العنوان سلاح الرعب
الكاتب د. عبد الله عبد الرحمن
تاريخ النشر الثلاثاء 29-أغسطس-1989
مشاهدات 69
نشر في العدد 930
نشر في الصفحة 50
الثلاثاء 29-أغسطس-1989
تكرر ذكر كلمة الرعب في كتاب الله في
أربعة مواطن في سورة آل عمران في قوله تعالى ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ
كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ﴾ الآية ١٥١، وفي سورة الأنفال في
قوله تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ
فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا ۚ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا
الرُّعْبَ﴾ الآية ١٢.
وفي سورة الأحزاب في قوله تعالى:
﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ
فَرِيقًا﴾ الآية ٢٦.
وفي سورة الحشر في قوله تعالى: ﴿وَقَذَفَ
فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ ۚ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي
الْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية ٢.
سلاح الرعب هو سلاحنا الأكبر ضد
أعدائنا وثمنه إيماننا بالله إيمانًا صادقًا وهو سلاح لا يباع في معسكر الشرق ولا
معسكر الغرب لا في أمريكا ولا روسيا ولا غيرها.
إنه سلاح يذكر في القرآن وهو ماض لا
يأتي إلا من الله وهو أشد فتكًا بالعدو، سلاح لا يطلب إلا من الله ويستجلب بصدق
الإيمان وقوة اليقين فهو متكرر إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
وهذا السلاح هو مما اختصت به هذه
الأمة كما ثبت عن النبي- صلى الله عليه وسلم- من حديث جابر بن عبد الله: «أعطيت
خمسًا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي نصرت بالرعب مسيرة شهر... الحديث» (أخرجه
البخاري١/ ٣٤٦، ومسلم ۱/ ۳۷۰ والنسائي 1 /209 والترمذي ٤/ ١٠٤ وأحمد ٥/ ١٤٨)، ولا يكون ذلك إلا
لصالح المؤمنين.
وفي الآيات السابقة وعد قائم من الله
في كل معركة يلتقي فيها الكفر والإيمان فما يلقى الذين كفروا الذين آمنوا حتى
يخافوهم ويتحرك الرعب الملقى من الله في قلوبهم ولكن المهم أن توجد حقيقة الإيمان
في قلوب المؤمنين حقيقة الشعور بولاية الله وحده والثقة المطلقة بهذه الولاية
ونعلم أن الذين كفروا غير معجزين في الأرض فوعد الله أصدق مما تراه عيون البشر
وتقدره عقولهم.
إنه الرعب لأن قلوبهم خاوية من السند
الصحيح لأنهم لا يستندون إلى قوة ولا إلى ذي قوة إنهم أشركوا بالله آلهة لا سلطان
لها لأن الله لم يمنحها سلطانًا.
وإنا لنجد مصداق هذا الوعد كلما
التقى الحق والباطل وذلك من خلال معارك المسلمين السابقة كبدر وأحد وغيرهما.
وكم من مرة وقف الباطل مدججًا
بالسلاح أمام الحق الأعزل ومع ذلك كان الباطل يحتشد احتشاد المرعوب ويرجف من كل
حركة وكل صوت وهو في حشده المسلح المحشود، فإذا أقدم الحق وهاجم وقع الاضطراب في
صفوف الباطل ولو كانت له الكثرة وكانت للحق القلة تصديقًا لوعد الله الصادق الذي
لا يتخلف وقد تحقق حصول الرعب للكفار كلما قابلهم المؤمنون الصادقون في كل زمان
ومكان.
ولكن لو قال قائل ما بالنا نجد الرعب
كثيرًا ما يقع في قلوب المسلمين ولا يقع في قلوب الكافرين؟ نقول إن الذين يسمون
أنفسهم مسلمين قد يكونون على غير ما كان عليه أولئك الذين خوطبوا بهذا الوعد من
قوة اليقين والإذعان والثبات والصبر وبذل النفس والمال في سبيل الله وتمني الموت
في الدفاع عن الحق، فمعنى الإيمان غير متحقق وإنما رعب المشركين مرتبط بإيمان
المؤمنين وما يكون له من آثار.
ألم نقرأ قوله تعالى: ﴿فَثَبِّتُوا
الَّذِينَ آمَنُوا ۚ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ فعلة
التثبيت الإيمان بالله وعلة الرعب الكفر والإعراض.
فحال المسلمين اليوم لا يقوم حجة على
القرآن لأن أكثرهم قد انصرفوا عن الاجتماع على ما جاء به الإسلام من الحق وما كان
عليه سلفهم الصالح من الإيمان والصفات والأعمال، فالقرآن باق على وعده ولكن أين
المؤمنون الذين ينطبق إيمانهم على آياته؟!
فالله تعالى يقول ﴿وَعَدَ اللَّهُ
الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي
الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ
دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ
أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ﴾ (النور:٥٥).
أما حال المحسوبين على الإسلام
والمدعين له في هذا الزمان ممن يعملون ويبذلون ويقاتلون في سبيل القومية والوطنية
ويحكمون بغير ما أنزل الله تقليدًا للكفار الذين ساروا في ركابهم بحجة التمشي مع
الواقع ومسايرة الركب الوثني المتحرر المتحضر بزعمهم لأنهم أشركوا بالله شرك تعطيل
أفظع من شرك الكفار الأوائل.
إن هذا إعراض عن الله وتعطيل للنبوات
وهجران للوحي وترك لدين الله فلا يجوز لأحد أن يحتج على القرآن بحالة أدعياء
الإسلام اليوم ويقول: أين نصر الله لهم بالرعب وهم المرعوبون المطبوعون بقوة
الكفار ولو كان عندهم قوة فإنهم شابهوا الكفار في كثير من أنواع شركهم وعطلوا
رسالات الله ولم يقاتلوا في سبيله بل اشتركوا مع الكفار بالقتال في سبيل الطاغوت،
فيكون لهم من الرعب نصيب ولا يلقي الله في قلوب أعدائهم شيئًا من الرعب ما داموا
على هذه الحال.
ومن الفقه الذي نستنبطه من القرآن
الكريم وبالأخص من سورة الأنفال، إننا لو جلبنا السلاح المتطور من أي دولة وقد
تصبح عدتنا أكبر من عدونا ولكن ركوننا هو إلى قوة السلاح فلن ننتصر لأننا لو
انتصرنا لانحصر الدين في دائرة ضيقة، فإذا انهزمنا رجعنا إلى قوتنا.
وقد حدث ذلك في غزوة «حنين» حينما
قالوا «لن نهزم اليوم من
قلة» فمن أول وهلة هزموا.. ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ
ۙ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ
عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ﴾ (التوبة:٢٥).
السلاح العصري يشترى بعدة مليارات،
ومع ذلك لا يحقق شيئًا، أما سلاح الرعب فهو من الله ثمنه صدق الإيمان والتوكل على
الله وعدم الركون إلى شرق أو غرب،
فاليهود عندما يعلمون أنك جئت لتنصر دين الله بحق وصدق
يتركون الأرض وينسحبون لأنهم جبناء لا يقدرون على المواجهة أما إن جئت لغير ذلك
فهم يقاتلونك بقوتهم وقوتهم أكثر.
فالأعداء يعلمون أن مصدر قوة
المسلمين هو التمسك بدستورهم المنزل من عند الله إنه القرآن الكريم لذلك هم يسعون
لصرف المسلمين عن قرآنهم.
حتى قال أحدهم يجب أن نزيل القرآن
العربي من وجودهم ونقتلع اللسان العربي من ألسنتهم حتى تنتصر عليهم.
تخطيط واستهداف لهذه الأمة المسلمة
ومع كل هذا فإن كثيرًا من المسلمين مازالوا في غفلة يغطون في سباتهم، أقول إن
اليهود لن يعملوا لمصلحة المسلمين أبدًا لذا يجب أن نكون حذرين لما يخطط من وراء
الستار فعلى الأمة الإسلامية العودة إلى ربها حتى يتحقق لها هذا الوعد من الله ﴿إِن
تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (محمد:۷).
أما إذا نسيت هذه الأمة وتغافلت
وبعدت عن حصن الإيمان فلن تجد النصر لا في الشرق ولا في الغرب ولن تنال هذا السلاح
العظيم الذي لا يطلب إلا من الله.
فعلى المسلمين أن يتنبهوا إلى ما
يراد بهم وبديارهم وأمتهم ودينهم ويجمعوا كلمتهم، ويعتصموا بحبل الله المتين، وقبل
كل شيء أن يعودوا إلى ربهم عودا حميدًا، ويلجأوا إليه لجوءًا صادقًا ويعتصموا به
تعالى ويعبدوه حق عبادته ويجاهدوا في سبيله حق جهاده ويخلصوا له تعالى القول
والعمل.
وسيرون بعد ذلك كيف يأتيهم النصر من
عند الله ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ ۚ﴾ (الروم:5).
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى
آله وصحبه أجمعين.