العنوان سر التقارب الإسرائيلي- الكرواتي
الكاتب د.حمزة زوبع
تاريخ النشر الثلاثاء 19-أكتوبر-1999
مشاهدات 63
نشر في العدد 1372
نشر في الصفحة 27
الثلاثاء 19-أكتوبر-1999
في عام ١٩٩٣م وبينما الألبان يستعدون لاستقبال عيد الأضحى المبارك، إذ هبط بلادهم الوزير الإسرائيلي شيمون بيريز ليلتقي الرئيس صالح بريشا وطاقم الوزارة الألبانية الديمقراطية، وليقدم الشكر إلى شعب ألبانيا الذي لم ينضم إلى قائمة المنكلين باليهود في أوروبا الشرقية كما الحال في بلدان أخرى، وعلى إثر ذلك قام بريشا بزيارة إلى إسرائيل بعد عام ونيف، زار خلالها مقابر اليهود الألبان الذين سمح الشيوعي أنور خوجا بترحيلهم حفاظًا على حياتهم، بدلًا من قتلهم مثلما فعل النازيون في معظم بلدان أوروبا الشرقية.
وعاد بريشا من إسرائيل ليفتح أبواب ألبانيا أمام الخبراء اليهود في مجال الزراعة من أجل الاستفادة من خبراتهم تمامًا كما يفعل بعض العرب، كما فتح الأبواب أمام جورج سورس الملياردير المعروف ليقوم بالإنفاق على جماعة «شهود يهوه» من أجل تهويد الألبان المسلمين أو تشويه ما تبقى من عقيدتهم.
وفي أثناء الحرب في البوسنة برزت إسرائيل على سطح البلقان مرة أخرى لتبدي تعاطفها مع المسلمين، وتقوم بإرسال مساعدات إنسانية بالاشتراك مع الأردن إلى البوسنة لتفتح الطريق إلى العلاقات في البلقان من جديد.
ونجحت إسرائيل في أن تفرض نفسها على دول الاتحاد اليوغسلافي الناشئة مثل سلوفينيا، ومقدونيا، وكرواتيا، وحتى صربيا، من خلال عرضها لتطوير النظم الدفاعية الصربية، بيد أن أمريكا اعتبرت ذلك بمثابة دعم مباشر لصربيا في الحرب ضد الناتو.
وعندما وقعت مأساة كوسوفا أرسلت إسرائيل مساعدات إنسانية، واستضافت حوالي مائة وعشرين من الألبان، واستقبلهم رئيس الوزراء السابق نتنياهو وزوجته بالورود، والعالم العاقل يشاهد مشدوهًا ما يحدث من العطف الإسرائيلي الذي هبط فجأة تجاه المسلمين في كوسوفا، بينما يقوم الصهاينة بتكسير عظام الفلسطينيين، ويقصفون جنوب لبنان يوميًا.
لكن اللافت للنظر هو ما حدث مع كرواتيا، وهي دولة يحكمها شيوعي عتيق من بقايا الاتحاد اليوغسلافي، يعاني من مرض السرطان منذ فترة ليست بالقصيرة، ويعتبر نفسه محرر كرواتيا من القيد الصربي، وصاحب الفضل في تحرير كرابينا، وطرد الصرب وترحيلهم إلى صربيا وكوسوفا، كما أنه أحد الشركاء الدوليين في عملية السلام في البوسنة، إنه فرانيو تودجمان الذي كان يحلم بزيارة إسرائيل، وقد حمل وزير خارجيته رسائل بهذا المعنى إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي منذ ۱۹۹۷م، لكنه كان في كل مرة يواجه بعقبة أو اعتذار.
إلى أن جاءه الرد «لديكم مجرم نازي قتل وساعد في قتل اليهود إبان الحرب العالمية الثانية»، وهو دينكو ساكيتش، والذي كان يدير معسكر يازينوفاتش لتصفية اليهود، وعلى إثر ذلك الرد قام وزير الخارجية الكرواتي بزيارة إلى إسرائيل ليبدي اعتذار حكومته وشعبه عما حدث لليهود.
وتم ترتيب زيارة لتودجمان لزيارة إسرائيل، ولكن الرجل أخطأ في إحدى المرات حين أعلن في تصريح صحفي «إن زوجتي لیست صربية أو يهودية»، وهو ما فهمته إسرائيل على أنه قدح ومعاداة للسامية، وقام تودجمان هذه المرة بالاعتذار شخصيًا، بعدما ذهب وفد إسرائيلي إلى زغرب لتوقيع اتفاقية للتعاون التجاري والاستثمار في كرواتيا، كما ذهب وفد آخر لدراسة تطوير الطائرات المقاتلة میج ۲۱، والذي سيتكلف ما بين ۸۰ – ۱۲۰ مليون دولار.
وارتبطت تلك المشروعات بضرورة تقديم العجوز دينكو ساكيتش ٧٨ سنة إلى المحاكمة، وهو ما حدث بالفعل، وحكم عليه بالسجن عشرين عامًا، وجاء في حكم الإدانة: «إن هؤلاء الذين ماتت ضمائرهم، وارتكبوا هذه الجرائم، عليهم أن يعلموا أنهم سيقفون يومًا ما أمام العدالة مهما طال الوقت»، والغريب أن تودجمان كان دائمًا ما يفاخر بالحركة التي ينتسب إليها المحكوم عليه بأنها الحركة الملهمة لتحرير كرواتيا.. ولكنه اضطر من أجل إسرائيل إلى التضحية بالقادة التاريخيين لبلده..
وفي الوقت الذي يخضع تودجمان للابتزاز الصهيوني يرفض تقديم «ميلادين ناليتيتش» المعروف باسم توتا، والمتهم بجرائم ضد المسلمين في البوسنة، والمطلوب للمحاكمة في محكمة جرائم الحرب في لاهاي.