; سحر البيان وحسرة الزمان | مجلة المجتمع

العنوان سحر البيان وحسرة الزمان

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر السبت 20-يونيو-2009

مشاهدات 72

نشر في العدد 1857

نشر في الصفحة 39

السبت 20-يونيو-2009

يُقرأ في الحديث الشريف «إن من البيان لسحرا»، ويقولون في قصة هذا الحديث المشهور: إن الزبرقان بن بدر وعمرو بن الأهيم وقيس بن عاصم، جلسوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال الزبرقان يعرف بنفسه: يا رسول الله أنا سيد بني تميم والمطاع فيهم والمجاب أمنعهم من الظلم وآخذ منهم بحقوقهم، ثم أشار إلى عمر ابن الأدهم وقال: وهذا يعلم ذلك.

فما كان من عمرو بن الأهيم إلا أن زاد في مدحه فقال: إنه لشديد المعارضة مانع لجانبه مطاع في إذنه، ولكن هذا المدح لم يره الزبرقان كافيا في حقه، فقال: والله يا رسول الله لقد علم مني غير ما قال، وما منعه أن يتكلم إلا الحسد.

فلما سمع عمر هذا الكلام من الزبرقان غضب وقال: أنا أحسدك؟! واستقبح هذا الكلام فذمه وقال: والله يا رسول الله إنه للئيم الخال حديث المال أحمق الوالد مضيع في العشيرة. والواضح أنه غير كلامه من المدح إلى الذم في حق الزبرقان، ثم تابع كلامه قائلا: والله يا رسول الله، لقد صدقت في الأولى، وما كذبت في الآخرة، ولكني رجل إذا رضيت قلت أحسن ما علمت، وإذا غضبت قلت أقبح ما وجدت، فعندها قال صلى الله عليه وسلم: «إن من البيان لسحرا».

فالكلمة لها سحر، ويعتبر من يملكها ساحرًا لعقول الناس وأفكارهم، ونحن العرب كنا أرباب الكلمة وسحرة الألباب والعقول، وكتابنا معجزة

البيان وبهجة العقول وحجة البلغاء، كما كنا آسري الألباب، وقمم الإقناع، بصدق وشرف وهذا عندما كنا أصحاب مبادئ وأساتذة العالم ومعلمي الأمم، وكان الزعماء خطباء وفصحاء وأصحاب بيان يقودون به الأمة، ويوضحون به المراد ويحضون به على الاستقامة، ومن هؤلاء زياد بن أبيه، لما قدم البصرة واليا عليها خطبهم خطبة عصماء قال فيها:

"أيها الناس، إنا أصبحنا لكم ساسة وعنكم ذادة، نسوسكم بسلطان الله الذي أعطانا، ونذود عنكم بفيء الله الذي خولنا، فلنا عليكم السمع والطاعة فيما أحببنا، ولكم علينا العدل فيما ولينا، فاستوجبوا عدلنا وفيئنا بمناصحتكم لنا، واعلموا أني مهما قصرت عنه فلن أقصر عن ثلاث: لست محتجبا عن طالب حاجة منكم ولو أتاني طارقا بليل، ولا حابسا عطاء ولا رزقا عن إبانه ولا مجمراً لكم بعثاً، فادعوا الله بالصلاح لأئمتكم فإنهم ساستكم المؤدبون لكم، وكهفكم الذي إليه تأوون ومتى يصلحوا تصلحوا، ولا تشربوا قلوبكم ببغضهم فيشتد لذلك غيظكم ويطول له حزنكم، ولا تدركوا له حاجتكم مع أنه لو استجيب لكم فيهم لكان شرا لكم أسأل الله أن يعين كلا على كل، وإذا رأيتموني أنفذ فيكم الأمر فأنفذوه على أذلاله، وايم الله إن لي فيكم الصرعى كثيرة فليحذر كل امرئ منكم أن يكون من صرعاي..".

بعد أن أنهى زياد خطبته قام إليه عبد الله بن الأهتم فقال: أشهد أيها الأمير لقد أوتيت الحكمة وفصل الخطاب.

فقال له: كذبت، ذاك نبي الله داود صلوات الله عليه.

فقام الأحنف بن قيس فقال: إنما الثناء بعد البلاء والحمد بعد العطاء وإنا لن نثني حتى نبتلي.

فقال له زياد: صدقت.

فقام أبو بلال مرداس بن أدية وهو يهمس

ويقول: أنبأنا الله بغير ما قلت، قال الله تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (37) أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (38) ﴾ [النجم: 37 - 39]، وأنت تزعم أنك تأخذ البريء بالسقيم، والمطيع بالعاصي والمقبل بالمدبر فسمعها زياد فقال: إنا لا نبلغ ما نريد فيك وفي أصحابك حتى نخوض إليكم الباطل خوضا.

وقد كان هذا البيان واللسان أصيلا في الأمة العربية يسمع له ويطرب، وكان العرب يعظمون الخطباء وأصحاب الفصاحة شعراء، وخطباء وكان يذكرهم الرسول صلى الله عليه وسلم بخير.

وجاء ذكر قس بن ساعدة في كتاب البداية والنهاية لابن كثير في عدة روايات، يذكر في إحداها: أنه لما جاء وفد إياد إلى النبي صلى الله عليه وسلم سر بقدومهم وسألهم عن قس بن ساعدة، فقالوا: هلك يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مهما نسيت فلن أنساه بسوق عكاظ واقفا على جمل أحمر يخطب الناس، وهو يقول.. »، فذكر النبي صلى الله عليه وسلم خطبته المعروفة وقال: «يرحم الله قسا أما إنه سيبعث يوم القيامة أمة وحده أو (أمة واحدة)». وذكروا كذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم سألهم عن قس هل ترك وصية ؟ قيل: وجدوا عند رأسه صحيفة فيها من إنشاء قس بن ساعدة:

يا ناعي الموت والملحود في جدث
 
عليهم من بقايا قولهم خرق
  
دعهم فإن لهم يوما يصاح بهم
 
فهم إذا انتبهوا من نومهم أرقوا
  
حتى يعودوا بحال غير حالهم
 
خلقاً جديداً كما من قبله خلقوا
  
منهم عراة ومنهم في ثيابهم
 
منها الجديد ومنها المنهج الخلق
  

ونسبوا إلى قس بن ساعدة قوله: "كلا بل هو إله واحد ، ليس بمولود ولا والد، أعاد وأبدى وإليه المآب غدا". وقوله: "كلا بل هو الله الواحد المعبود، ليس بوالد ولا مولود". وهذا مطابق السورة الإخلاص معنى وليس لفظا وبلاغة.

وجاء في كتاب "النصوص الأدبية" (مكتبة الرشاد) ذكر قس بن ساعدة، يقول المؤلفون: "وقد نزل القرآن مصدقا لقوله، مقراً طريقة قس في الاستدلال بعجائب المخلوقات على وجود الخالق"، ورووا له هذه الخطبة:

"أيها الناس، اسمعوا وعوا، وإذا سمعتم شيئا فانتفعوا، إنه من عاش مات، ومن مات فات وكل ما هو آت آت إن في السماء لخبرا، وإن في الأرض لعبرا. ليل داج، ونهار ساج، وسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج ما لي أرى الناس يذهبون ولا يرجعون؟ أرضوا بالمقام فأقاموا أم تركوا هناك فناموا ؟ تبا لأرباب الغفلة والأمم الخالية والقرون الماضية.

يا معشر إياد أين الآباء والأجداد؟ وأين المريض والعواد ؟ وأين الفراعنة الشداد ؟ أين من بنى وشيد وزخرف ونجد ؟ أين من بغى وطغى وجمع فأوعى، وقال أنا ربكم الأعلى؟ ألم يكونوا أكثر منكم أموالا ، وأطول منكم أجالا؟ طحنهم الثرى بكلكله، ومزقهم الدهر بطوله، فتلك عظامهم بالية، وبيوتهم خاوية، عمرتها الذئاب العاوية. كلا بل هو الله الواحد المعبود، ليس بوالد ولا مولود". وذكروا له الأبيات المعروفة في الذاهبين الأولين..".

وها هي الأمة تحن إلى بلاغة البلغاء وثانية لما سمعت "أوباما" رئيس أمريكا يبهرهم ببيانه وهم أربابه بهتوا لأنهم تخلفوا في كل شيء حتى الكلمة، وكان إذا ظهر فيهم فصيح أو خطيب بارع قتلوه أو سحلوه، وما حكاية الشيخ حسن البنا، أو سيد قطب ببعيد، فإنا لله وإذا إليه راجعون.

الرابط المختصر :