العنوان ترتيب أوراق سقوط الخلافة_ سقوط الخلافة
الكاتب أ.د. عجيل جاسم النشمي
تاريخ النشر الثلاثاء 05-فبراير-1980
مشاهدات 111
نشر في العدد 468
نشر في الصفحة 44
الثلاثاء 05-فبراير-1980
كمال أتاتورك يفصل الدين عن الدولة والخليفة عن السلطة
بعد أن تحولت الخلافة إلى جمهورية كان من الضروري في نظر مصطفى كمال أتاتورك أن يبت في قضية الخلافة ووجد خصوم أتاتورك الذين لم يرضوا بإعلان الجمهورية ولم يطمئنوا لازدياد قوة أتاتورك أن الأمل الوحيد في التخلص من هذه الحالة إنما يكون عن طريق مهاجمتهم لمصطفى كمال أتاتورك من ناحية الخلافة وأخذت الصحف التي تصدر في إستانبول تقاوم الحكم الجمهوري علنًا ووجد مصطفى أنه من الضروري أن يعمل على إلغاء الخلافة قبل أن يصبح فيضان المعارضة السياسية والدينية جارفًا يكتسح السد المحكم الذي بناه وعلى الأخص الخليفة لأنه كان موضع احترام ٣٥٠ مليون نسمة من المسلمين وتقدم مصطفى كمال بمقترح فصل الدين عن الدولة إلى مجلس النواب ورأي أغلبية المجلس أن يناقشوا الفكرة وأن يتعرفوا على حقيقتها وأن يزنوا نتائجها بضمائرهم وأفكارهم وخاف مصطفى كمال من عقبى البحث والدرس وطلب أخذ الرأي دون نقاش ووافقه على ذلك أصدقاؤه من النواب.
إلا أن المجلس قرر إحالة الاقتراح إلى لجنة الشئون القانونية لتبدي أولًا وجهة نظرها فيه ثم تعرضه بعد ذلك على المجلس وذهب الاقتراح إلى اللجنة التي عكفت على دراسته ولم تلبث طويلًا حتى رأت مخالفته الجلية لأصول الإسلام فرفضته.
وما إن رأى مصطفى كمال اتجاه اللجنة إلى رفض الاقتراح حتى فقد سيطرته على أعصابه وقفز فجأة ثم اعتلى مقعدًا وهو يتميز من الغيظ وصاح:
«أيها السادة, لقد اغتصب السلطان العثماني السيادة من الشعب بالقوة وبالقوة اعتزم الشعب أن يستردها منه, إن السلطة يجب أن تفصل عن الخلافة وتلغى وسواء وافقتم أم لم توافقوا فسوف يحدث هذا كل ما هنالك أن بعض رؤوسكم سوف يسقط في غضون ذلك.
وكان يتكلم بلهجة الديكتاتور فانفض اجتماع اللجنة. ثم دعيت الجمعية الوطنية من فورها لتناقش الاقتراح فجمع أنصاره من حوله وطلب أخذ الرأي عليه برفع الأيدي مرة واحدة.
فاعترض النواب على هذه الخطة وقالوا: «إن كان لابد من أخذ الرأي فليكن مناداة بالاسم..», فرفض مصطفى كمال وصاح وفي صوته رنة التهديد قائلًا: «أنا واثق من أن المجلس سيقبل الاقتراح بإجماع الآراء ويكفي أخذ الأصوات برفع الأيدي.
ثم طرح الاقتراح على أعضاء فلم ترتفع غير أيد قليلة لتأييده لكن النتيجة أعلنت أن المجلس أقر الاقتراح بالإجماع فدهش النواب لذلك وقفز بعضهم فوق مقاعدهم محتجين صارخين: هذا غير صحيح ونحن لم نوافق فصاح بهم أنصار الغازي يسكتونهم ويتبادلون معهم الشتائم.
وصدر قرار المجلس الوطني التركي متضمنًا الفصل بين الخلافة والسلطنة أي جعل الخليفة مجردًا من السلطات واعتباره صاحب منصب ديني وشخصية روحية فحسب مخولًا تصريف أمور تركيا السياسية والإدارية للوزراء.
ويلاحظ عند دراسة حيثيات هذا القرار أنه يتضمن مستفيضًا لتطورات الخلافة الإسلامية منذ نشأتها حتى آخر مراحلها محاولًا الاستناد إلى آراء الفقهاء والمتكلمين مستعرضًا الأحداث التي تعرضت لها الخلافة في أدوارها المتعاقبة.
ينقسم البيان الذي أصدره المجلس الوطني التركي إلى أربعة فصول يبدؤها بمقدمة عامة ثم الفصل الأول خاص بتعريف الخلافة وتوضيح شروطها والثاني بكيفية اكتسابها والثالث يتعلق بتقسيم الخلافة أو تفريق السلطنة عن الخلافة ليصل إلى النتيجة التي يرمي إليها من البيان.
وهذا عرض موجز لمضمون القرار.
يبدأ بتعريف الخلافة وإيضاح مفهوم أهل السنة له وينتهي إلى أن الخلافة مسألة دنيوية سياسية أكثر منها دينية ولذلك خلت النصوص الشرعية من إيضاحها بالتفصيل وتعرض البيان إلى الأصوات التي تعارض القرار. وهو ما يدل على قوتها فيذكر في إحدى عباراته «وحيث إننا نلاقي أفكارًا باطلة وتعصبًا لا مبرر له في شأن مسألة الخلافة في زماننا كما هو الحال في كثير من الأحكام الشرعية سواها شرعنا إلى تحرير هذه الرسالة وغرضنا منها تصحيح الأفكار وتنوير الأذهان بتفهيم حقيقة هذه المسألة الشرعية.
أما في فصل تعريف الخلافة وإيضاحها فيقرن المجلس كلمة الخلافة بالإمامة فهي مرادفة لها ولكنه يحصر الخلافة بالخلفاء الراشدين وحدهم والخلفاء بعدهم لم يكونوا في حقيقة الأمر سوى رؤساء جمهور المسلمين لأن ولايتهم سياسية إدارية وليست روحية.
وتنقل حيثيات القرار بعد هذا إلى عرض لما تطلق عليه اسم الخلافة الحقيقية والخلافة الصورية والحكمية فالأولى هي الكاملة الجامعة للصفات والشروط والتي تمت عن طريق الانتخابات بواسطة الأمة بخلاف الثانية وهي العارية عن هذه الشروط لأنها تمت بالتغلب والاستيلاء فيه ملك وليست خلافة من جهة كما أن صاحبها لا تتوافر فيه الشروط اللازمة لها من ناحية أخرى شأن خلفاء الأمويين والعباسيين ما عدا عمر بن عبد العزيز - «5۱۰۱ - ۷۱۹م» الذي اقتضى أثر النبي- صلى الله عليه وسلم- فالحقه البعض بالخلفاء الراشدين.
ثم يعتبر البيان أن الخليفة بعد من جهة نائبًا عن النبي-- صلى الله عليه وسلم- ومن ناحية أخرى نائبًا عن الأمة الإسلامية بصفته وكيلًا عنها فيحق للأمة عزله.
أما فيما يتعلق بتقييد حقوق الخلافة وواجباتها فيعود البيان إلى تقسيم الخلافة السابقة إلى خلافة كاملة حقيقية وخلافة صورية حكمية، ليضع نتيجة البحث في ضوء هذا التقسيم، بأن الخلافة بالمعنى الأول لا يجوز تقييدها لأنها خلافة نبوة، بخلاف الشكل الثاني لها وهي الخلافة الصورية، فإنه يجوز تقييدها.
والنتيجة المباشرة لكل هذه المقدمات التي ساقها هو أن الخلافة بعد أن أصبحت مرادفة للملك والسلطنة لم تعد إلا من المسائل السياسية، لهذا يضعها المجلس بحيث «لا تضر فيها الأمة والبلاد بتصرفاتها الاستبدادية وأبقى السلطنة في يد الأمة التي هي صاحبتها الحقيقية».
وتيقن الناس أن حكام أنقرة الجدد كفرة، وصاروا يلتفون حول الخليفة عبد المجيد يحاولون إرجاع السلطة إليه ليكون الحاكم الحقيقي في البلاد فيقضي على هؤلاء المرتدين.
وأدرك مصطفى كمال الخطر مجسمًا، وعرف أن كثرة الشعب تكرهه وتصفه بالزندقة والإلحاد، فنشط في الدعاية ضد الخليفة والخلافة، وأثار حماسة الجمعية الوطنية حتى سنت قانونًا يقضي باعتبار كل معارضة للجمهورية وكل ميل إلى السلطان خيانة عقابها الموت.
وشرع مصطفى كمال يهييء الأجواء لإلغاء الخلافة.
فقام النواب يتحدثون عن فائدة الخلافة لتركيا من الوجهة السياسية العامة، فقاومهم مصطفى كمال وقال: أليس من أجل الخلافة والإسلام ورجال الدين قاتل القرويون الأتراك وماتوا طيلة خمسة قرون، لقد آن أن تنظر تركيا إلى مصالحها وحدها، وتتجاهل الهنود والعرب وتنقذ نفسها من زعامة المسلمين. وكذلك سار مصطفى كمال في دعايته ضد الخلافة.
ثم تابع حملاته على الخليفة، فأبرزه هو وأنصاره في صورة الخونة الذين يشتغلون لحساب الإنجليز، ولم يكتف بذلك، بل خلق موجة إرهاب ضد النواب الذين يريدون استبقاء الخلافة في تركيا. فإن أحدهم صرح بضرورة الخلافة ووجوب المحافظة على الدين فما كان من مصطفى كمال إلا أن كلف شخصًا باغتياله في الليلة التي تحدث فيها، وألقى نائب آخر خطبة إسلامية فأحضره مصطفى كمال وهدده بالشنق إذا فتح فمه بمثلها مرة أخرى.
وبذلك نشر الرعب في طول البلاد وعرضها، وضمن ألا يشغب عليه معارض. ثم أرسل إلى حاكم إستانبول بأمره بالتشديد على الخليفة وإنذار أتباعه كي يتخلوا عنه.
وفاجأ مصطفى كمال العالم الإسلامي والعالم أجمع في الساعة السادسة والنصف من صباح ٢ آذار سنة ١٩٢٤ بإلغاء الخلافة وطلب من الخليفة وأفراد أسرته مغادرة البلاد في مدة عشرة أيام وحرم عليهم الإقامة في تركيا وألغيت كل الوظائف الدينية وأصبحت أوقاف المسلمين ملكًا للدولة كما أن المدارس تحولت إلى مدنية وباتت تحت رقابة وزارة المعارف.
وأسفر مصطفى كمال عن وجهه الحقيقي وشرع يوجه الدولة الجديدة شطر العلمانية. واستهل عهده بترجمة القرآن الكريم إلى اللغة التركية، وبإلغاء وزارة الأوقاف الإسلامية ونظام الوقف والمحاكم الشرعية وقوانينها ثم عمد إلى رفع الحجاب وإلغاء تعدد الزوجات وأمر بإلغاء الطرق الصوفية والتكايا ومصادرة أموالها وبإخلاء جامع أيا صوفيا وإعداده في مصاف الآثار القديمة.
ثم منع الطربوش ودعا إلى استبداله بالقبعة عام ١٩٢٥ وعدل الدستور لكي يحذف منه العبارة التي تنص على أن الإسلام دين الدولة عام ۱۹۲٨ وألغى تدريس العلوم الدينية عام ۱۹۲۹ وأدخل إلى الجوامع تلاوة القرآن بالتركية وحول الآذان إلى هذه اللغة عام ۱۹۳۲ ورفع من برنامج جامعة إستانبول القسم الديني عام ١٩٣٣ وحظر على رجال الدين الاستمرار على التزي بلباسهم القديم عام ١٩٣٤، وأعلن المساواة التامة بين الرجل والمرأة في الميراث بالإضافة إلى تبديله الحروف العربية بالحروف اللاتينية، وحمل الشعب على تغيير أسمائهم وكناهم بأسماء وكنى ترجع الى الطورانية وذلك أسوة به إذ سمى نفسه أتاتورك عوضًا عن مصطفى كمال، وفرض القانون المدني السويسري وقانون الجرائم الإيطالي بعد التصويت عليهما في المجلس الوطني.
ثم اعترفت الدول بتركيا، وانسحب الإنجليز من إستانبول والمضايق وغادرها قائد قوات الحلفاء والصديق الحميم لمصطفى كمال- هارنجتون، وعلى إثر ذلك احتج أحد النواب الإنجليز على كرزون وزير خارجية الإنجليز في مجلس العموم لاعترافه باستقلال تركيا فأجابه كرزون قائلًا: القضية أن تركيا قد قضى عليها ولن تقوم لها قائمة لأننا قد قضينا على القوة المعنوية فيها، الخلافة والإسلام.
وهكذا انتصر الغرب على الشرق وزالت الخلافة الإسلامية من الوجود بعد أن حكمت العالم الإسلامي ونعم العالم أجمع بعدلها قرابة أربعة عشر قرنًا.([1])
التايمز: اللينينية أيدلوجية خاسرة
والإسلام هو الذي سينتصر
قالت صحيفة التايمز في معرض حديث لها عن دور الإسلام في مواجهة الغرب والشرق: «أعنف الثورات ضد الهيمنة الغربية كانت تقوم باسم الإسلام. هذا الأمر لاحظه الشيوعيون ولم يغب عن بالهم». «ووجد الشيوعيون أنفسهم يواجهون في آسيا الوسطى حركة فدائية إسلامية ظلت مستمرة خلال العشرينات فمن عام ۱۹۲۱ سرًا ومنذ مطلع عام ۱۹۲۸ علنًا حاولوا إضعاف الدين الإسلامي واعتبروه حركة رجعية ذلك أن «الدين افيون الشعب» كما قال ماركس»
«وكانت النتيجة غير المباشرة لهذه السياسة أن انبعثت حركة سرية في القوقاز خاصة من جماعات الإخوة اللاسلامية وهي التي لعبت سابقًا دورًا هامًا جدًا في مقاومة القيصرية الروسية ثم البلشفية الشيوعية».
«من البلاهة الافتراض أن ردود المسلمين ضد الروس في أفغانستان وغيرها يمكن أن تجعل الإسلام يقف إلى جانب الغرب ذلك أن الإسلام دين وليس كتلة سياسية وإن كان بعض الزعماء المسلمين يحلمون بجعله وحدة في كتلة سياسية كاملة فالإسلام يقف خصمًا للمادية الغربية وهو في نزاع معها»
«ومع ذلك فيمكن أن يعتمد العالم على قوة الإسلام دينًا وحضارة حتى إذا قام التحدي بين اللينينية والإسلام فإن الأولى هي الأيدلوجية الخاسرة والأكثر ضعفًا والإسلام هو الذي سينتصر».
[1] راجع كفاح دين للشيخ محمد الغزالي ١٣٥ ونظام الخلافة ٥٤٧ والطريق إلى حكم إسلامي للأستاذ محمد علي غنتاوي ١٣٥ وراجع تسلسل أعمال كمال أتاتورك في تركيا لهدم كل ما تبقى من آثار الخلافة في صحيفة الفتح لسنة ١٣٤٧هـ - ١٩٢٨م في مواضع متفرقة