; سجدنا لاعبين ففزنا.. ألا نسجد جادين لننتصر؟!! | مجلة المجتمع

العنوان سجدنا لاعبين ففزنا.. ألا نسجد جادين لننتصر؟!!

الكاتب أ. د. سمير يونس

تاريخ النشر السبت 13-فبراير-2010

مشاهدات 75

نشر في العدد 1889

نشر في الصفحة 55

السبت 13-فبراير-2010

تابعت مباراة كرة القدم بين المنتخب الوطني المصري ومنتخب غانا، ولا أنكر أنني تفاعلت مع أحداث المباراة، وتمنيت أن تفوز مصر بكأس أفريقيا، ليس تعصبا، ولكن تمنيت ذلك جزاء من الله سبحانه وتعالى لفريق الساجدين، وهم مجموعة من اللاعبين الملتزمين المصلين الساجدين الراكعين حتى شهد لهم من يعايشونهم بأنهم محافظون على صلاة الفجر، ومنضبطون في سلوكياتهم وتصرفاتهم وأخلاقياتهم، وقد شاهدنا ذلك بالفعل على شاشات الفضائيات، وقد حاول كثيرون من منافسيهم استفزازهم فلم يستفزوا وكانوا نموذجا في الحلم والعفو والصفح، وفي الالتزام بالقيم الأخلاقية، فتمنيت أن يفوزوا دعما لهم وللأخلاق الكريمة، حتى يستفيد من ذلك غيرهم.

ولقد ذكرني فوز هؤلاء الشباب الذي كان ثمرة لالتزامهم وحسن خلقهم وسجودهم وركوعهم بنصر العاشر من رمضان السادس من أكتوبر عام ۱۹۷۳م، يوم أن كان شعار الجيش المصري العظيم «الله أكبر»، فكتب الله النصر لهؤلاء الأبطال، وكانت ملحمة عظيمة تأخذ بالألباب، لا تفسر إلا بأن العبد إذا لجأ إلى الله ربه وأحسن التوكل عليه ورجع إليه وأناب وأخذ بالمتاح من الأسباب. فإن الله تعالى لابد ناصره ﴿ وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ (الروم: 47)

لقد استعان الشباب بربهم، ورفعوا أيديهم إلى السماء، وأكثروا من الدعاء، وأعطوا صورة مضيئة مشرقة لبلدهم مصر العظيمة التي ينبغي أن تكون نموذجا في الخلق الكريم.

ولقد أثار نصر العاشر من رمضان في ذاكرتي ووجداني شجونا فصلت وجلت في مداولة الأيام، وقارنت بين هذا النصر العظيم عام ١٩٧٣م، وبين ما حدث في الخامس من يونيو عام ١٩٦٧م، حيث غنت الفنانات ورددن على مسامع الجند: «قاتلوا يا جنود مصر ونحن معكم، في ذلك اليوم نسينا أو نسينا أننا في معية الله، وخدع الشعب العظيم عندما علت أصوات تزيف الحقائق. يومها حدثت الكارثة. تلك دروس مستفادة ينبغي أن نتعلمها حلوة كانت أم مرة، خيرا كانت أم شرا.

الدروس المستفادة والملاحظات

1. ضجت الفضائيات بالاحتفالات، ولا تزال تفرض فرضا على أعيننا وأسماعنا وكأن الحياة حلت فخلت من جميع قضايا الوطن والأمة، ولم تبق مشكلة واحدة من المشكلات التي تواجه الناس في حياتهم إلا وتم حلها. 

تواضع اللاعبون، غير أن فريقا من الإعلاميين يدفعونهم قسرا إلى الغرور، ويصرون على لي أعناقهم من كثرة الثناء والشكر !!

 لقد جال في نفسي عقد مقارنة بين هذه الفتنة التي أرادها ضعاف النفوس لهذا الشباب الخلوق، وبين قيمة التواضع عند النصر التي ينبغي أن نحرص عليها، وهي قيمة نستمدها من هدي حبيبنا ﷺ، وإني لأرقب رسولنا الكريم يوم فتح مكة كما وصفته كتب السيرة حيث ضرب المثل الأعلى في التواضع، إذ دخل مكة مطأطئ الرأس، حتى إن لحيته لتمس رحل ناقته تواضعا لله وخشوعا له، وشكرا على نعمة النصر، فلم يدخل-وهو الظافر المنتصر دخول المنتشي الفخور المتجبر، وإنما دخل دخول تواضع وشكر وعفو.

2. صلاة الشكر وحفلات الغناء:

لما فتح رسول الله ﷺ مكة دخل دار أم هانئ بنت أبي طالب، فاغتسل وصلى ثماني ركعات في بيتها، وكان الوقت آنذاك وقت الضحى فظنها الناس صلاة الضحى، وإنما هذه-كما ورد في الرحيق المختوم-صلاة الفتح.

 فكيف احتفلنا بالفوز نحن؟ لقد أقيمت الحفلات الصاخبة التي لا تراعى فيها حدود الله تعالى !! وبدلا من أن نسبح ربنا ونشكره بهيئة تليق بجلاله عربدنا وعصيناه !!

3. تقوى الله سر النجاة والفلاح:

يقول الله عز وجل: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ (الطلاق: 2) إن تقوى الله عز وجل-ينبغي أن تكون ديدن المؤمن في كل أقواله وأفعاله، التي بها يسعى إلى السعادة والفوز برضوان الله تعالى، فتنطق تصرفاته بهذه التقوى، كما يقول الشاعر:

وبحثت عن سر السعادة جاهدًا *** فوجدت هذا السر في تقواك

فليرض عني الناس أو فليسخطوا *** أنا لم أعد أسعى لغير رضاك

4- شتان بين الاحتفالين:

كاتب هذا المقال عاصر حرب أكتوبر، وكان عمره آنذاك ستة عشر عاما، إنه يوم النصر الذي لن ينسى، لأنه يذكرني بذكرى عظيمة ويؤكد أن الله تعالى يدافع عن المؤمنين إذا أطاعوه وأنابوا إليه، كما أكد هذا النصر كفاءة المقاتل المصري حيث خاضت القوات المسلحة المصرية تلك الملحمة بأداء يأخذ بالألباب، وببسالة مدهشة، وشجاعة عجيبة.

 كلا الفوزين أدخل على قلوبنا الفرحة ولكن شتان بين النصرين نصر يأتي بعد إعداد وقتال ضد عدو متجبر اغتصب الأرض وبغى وبين مباراة كرة قدم إن لم نفز فيها اليوم فربما نفوز غدًا.

إن حرب أكتوبر لم تحرر الأرض فحسب بل كانت شهادة عملية أقنعت العالم بتاريخ هذا البلد العظيم وزلزلت العدو، وأوجدت فيه حالة من التوتر والقلق، حتى قال رئيس أركان الجيش لديهم: «لابد أن يبذل الجيش كل ما بوسعه لتجنب ما حدث في عام ١٩٧٣م».

 بيد أنني كمعاصر الحرب أكتوبر ۱۹۷۳م لا أذكر أنني شاهدت احتفالات بنصر أكتوبر كتلك التي شاهدتها في الفوز بكأس أفريقيا.

فرحنا لمصر، وفرح لها العرب والمسلمون بعد أن حصلت على كأس أفريقيا سبع مرات وكان الفوز هذا العام هو السابع والثالث على التوالي. فمتى نفرح بمصر واستعادتها لمكانتها ؟ متى نفرح بمصر المتقدمة صناعيا واقتصاديًا وصحيا واجتماعيا وفي شتى المجالات، لقد سجدنا لاعبين ففزنا، فمتى سنسجد جادين لنتقدم ونرتقي وننتصر؟!!

 ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا ﴾ (الاسراء: 52) .

الرابط المختصر :