العنوان سجن الخيام أخطر مراكز القمع الإسرائيلية في الجنوب اللبناني
الكاتب مراسلو المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 26-مايو-1987
مشاهدات 59
نشر في العدد 819
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 26-مايو-1987
بيروت «المجتمع» من سعود الناصر:
يقع معتقل الخيام في الطرف الجنوبي الشرقي لبلدة الخيام الجنوبية المحاذية لفلسطين المحتلة، وقد كان فيما مضى ثكنة عسكرية قديمة يعود تاريخها إلى عهد الانتداب الفرنسي، ومن ثم تستعملها الجيش اللبناني خلال تواجده في المنطقة قبل الاعتداءات الإسرائيلية في العام ١٩٦٧ حيث استولت القوات الإسرائيلية على الثكنة وعملت على تطويرها وتوسعتها لتصبح معتقلًا عسكريًّا يستوعب المئات من مجاهدي المقاومة الإسلامية على أرض الجنوب، وبخاصة بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان في العام ۱۹۸۲.
مقدمة:
الحديث عن سجن الخيام حديث عن مأساة مستمرة يعيشها المعتقلون المؤمنون من الجنوب اللبناني، فبعد انتهاء معتقل أنصار الأول والثاني وإثر إطلاق آخر دفعة من المعتقلين اللبنانيين القدامى من سجن عتليت داخل الأرض المحتلة في فلسطين برزت أهمية سجن «الخيام» كمعتقل مركزي لأبناء المقاومة الإسلامية والأهالي المتعاونين معها من الشباب والشيوخ والنساء والأطفال.
والذين دخلوا إلى معقتل الخيام وقدر لهم أن يخرجوا أحياء ينقلون الكثير مما شاهدوه وعايشوه عن عمليات تعذيب وإرهاب يمارسها رجال المخابرات الإسرائيلية بحيث تجعلهم يترحمون على أيام «أنصار» و«عتليت».
وسائل التعذيب
إن معظم الشهادات التي يدلي بها الخارجون من «سجن الخيام» أو «سجن المقابر» -كما يسمونه- تؤكد أن عمليات التعذيب التي يتعرض لها المعتقلون هي من القساوة والشدة والتنوع بحيث إن بعضها لم يسمع به من قبل وأنها تترك آثارها على جسد المعتقل ونفسيته لمدة طويلة من الزمن، ولا يمكن وصف الجلادين إلا بأنهم وحوش سادية كاسرة هدفها إشباع غريزتها من الحقد والتشفي؛ لا الحصول على المعلومات.
فمن ربط الأيدي برباط البلاستيك المشهور؛ وهو عبارة عن سلك معدني دقيق مطاط يلف حول معصمي المعتقل، وإذا ما حاول المعتقل تحريك يديه فإن السلك يأخذ بالضغط بقوة أكثر على يديه بحيث تتورم اليدان ويسيل منهما الدم والقيح، وبخاصة إذا ما استمر تقييده لمدة قد تتجاوز الــ٧٢ ساعة... والكيس السميك ذي الرائحة النتنة الذي يغطي الوجه ويربط عند الرقبة، فيجعل النفس مستملأ.. إلى التعليق بشكل عار بالعمود أو النافذة لمدة أيام تحت البرد أو الحر.
ومن وسائل التعذيب في هذا المعتقل الجلد «بكابل» من الأسلاك بسماكة ٣ سم على الأكتاف والظهر حتى تنفرم الجلود ويتقطع اللحم، فضلًا عن الرفس بالأحذية العسكرية على أنحاء الجسم مما يسبب كسورًا خطيرة في عظام الصدر والحوض، وتبلغ حدة التعذيب أقصاها عندما يقوم الجنود برفس المعتقل على حنجرته ورقبته وأذنه، وقد فقد كثير من المعتقلين أصواتهم وسمعهم من شدة التعذيب.
وقد يترك المعتقل في باحة السجن عاريًا، معصب العينين، مقيدًا، لمدة قد تزيد على الأسبوع أو أكثر وهو يتبول ويتغوط في مكانه، ويطعمونه مرة في اليوم من فضلات الطعام!
ومن أساليب التعذيب النفسي تهديد المعتقل بحقنه بمادة تمنعه من الإنجاب أو تسبب له الشلل، أو حقنه بمادة تسمى «مصل الحقيقة»! ويوهمونه بأنه ما لم يتكلم فإنه سيمرض ويموت!
وقد يوقف الجلادون المعتقل على كيس من القماش السميك مبلول بالماء، ويتم إيصال التيار الكهربائي فيهتز جسمه هزًّا عنيفًا، وغالبًا ما يغمى عليه ويتم توليد التيار بواسطة آلة يدوية يتحكم الجلاد فيها بقوة التيار.
الحياة داخل المعتقل تبدأ رحلتها المظلمة مع بداية اعتقال المجاهد حيث يتعرض التعذيب شديد قد يستمر شهرًا كاملًا في محاولة لانتزاع معلوماته عن المقاومة ومجموعاتها ومراكز تجمعها وطرائقها في تنفيذ عملياتها ضد القوات الإسرائيلية، وجيش العميل أنطوان لحد يشرف على هذه التحقيقات الميجور ياكي، يعاونه الضابطان صالح ودافيد، وهما الضابطان المسئولان عن فرز المعتقلين وتوزيعهم على الزنازين التي لا تتجاوز مساحة الواحدة منها ٢×1.5م يحشر فيها من ٦ إلى ١٠ معتقلين، بالإضافة إلى الزنازين الإفرادية التي لا تتجاوز مساحة الواحدة منها ۷۰×۷۰سم.
ويضم السجن نحوًا من ۲۲ زنزانة جماعية: ١٠ زنازين إفرادية، وهذه الزنازين لا يدخلها النور أبدًا، وهي رطبة جدًّا في الشتاء وحارة محرقة في الصيف.
تبدأ رحلة التعذيب على يد الجلادين من المخابرات الإسرائيلية والعملاء في جيش لحد، ونذكر منهم العميل جان الحمصي «صليبي» من بلدة برج الملوك، كان يشغل رتبة معاون أول في الجيش اللبناني، يساعده «أحمد سيد حسن» من عيترون، وحسين فاعور من الخيام، وواكيم من حربا «صليبي»، وعصام مروان «صليبي» من دير ميماس، إضافة إلى فارس أبو سمرا المسئول العسكري للسجن، وإلياس سعيد وجريس الحاصباني، وهما من القليعة..
وتستمر الرحلة المؤلمة حتى يكاد المعتقل يصاب بالجنون أو الموت، ولا يترك إلا بعد أن ييأس المحققون من إمكانية تعاونه معهم أو قدرتهم في الحصول على أي نوع من المعلومات من خلاله؛ حيث يحول إلى الزنازين -التي أشرنا إليها- ولا يستطيع المعتقل أن يقف داخلها أو يمدد رجليه بعد أن يعطى بطانيتان!
وفي الزنازين إبريق ماء من البلاستيك، ودلو للتغوط يفرغ مرة كل ٢٤ ساعة!
طعام المعتقلين لا يزيد عن بيضة مسلوقة لكل اثنين، وغالبًا ما تكون البيضة فاسدة! أما الفطور الصباحي فملعقة من المربى أو حبات زيتون لا تتجاوز الثلاث!
وتتركز همجية الجلادين على المعتقلين المؤمنين من رجال ومؤيدي المقاومة الإسلامية حيث يمنعون من الصلاة وقراءة القرآن أو الآذان، وحتى الكلام. أما الأخوات فيمنعن من ارتداء الحجاب، وكثيرًا ما يقسو عليهم المحققون ويتصرفون أمامهم بطرق منافية لأبسط قواعد الأخلاق والآداب.
أما المعتقلون من مناصري الأحزاب العلمانية كالقوميين السوريين والبعث فلا يزيد عددهم عن اثنين إلى خمسة، بينهم بعض الفتيات.. يتمتع هؤلاء بحرية شبه مطلقة، وكثيرًا ما تكون فترة اعتقالهم فترة تغطية لهم يخرجون بعدها ليكونوا مجندين في خدمة «الموساد».
وينقل المؤمنون داخل المعتقل قصصًا مخزية للمعتقلين اليساريين أخلاقيًّا وسياسيًّا؛ حيث يذكرون أن إحدى هؤلاء المعتقلات كانت تمارس الشذوذ الجنسي مع ضابطة إسرائيلية مجندة! فكانت تخرجها من السجن لأيام ثم تعود بها بعد أن تقضي كل منهما وطرها!
ويعيش المعتقلون في الزنازين الإفرادية ومعظمهم من المتهمين بالقيام بعمليات عسكرية ضد اليهود وعملائه حالة فردية أكثر من إخوانهم في الزنازين الجماعية، حيث يعطون أدوية تفقد الذاكرة وتصيب الجسم بانحطاط عام، وقد توفي في هذه الزنازين العديد من المعتقلين لتعرضهم للتعذيب بشكل يومي رغم طول المدة التي انقضت على اعتقالهم نذكر منهم «لبيب أبو غيدا» من حاصبيا، وكان أفرج عنه في حالة غيبوبة «غوما»، و«فايز أبو رافع» من عينا قينا مصاب بكسر في عموده الفقري، وهناك عدد من المعتقلين في هذه الزنازين من المصابين بجروح وكسور خطيرة، ولا يزال العدو مستمرًّا في اعتقالهم هذا فضلًا عن تفشي الأمراض والأوبئة كالجرب والحكاك وفقر الدم وانتشار الحشرات بين المعتقلين إلى حد يصفه أحدهم بقوله: كنا نحس بالقمل يسرح على شعورنا وأجسادنا ونمسكه دون أن نراه لشدة الظلام.
ولا يمكن تحديد العدد الثابت للمعتقلين والمعتقلات في سجن الخيام نتيجة لاستمرار عمليات الاعتقال تبعًا لاستمرار عمليات الدهم والاجتياح لقرى الشريط الحدودي المحتل، ولكن قد نستطيع تقدير عدد المعتقلين من خلال الأشخاص الذين خرجوا من المعتقل حيث يقدرون عدد المعتقلين بنحو خمسمائة معتقل من الرجال والنساء يعيشون معزولين عن العالم، يتهددهم مصيرهم المحتوم الذي يعبر عنه قول أحد الخارجين من السجن: «لا يمكن لمن بقي في تلك المقبرة أكثر من سنة أن يخرج طبيعيًّا».
هذه الحقائق نضعها أمام المؤمنين في شتى بقاع الأرض، وأمام ما يسمى بالرأي العام الدولي والمؤسسات الإنسانية التي لم يسمح لأي منها حتى الآن بالدخول إلى هذا السجن والاطلاع عن كثب على أوضاع المعتقلين داخله.. نضع هذه المعلومات أمام هؤلاء من أجل تحرك عريض لفضح أساليب اليهود الإرهابية الحاقدة وكشف المزيد من الحقائق أمام دعاة السلام الذين كان من الأجدر بهم السعي لتحرير أوطانهم وإنقاذ إخوانهم وتحكيم شرع الله في بلادهم: ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ (ق: 37).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل