; سجدة... على أرض الفسطاط | مجلة المجتمع

العنوان سجدة... على أرض الفسطاط

الكاتب أحمد محمد عبد الله

تاريخ النشر الثلاثاء 13-نوفمبر-1973

مشاهدات 0

نشر في العدد 175

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 13-نوفمبر-1973

الأدب

يقدمه: أحمد محمد عبد الله

سجدة... على أرض الفسطاط

أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه يتنسم أخبار الجيوش الفاتحة عند مشارف المدينة كل يوم ويبعث الوفد والرسل والإمدادات إلى المجاهدين في أطراف الدولة المترامية حيث بلغت أقدام الخيل من أرض الله تفتحها باسم الله...

وعمرو بن العاص القائد المسلم يترك الشام بعد فتحها... أرض مصر ليفتح المسلمين مصرًا جديدًا... ولينقل النور المنبثق في أرض الجزيرة إلى أرض جديدة تتشوق نفوس الناس فيها إلى مسحة جديدة تزيل غشاوة سنوات الضيم والعذاب والهلكة...

ورسول أمير المؤمنين ينملق بكتاب إلى القائد المسلم عمرو بن العاص ينظر حاله إن كان قد دخل أرض مصر فليواصل وإلا فالتوقف والعودة وعمر يستحق الركب المسير والجند... جند الله... كلهم عزم وتصميم... وما زال القصد في سبيل الله فلن يوقف الركب عائق... لكنه كتاب مسئول الأمة!

ويصل الكتاب وعمرو قد دخل في أول قدم إلى مصر فتعلوه ابتسامة منتصرة... إن الحق لا بد له من الانطلاق والإعلان وإخبات صوت الباطل... وإنارة الظلام المخيم!

والقصة يرويها التاريخ بتفصيلات... فيها ما واجهه بادئ الأمر ثم يسير سرد التاريخ للقصة حتى نعرف مصر الإسلامية وفيها راية التوحيد خفاقة ويتقدم عمرو بن العاص بخطواته الثابتة ليضرب فسطاطه على أرض مصر على مقربة من النيل إذ أن المسافة ليست ببعيدة عنه... ويطال ما يريد من ماء يستعين به... وترف الراية مستعلية تعلن انتصار الإيمان... وتعرف الأرض وتشهد السجدات الخاشعة على الأرض الطيبة...

ويقيم عمرو مسجدًا.

مسجد هو أول ما أقيم في أرض مصر بعد فتح الإسلام لها ورددت جنباته التكبيرات المدوية... وجمع بين جدرانه تلك التسبيحات الصاعدة إلى السماء واتصلت الأرض بالسماء وتقبل الملائكة الدعاء يرفع إلى الملأ الأعلى آناء الليل وأطراف النهار وسجد عمرو على أرض مصر طويلًا... فلكم تمنى عمرو أن يسجد على أرض مصر... بل لكم تمنى أن تغبر قدمه وقدم فرسه من ترابها... وأن يرى للإسلام في أرض مصر تمكنًا. وتوالت الأيام ومرت سنوات من العمر طويلة وسجل التاريخ أحداثًا عظامًا... وبقي مسجد عمرو معلمًا راسخًا يشهد إسلامية الأرض... وإسلامية الأجيال وحبها المكين لدينها وإيثارها لعقيدة التوحيد ورفض الطغيان والطغاة على مدى الأزمان منذ أن علمها هذا الدين أنها به ذات شخصية متفردة ... منه تستمد مواقفها وبه تنسج حريتها وفي ظلاله تحيا وتحت بوارق النصر والعز والمجد تستشهد... لا تحني الرأس ولا تهادن... وإن خبت العزائم يومًا لتسلط فإنها ما أن تستنهض حتى تهب مدوية مزمجرة تكتسح كل أسس للظلم والضيم والطغيان... تحمل راية عمرو بن العاص من جديد... ليتضاءل أمامها كل شيء ويبدو قزمًا تافهًا وتنتصر... بالراية العالية ... «الله أكبر».

وجاشت بنفسي مشاعر مضطربة لم أستطع أن أتداركها فمنذ أن دخلت جامع عمرو في الفسطاط حتى هاجت بنفسي عواصف الأيام وتمددت أفكاري بعيدًا. بعيدًا... فالمسجد قد أغلق منذ زمن لقدمه لكنه فتح من جديد لإصلاح ما قد يؤدي إلى ضرر... أغلق لعدم وجود من يؤدي فيه الصلاة فهو إذن شبه مغلق في حالته هذه... بل هو مغلق ما دام ليس عامرًا بالركع السجود... لكنه فتح وخطت اليمنى لتدخل وتتابعت الخطوات المتيامنة الكثيرة واصطف الناس من جديد... يعيدون سيرة الجيل الأول الذي جاء يحمل نور الإسلام لأجل هذا المصر...

وعدت للصلاة فيه بعد سنين ثلاث فإذا به شيء آخر... صلاة الجمعة وقبل الوقت بزمن والباحث عن مكان لا يجد... لكثرة ما به من الناس على الرغم من المساحة المشغولة للصلاة وفسحتها... وجلجل صوت الخطيب يعلن الكلمة الحقة ويدعو الناس إلى الله من على منبر أول مسجد أقيم في مصر... ويطلب إليهم مواقف مشرفة من إسلامهم كما ينضم كل عدو إلى فرقة حاقدة للنيل من هذا الدين وتحس أن المسجد يميد... وفي ركن كبير من المسجد توجد المرأة المسلمة المعتصمة بدينها المتقية ربها الملتزمة شرع الله في أدب ووقار...

وينصرف الناس إلى الخطيب بآذان واعية وقلوب متبتلة... وتقام الصلاة ويسجد الإمام سجدة أحس أن يدي قد تشبثت بالأرض ووجهي قد تعفر بالتراب لكن أحس بنشوة غريبة وبحركة بجسمي غير ما تعودت من نهزات البرد وآثار الحر ... فهو تدفق دم جديد في عروقي... وأحس أن العين لا يمكن أن تطبق على الدمع فتدر العين دمعًا يسح على تراب الفسطاط... وتهمى مني العينان حتى إذا ما قضيت الصلاة تحسست جسمي فإذا به قد هدأ هدأة استشعرها براحة وطمأنينة... يا ويحها تلك الأرض... أهذا زرع الإسلام من قرون يهيج بالنفس والجسم هذا الاختلاج والتحرك؟ وتنتظم الناس للخروج ويشقون الدروب سعيًا إلى الأبواب والعمران الجديد يعترض الخارجين المنفلتين من صلاتهم... وحفر هنا تقوم في وسطها أعمدة وأعمال زخرفة وزينة في ناحية أخرى وتفلت مني الالتفاتة رغمًا إلى الحفر من جديد... متفحصة في التراب المهال هنا وهناك... وتتسارع علامات الاستفهام مستفسرة:

أهذه هي الأرض التي شهدت سجود هؤلاء الأجلاء من صحابة المصطفى وامتزجت بدموعهم وعبراتهم المسكوبة من خشية الله؟!

أهذه هي الأرض التي تشرفت بفوارس الإسلام وهي تطأطئ رؤوسها تواضعًا لله... وتعاهده على الحق ونصرته في كل ميدان؟!

وغادرت المكان وفي نفسي دنيا كبيرة... متفتحة ودعاء طويل عريض... لهذه الجموع الغفيرة والتي يضيع الإنسان في لججها... وما يخلص إلا بعد حين... دعاء لها بأن يكون الإسلام همها ونصرته ديدنها... وأن تخلص للولي وتكون له ولية لا تتولى غيره...

وسؤال إلى الله ودعاء وتضرع... أن تكون لنا سجدات أخرى على أرض الفسطاط... بعودة هيمنة هذا الدين الذي مهد للسجدة الأولى على أرض مصر... أرض الإسلام الصلبة إن شاء الله.

 

الرابط المختصر :