع بشتى الطرق والوسائل.
■ إذن ما المشكلة مع الحضارة الغربية؟
- مشكلتنا مع الحضارة الغربية أو مشكلة الحضارة الغربية مع نفسها أنها المسؤولة عن شقاء الإنسان في هذا العالم رغم ما قدمته من تطور صناعي: القلق، الاكتئاب، الانتحار، الإيدز، الجنس، المخدرات، عناوين صغيرة لمشكلات كارثية، وهي كالوباء لا تقتصر على بلد المنشأ، بل أخذت في التوسع في كافة أرجاء العالم، ما يدعو للدعوة لإعادة تعريف الحرية، وتتحمل الكنيسة الجزء الأكبر من المسؤولية، فهي التي جعلت أو دفعت الحضارة الغربية لتسير في هذا الاتجاه المتوحش داخل أوروبا، ومن ثم العالم، فهي المسؤولة عن الاتجاه المادي المتطرف للحضارة الغربية لأسباب عدة أو معطيات، فقد ابتدعت الرهبانية وعملت على تنجيس الروح من خلال تأليه الإنسان، واعتماد التثليث الأفلاطوني، ومقاومة العلم والعلماء إلى حد الشنق والحرق، والوقوف إلى جانب الاستبداد والظلم باسم الحق الإلهي المقدس الذي كان الحكام يبررون به استبدادهم في أوروبا.
ونتج عن ذلك اتجاه حضاري مادي يعادي الدين، ويستعمل العلم لمحوه، فظهر داروين وفرويد ونيتشه كأمثلة صاعقة على انحدار الإنسان الذي تسببت فيه النصرانية، ولو كتب للمبدع الغربي أن ينشأ في بيئة غير البيئة النصرانية التي نشأ فيها لكانت الحضارة الغربية غير ذلك، وكأي حضارة ناهضة فإنها لم تخل من شوائب وقوالب البيئة التي نشأت فيها، لقد أخذت منها القوالب، وأصبحت تمثل كنيسة جديدة تملك الحق الإلكتروني، وتضطهد غيرها كما كانت تفعل الكنيسة تمامًا، وتعمل على السيطرة بأسماء كنسية جديدة ومفاهيم جديدة تعطي لنفسها الحق لتفسيرها دون غيرها.
ومهمة المفكرين الذين يستوعبون هذه الحقائق أن يطرحوا القضية على بساط الحوار والنقاش وليطرح الإسلام كبديل.
■ وهل يقبل الغربيون الإسلام كإطار وفلسفة للحياة الإنسانية؟
- يجب أن يفهموا أن جاليليو ما كان يشهد تلك النهاية المؤلمة لو كان مسلمًا.