العنوان معالم على الطريق.. سريبرينيتسا وقبائل الزولو والتونسي
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الثلاثاء 18-يوليو-1995
مشاهدات 79
نشر في العدد 1158
نشر في الصفحة 37
الثلاثاء 18-يوليو-1995
هل يتحمل قلب الإنسان المسلم ولم يتقطع، كل هذه المآسي والأوجاع والعلل التي تنهشنا؟
وهل يصمد كبد الإنسان المؤمن، ولم يتفتت أمام كل هذه الكوارث والنكبات والعواصف التي تعتصرنا وتفجعنا؟
وهل تستقر نفس مسلم في صدره ولم تتمزق، بعد كل هذا القهر والصراع والفتن والمذابح التي تلحق بالمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها؟
وهل يثبت عقل إنسان مخلص في رأسه، بعد كل هذا التيه، وهذا الهم، وهذا الشرود، وهذا الاستضعاف الذي يعيشه؟
ما الذي يشعر به كل مسلم غيور أو متبلد الحس، وهو يعلم اليوم أن بلدًا مسلمًا مثل سريبرينيتسا في البوسنة والهرسك يجوع الناس فيها حتى الموت ويعطشون حتى الهلاك تحت جحيم القصف، وحريق القنابل، ولهيب الحروب؟
ما الذي يشعر به كل مسلم غيور أو متبلد الحس، وهو يعلم أن هذا البلد يحاصر من الصرب، ومن الأمم المتحدة على سواء، فلا يدخله سلاح للدفاع عن النفس ورد العدوان، أو جند للدفاع عن الحرمات والشيوخ والأطفال، أو طعام لسد الرمق والإبقاء على الحياة؟
ما الذي يشعر به كل مسلم غيور أو متبلد الحس، حين يرى تلك البلد تداهم ويهيم أهلها في الوديان والشعاب ويلاحقون بالقنابل والذبح والتطهير العرقي، وسبي النساء والذراري، وهتك الأعراض، ويستغيثون ولا مغيث ويسترحمون ولا راحم، وينادون ولا مجيب، والمسلمون ثلث العالم تعدادًا وأكثر من ثلثه دولًا؟
لماذا ديار المسلمين هي التي تؤخذ وبلاد المسلمين هي التي تستباح وأعراض المسلمين هي التي تنتهك بغير ذنب ولا جريرة ولا جرم، لماذا؟
ولماذا يستجاب لكل ناعق، ويصان كل حق، ويتحرك العالم للدفاع عما يسمى بحقوق الإنسان؟ إلا صوت المسلم فإنه لا يسمع، وحقه فإنه لا يسترد، وذاته فإنها لا تصان، رغم أنه يشارك في كل المنظمات الدولية، والهيئات الإنسانية، والمؤسسات العالمية الآن كثرة المسلمين اليوم غثاء كغثاء السيل، ودولهم لا في العير ولا في النفير تحسم أمرًا، ولا في النقير والقطمير تملك شيئًا، ومشاركتهم في المنظمات كخيال التماثيل، وفي الهيئات والمؤسسات كسقط المتاع؟
لماذا لكل الناس رهبة ولا عزة لهم وهيبة ولا كرامة لهم، وقوة ولا بأس عندهم وهوية ولا شخصية لهم، وقد كانوا أعز الناس وأرهب الناس وأشجع الناس وأصلب الناس عودًا، وأكثرهم شكيمة وما هذا إلا لأنهم رضعوا الفتوة والقوة مع ألبان أمهاتهم، وشربوا وغزوا وطعموا العزة والرجولة والمجد مع آيات قرآنهم وسنة نبيهم، وحتى يزداد المسلم رسوخًا والمؤمن اليوم معرفة أسوق بعضًا من تلك الآيات القرآنية التي تبنت تلك اللبنات وتغذي تلك الغصون بالقوة والرجولة والشموخ:
﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾(البقرة:٦٣).
﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا﴾ (البقرة:٩٣).
﴿فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا ۚ سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾ (الأعراف:١٤٥).
﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ (الأنفال:٦٠).
﴿ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾(التكوير:٢٠).
﴿مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ رِجَالٞ صَدَقُواْ مَا عَٰهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيۡهِۖ﴾ (الأحزاب:٢٣).
﴿لِّيَجۡزِيَ ٱللَّهُ ٱلصَّٰدِقِينَ بِصِدۡقِهِمۡ وَيُعَذِّبَ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ﴾ (الأحزاب:٢٤).
﴿لِّيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَن صِدْقِهِمْ ۚ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (الأحزاب:٨).
﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ (البقرة:١٧٧).
﴿إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْن﴾ (الأنفال:٦٥).
﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ (محمد:٣١).
هذا قليل من كثير تربت عليه أمة فأخرجت:
شبابًا ذللوا سبل المعالي وما عرفوا سوى الإسلام دينا |
فما قويت الأمة إلا بهذا الشباب وما، ارتفع لها ذكر إلا بهذه العزائم والنفوس الأبية.
فهل ربت الأمة هذه الفتية حتى تكسب بهم الميادين المختلفة، وترتاد بهم المنازل المتعددة، وتقوى بهم علمًا وحضارة وإبداعًا؟ وهل التفتت إلى الشعوب فأخذت بيدها، وجبرت كسرها، وسددت خطوها وعدلت فهمها، وأعلت ثقافتها، واستثمرت رأيها، وانتفعت بمشورتها؟
نعم.. التفتت إلى الشباب، ولكن بالضياع والإهمال، وتركه للغزو الثقافي والمذاهب الهدامة من جهة، ومحاربة توجهه الصحيح وانتمائه لتاريخه، وانتسابه لهويته واعتزازه برسالته من جهة أخرى.
نعم.. التفتت إلى الشعوب لتهمشها ولتصنع فيها قطيعًا من الإمعات التي لا يسمع له راي، ولا يحترم له مشورة من جهة، أو لتذبحها ذبح الخراف، حتى إنك تسمع كل يوم حصاد الوجبات المقتولة، كما تسمع البلاغات الحربية، مائة قتيل في اليوم، أقل قليلًا أو أكثر كثيرًا حتى بلغت قتلى الشعوب بالآلاف المؤلفة في السنة الواحدة، حتى إنني أكاد أحسب أن الأمة تتعرض لهجمات صربية في بلادها، أو أن قبائل التونسي والزولو انتشروا في ربوعها، فلا رحمة، ولا تفاهم، ولا مصالحة ولا نيات حسنة، فضلًا عن مصالح الأمم والشعوب، أو مساعدة الأخ والصديق في ديار المسلمين المغتصبة، والتي تئن أنين المذبوح، وتستغيث استغاثة الغريق بالأمة المسلمة، ولا مغيث والحقيقة أن المذبوح في سريبرينيتسا يستغيث بمذبوح آخر في ديار المسلمين والغريق في البوسنة يستغيث بغريق آخر في ديارنا، ولكن قد تتساءل فتقول: ومن المسئول؟ أقول كل الأمة تعرف من.
﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف:٢١).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل