; سر حوادث الاغتيال المجهولة في صيدا: محاولات صهيونية للوقيعة بين الدولة والمقاومة في لبنان | مجلة المجتمع

العنوان سر حوادث الاغتيال المجهولة في صيدا: محاولات صهيونية للوقيعة بين الدولة والمقاومة في لبنان

الكاتب هشام عليوان

تاريخ النشر الثلاثاء 24-نوفمبر-1998

مشاهدات 67

نشر في العدد 1327

نشر في الصفحة 33

الثلاثاء 24-نوفمبر-1998

قبل أن يجف حبر الاتفاق المشئوم بين السلطة الفلسطينية والكيان الصهيوني في قمة «واي بلانتيشن» تداعت حوادث غريبة ومفاجئة في صيدا -عاصمة الجنوب اللبناني- فقد أقدم مسلحان يركبان دراجة نارية على اغتيال شرطيين في أثناء تأديتهما واجبهما اليومي، كما انفجرت عبوة ناسفة في سيارة أحد مسئولي حركة الجهاد الإسلامي بفلسطين محمود المجذوب، لكنه نجا وعائلته بأعجوبة، وذلك لانتباهه إلى وجود العبوة.

استنفرت الأجهزة الأمنية في محاولة لكشف ملابسات هذه الحوادث، وأفاد التحقيق الأولي أن الرصاصات التي أردت الشرطيين هي من النوع ذاته للرصاصة التي استهدفت قبل فترة جنديًّا في الجيش اللبناني، وتوجهت الأنظار نحو المخيم الفلسطيني المجاور لصيدا، أي مخيم عين الحلوة؛ إذ تقول التقارير: إن الجناة قد فروا إليه، كما هي العادة المعروفة بعدما تحولت المخيمات الفلسطينية منذ زمن بعيد إلى مناطق مغلقة، لا يدخلها رجال الأمن اللبناني، إلا بالتوافق مع قوى المخيم، ووفقًا لاتفاق محدد على قضايا عالقة.

هذه الحوادث بالذات ليست لها مقدمات ولا ممهدات من أي نوع، أي أنها من نوع «القتل للقتل» أو القتل الأسباب بعيدة غير منظورة حاليًا، إلا من باب التوقع والاحتمال، وهذا مصدر خطورتها القصوى.

وقد سرت تحليلات متطابقة تعيد الكرة إلى اتفاق «واي بلانتيشن» ذاته، الذي ينص أساسًا على تعاون ثلاثي أمريكي- فلسطيني- إسرائيلي لمكافحة ما يسمى بالإرهاب، بل ومكافحة مجرد التحريض ضد السلام المزعوم.

وبما أن الجنوب اللبناني جزء رئيس من الهرم الأمني لإسرائيل، وبما أن الحركات الفلسطينية المناهضة لاتفاق أوسلو وتوابعه، تتخذ من مخيمات لبنان مراکز استناد وارتكاز، فلماذا لا يكون الاتفاق الأخير قد بدأ يترجم تباعًا، في صيدا، وجوارها؟

حرب سرية.. معلنة

توضح مصادر سياسية مطلعة، أنه ليس المقصود من السيناريو المذكور، مجرد ملاحقة الفصائل الفلسطينية المعارضة للسلام مع الكيان الصهيوني، خارج نطاق سلطة الحكم الذاتي، بل إن في المسألة أبعادًا أخرى شبه خفية، أو هي معلنة وواضحة بالنسبة لأصحاب الشأن الذين يعرفون كيف يقرءون الرسائل المتفجرة.

وبمد خيط المخطط أبعد قليلًا، نرجع إلى ما جرى قبل أسابيع عدة من اغتيال صاحب محل لبيع الخمور، شمال مدينة صيدا، في منطقة قريبة تقع على ساحل إقليم الخروب، حيث تحتفظ الجماعات الإسلامية بنفوذ واضح.

فعند وقوع تلك الحادثة، تحركت القوى السياسية غير الإسلامية بشكل طبيعي لتوجيه الاتهام إلى الحركة الإسلامية، وإلى بعض فصائلها المتشددة، ثم مضى الموضوع دون تبيان الحقيقة الكاملة.

وقد لفت نظر المحققين في صيدا، أن مرتكبي تلك الحوادث تركوا خلفهم علامات فارقة من استخدام النوع نفسه من السلاح، إلى الدراجة النارية عينها المستعملة في كل عملية، إلى طريق الفرار الذي ينتهي حتمًا بمخيم عين الحلوة، كأن في ذلك الضجيج المفتعل إغراء وتحريضًا على اقتحام المخيم، عبر توفير الحوافز والذرائع.

وعندما تتضح الصورة على هذا الشكل يصبح من المنطقي عند ذلك التساؤل عن صاحب المصلحة في توريط الدولة اللبنانية الآن في صراع مكشوف مع اللاجئين الفلسطينيين المقيمين في جوار صيدا، قريبًا جدًّا من خطوط القتال بين العدو الصهيوني والمقاومة؟

بهذا ترتسم علامة استفهام كبيرة حول شركاء اتفاق «واي بلانتيشن» فالتعاون الفلسطيني «العرفاتي» مع الموساد الإسرائيلي والاستخبارات الأمريكية، وصل إلى الذروة، وستقوم بين الأطراف الثلاثة اجتماعات دورية على أكثر من مستوى لتحصين الاتفاق أمنيًّا.

ويبدو من سياق الأحداث في صيدا أن ذاك التحصين السالف الذكر، يتخذ طابع الهجوم الوقائي وليس مجرد الدفاع السلبي، فما هو مطلوب من الحلف الثلاثي، ليس فقط إسكات المعارضين واغتيالهم فرديًّا «وجماعيًّا إن أمكن»، بل نسف البنية التحتية والبيئة التي يرتعون فيها حسب تعبير الاتفاق «البنية والبيئة».

وترجمة ذلك في جنوب لبنان له مدى واسع النطاق، يبدأ من إشعال الصراع بين الحكومة اللبنانية والمخيمات، ولا ينتهي عند إيقاد فتنة مسلحة بين بعض الإسلاميين والدولة.

ومن بين الأهداف المقصودة بالسيناريو المذكور، الرئيس المنتخب حديثًا، قائد الجيش السابق، العماد إميل لحود، وقد قال عنه مؤخرًا رئيس أركان العدو: «بدأ الجيش اللبناني يثير القلق بالنسبة إلينا، منذ أن تولى إميل لحود قيادته، وبوجود الأخير في الرئاسة أصبح السلام المنفرد مستحيلًا مع لبنان».

فالجنرال لحود نسيج علاقة وطيدة مع المقاومة الإسلامية، تجلت في قدر عال من التنسيق العملياتي والأمني، وهذا هو الذي حقق مكتسبات مهمة على صعيد الصراع مع العدو، علمًا بأن الجيش اللبناني نادرًا ما كان يتواجد في خطوط المواجهة أمام العدو، ولم يكن برد سابقًا أي تعاون له مع رجال المقاومة.

وهكذا تتلمس الأجهزة الأمنية خيوط هذا السيناريو في مجموعة مؤشرات، منها تحريك أنصار عرفات في الجنوب، وانتقال قيادة فتح- عرفات إلى مخيم المية والمية، المجاور لمخيم عين الحلوة، وانشقاق جماعة أبو نضال «حركة فتح- المجلس الثوري» و الإيذان بالتصرف الذاتي لمجموعاته التائهة دون قيادة.

وليس معروفًا لأي هدف تعمل، وتحت أي استراتيجية؟

ومن المعروف أن مجموعات أبي نضال، نفذت على مدى نشاطها الطويل سلسلة عمليات صب معظمها في مصلحة العدو الصهيوني، كما رصدت الأجهزة الأمنية والسياسية اتصالات مشبوهة بين المحسوبين سابقًا على ياسر عرفات من اللبنانيين، ورموز عرفات في الخارج، لنقل المعلومات وتبادلها.

وبالإجمال، فلو نجح المخطط كما هو ظاهر الآن بخطوطه العريضة، فسوف يؤدي إلى إرباك «المقاومة الإسلامية»، وربما إلى إيقاف عملياتها، فهل ينجح المخطط المرسوم؟

من المؤكد أنه بمجرد وعي المسئولين وأصحاب الشأن بأبعاد الخطة المفترضة، فإن ثلاثة أرباع الخطر تنتفي تلقائيًّا، ويتبقى الربع الأخير، وذلك برسم خطوات أخرى أكثر جذرية لجسر الثغرة الأمنية، بالتي هي أحسن، ودونما حاجة إلى صراعات جديدة، لا يرغب فيها أحد.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل