; سر التقارب التونسي اليهودي في عهد بن علي | مجلة المجتمع

العنوان سر التقارب التونسي اليهودي في عهد بن علي

الكاتب عبدالحق حسن

تاريخ النشر الثلاثاء 17-نوفمبر-1992

مشاهدات 65

نشر في العدد 1025

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 17-نوفمبر-1992

في محاولة لكسر طوق العزلة عالميًا وإقليميًّا يقوم النظام التونسي بتجنيد كل طاقته لمعالجة الآثار السلبية الناجمة عن سياسته التي مضى عليها الآن خمس سنوات والتي شغلت نفسها بافتعال معارك شرسة مع الإسلاميين ومع كل رموز الصحوة الإسلامية.. أضافت إليها موقفًا تخاذليًّا من كارثة غزو العراق للكويت الشقيق.. تردت بسبب هذه السياسة الأوضاع الاقتصادية في الداخل مع ارتفاع الأسعار وتدهور متواصل في قيمة العملة وثبات المداخيل وهروب الاستثمارات الدولية والعربية جراء الأوضاع الأمنية غير المستقرة والتي روَّج لها النظام دون إدراك لما تجره هذه السياسة من كساد وبطالة على الشعب التونسي.. يصاحب هذا الوضع الاقتصادي المتردِّي سمعة دولية سيئة لانتهاكات حقوق الإنسان تمثلت في تلاحق تقارير منظمة العفو الدولية وإدانتها للممارسات القمعية للمعارضة الإسلامية في تونس.. آخر تلك التقارير صدر بعنوان تونس أحكام قاسية عقب محاكمات غير مقسطة، جاء التقرير مؤكدًا جملة حقائق تدور حول عدم استناد المحاكمات التي جرت إلى أي سند قانوني.. مع إثبات ما صاحبها من تعذيب وانتهاك لحقوق الإنسان..

إزاء هذا الجو الخانق الذي أحاط بالنظام كانت زيارة الرئيس ميتران لتونس مؤخرا تسبقها تصريحات المسؤولين التونسيين عن انتهاء الجهات الأمنية من القضاء على آخر معاقل الأصوليين في تونس.

الأزمة الاقتصادية وهروب الاستثمارات الأجنبية

جاءت الزيارة أشبه ما تكون بزيارة تبرئة للنظام من الاتهامات التي تكال له من منظمات حقوق الإنسان العالمية.. وأقرب أيضًا إلى نجدته اقتصاديًّا وسياسيًّا من الانهيار الوشيك، لهذا أراد الرئيس الفرنسي بزيارته تحسين صورة النظام التونسي لدى الرأي العام الفرنسي وحث رؤوس الأموال التي هربت إلى العودة إلى الاستثمار في تونس، ويمكن القول إن زيارة الرئيس ميتران في ذلك الحين أكدت قناعة المسلمين بحقيقة الدور الذي تلعبه فرنسا عبر سياستها الملتوية في مواجهة الصحوة الإسلامية، وإلا فكيف يتسق هذا المسلك التصالحي مع نظام ينتهك حقوق الإنسان.. وهي المبادئ التي يتشدق بها الفرنسيون ويتباهون على العالم.. ويمكن القول أيضا إن زيارة رئيس الجامعة الدولية لحقوق الإنسان الفرنسي دانيال جاكوبي لتونس منذ شهور كرَّست المصالحة مع المنظمات الإنسانية وغض الطرف عن الإجراءات القمعية مادام الثمن دماء المسلمين.. 

هكذا جاءت زيارات المسؤولين الفرنسيين المثالية لتونس كنوع مكافأة ومسارعة في نجدة النظام وإخراجه من ورطته، وسجل مراقبون في الآونة الأخيرة أنشطة متميزة تؤكد رغبة فرنسا في إرساء علاقة متينة ومتميزة مع تونس منها ما هو اقتصادي يتمثل في مشاريع استثمارية جديدة ومحطات تلفزيون مشتركة، ومنها هو ثقافي كإنشاء معهد الدراسات المغاربية وهو منهج يعني بالدراسات العلمانية وتكريسها في المنطقة..

العلاقات التونسية-الصهيونية: بوابة للنفوذ السياسي والاقتصادي

وسط هذه الأجواء لم ينس النظام فتح قنوات مع القوى الصهيونية للاستفادة منها اقتصاديًّا وسياسيًّا فتلك القوى اليهودية لها تحفظات على تطوير العلاقات الفرنسية- التونسية- لما لتونس من علاقات مع المنظمات الفلسطينية.. لكن النظام التونسي في توجهه الحالي تخفف كثيرًا من هذه العلاقة وهو بسبيل استثمار العلاقة الفلسطينية- التونسية وتوظيفها لمفاوضات السلام العربية- الإسرائيلية ولصالح إسرائيل، ففي الوقت الذي كانت تونس تستقبل فيه الحاخام الصهيوني بزوف ستسترول الذي قامت السلطات التونسية ببسط السجاد الأحمر في المطار عند استقباله ومعاملته معاملة رؤساء الدول.. تراجعت العلاقة التونسية-الفلسطينية إلى القدر الذي راحت فيه الزعامة الفلسطينية تبحث لها عن مقر بعيد عن تونس.. وفي الوقت الذي تغلق أبواب الدخول في تونس أمام الفلسطينيين تنوي الحكومة التونسية السماح لليهود التونسيين المقيمين في فلسطين المحتلة بزيارتها كما فعلت المغرب مع اليهود المغاربة.

تراجع العلاقة مع الفلسطينيين مقابل الانفتاح على اليهود

هذا التوجه في السياسة التونسية الحالية عبرت عنه الدوائر الصهيونية بارتياح بالغ خاصة فيما يتعلق بالدور الكبير الذي تلعبه تونس على صعيد المفاوضات المتعددة الأطراف أو في مؤتمر مدريد.. وترى الدوائر الصهيونية في تونس كونها المقر الرسمي لمنظمة التحرير الفلسطينية منذ عشرة أعوام وهي التي احتضنت جولات الحوار الأمريكي- الفلسطيني في عام ۱۹۹۰ ترى فيها مجالًا رحبًا للاطلاع عن كثب على تحركات الجانب الفلسطيني دون عوائق مقابل هذا تطمع تونس في أن تفتح لها خزائن اليهود وتتجه استثماراتهم لإنقاذ اقتصادها المتردي.

الرابط المختصر :