; سقوط ديكتاتور آخـــر | مجلة المجتمع

العنوان سقوط ديكتاتور آخـــر

الكاتب د.حمزة زوبع

تاريخ النشر السبت 06-ديسمبر-2003

مشاهدات 0

نشر في العدد 1579

نشر في الصفحة 43

السبت 06-ديسمبر-2003

سقوط ديكتاتور آخـــر

أكثر من ثمانية عشر يومًا واللجنة المركزية للانتخابات في جورجيا تحتجز نتائج الانتخابات البرلمانية، والمعارضة تندد والشارع يغلي والمحاكم تشهد مئات الدعاوى والقضايا المرفوعة من المعارضة، متهمة الحكومة بالتزوير، والعالم يتعجب لماذا تتأخر النتائج كل هذا الوقت في عالم اشتهر بأنه عالم الحاسوب والإنترنت والبرامج المحاسبية المتطورة؟، والجواب: «حاجة في نفس ديكتاتور»، أراد أن يزيف إرادة شعبه الذي كره بقاءه في السلطة، ولكن الرسالة التي كانت تصل للرئيس من أجهزته الخاصة: ولا يهمك يا ريس.. هؤلاء نفر قليل.. إنهم مجموعة خارجة على القانون.

د. حمزة زوبع

zawba@hotmail.com

والنتيجة أن شيفرنادزة على الدرب سار أو فر من بلاده التي حكمها بالحديد والنار، والتي تعرض فيها لمحاولات اغتيال بسبب سياساته، ولكنه فضل السلطة على الديمقراطية، واعتبر المعارضة مواطنين من الدرجة الثانية، وبلغ به الأمر وهو يفر من البرلمان مذعورًا من المعارضة السلمية أن قال: «لو استمروا في طلباتهم فسأسلم السلطة للجيش»، هكذا: أنا أو الطوفان!. ما أشبه شيفرنادزة بميلوسوفيتش، وما أشبههما بفوجيموري وهتلر وأنور خوجا وشاه إيران وغيرهم ممن يمسك الفم عن ذكرهم مخافة أشياء كثيرة ليس من بينها الحرص على

الحياة. سقوط شيفرنادزة هو السقوط المدوي، فقد توقع كثيرون أن علاقته بالغرب ستقف حائلًا بين الناس والسلطة، وأن مصالح الغرب هي شبكة الأمان التي ستحميه، ولكن الذي حدث أن الرجل لم يجد عونًا من أحد ولا حتى من روسيا التي نصحته بالاستسلام لإرادة شعبه والرحيل، فهذا ليس زمان القهر حتى ولو كان الأمر متعلقًا بجورجيا، ولكن قد يتسائل المرء: لماذا أتاحت القوى الكبرى الفرصة لشعب جورجيا ليخلع ديكتاتورًا محكم التثبيت، ولم يسمح لشعب آخر بمجرد تنفس نسيم الحرية في بلد مثل أذربيجان التي تم تسليمها لعلييف الابن، وسط صمت دولي مريب؟.

طبخ النتائج

كما ذكرنا فإن النتائج احتاجت إلى(١٨) يومًا حتى يتم الكشف قبل ساعة واحدة من الموعد النهائي لإعلانها، كان شيفرنادزة يحاول بقدر الإمكان الإبقاء على الحزب الذي يدعمه «حزب جورجيا الجديدة - لاحظ الاسم» في المقدمة ومن الواضح أنه سقط سقوطًا مدويًا لكنه نفخ فيه وأعاده للحياة بنسبة(٢١,٢٢٪)ليصبح أعلى الأحزاب نسبة في الانتخابات، ويأتي تاليًا له حزب «تكتل الأحياء» بنسبة          (84, 18٪) ثم حزب الحركة القومية بنسبة (18,08٪)، والأخيران حزبان معارضان ولو تفوق أحدهما لنجح في التحالف مع الآخر ومع الأحزاب الصغيرة ولانتهت قصة الرئيس الجورجي عبر صناديق الانتخابات، ولكن لا فالرئيس المتمسك بأهداب السلطة دائمًا لا يريد أن يرى الديمقراطية تحل ببلاده، وعادة ما يكون السبب هو مازال أمامنا الكثير قبل أن نشرع في الديمقراطية.

السيناريو يتكرر

حين زور سلوبودان ميلوسوفيتش انتخابات المحليات في عام (٩٨١٩)م خرجت المعارضة اليوغوسلافية عن بكرة أبيها لتعتصم بميادين العاصمة بلجراد في أشهر البرد القارص، صحيح أنها لم تنجح وقتها في الإطاحة به لكنها بعد عامين نجحت وبجدارة في إخراجه من مكمنه، واليوم تتكرر التجربة المعارضة تخرج في مسيرات على مدار أسبوعين، منددة بالتزوير ومهددة بدخول البرلمان حتى ولو كان الرئيس بداخله، لم يأخذ شيفرنادزة الأمر على محمل الجد رغم أن الخارجية الأمريكية نقضت يدها وغسلتها من الرئيس الجورجي وأعلنت تبرؤها من دكتاتوريته قائلة على لسان متحدثها: «يمكنني القول إنه قد خاب ظننا بدرجة كبيرة في هذه الانتخابات وفي القيادة الجورجية.. هذه الانتخابات لا تعكس إرادة الشعب الجورجي وعلى العكس تعكس تزييفًا واسعًا لأصوات الناخبين».

 في حالة صربيا تحصن ميلوسوفيتش بالجيش، وفي حالة جورجيا حاول شيفرنادزة الشيء ذاته، ولكن الجيش والأمن أعلنا: أنه لو سالت دماء فإن المسؤولية ستقع على رأس الحكومة والمعارضة، وهو تصريح خطير يتم عن وعي وعن رغبة المؤسسة العسكرية في أن تكون منحازة للوطن لا للساسة.

فضيحة على الهواء

ما الذي يدفع رئيس دولة كبيرة كانت أم صغيرة لكي يقف هذا الموقف البئيس، المعارضة تهاجمه والجمهور يتدفع نحو البركان في مشهد مذاع على الهواء وحراسه يتلقفونه ويخرجونه من الباب الخلفي، وحشد من سياراته تمر في الطرقات والناس تشير إليه بالسقوط، ماذا لو احترم شعبه ونزل على رغبتهم؟

شیفرنادزة وعلى الهواء مباشرة يخرج من الباب الخلفي، يطلب عون الجيش فيرفض، يطلب دعم الأمن فلا يجد، السبيل الوحيد: الخروج دون قيد أو شرط، وبالفعل خرج، كان يتوقع أن ينقذه أصدقاؤه ولكنهم لم يفعلوا وتركوه لمصيره ومصير كل طاغية، جورجيا حالةاختناق تم إفراغها، والثمن ليس باهظًا، وأعتقد أن الثمن أن يكون باهظًا في بلدان أخرى تعيش نفس الحالة في عالمنا المتقلب والمضطرب.

الرابط المختصر :