العنوان المجتمع التربوي (العدد 1620)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الجمعة 01-أكتوبر-2004
مشاهدات 63
نشر في العدد 1620
نشر في الصفحة 52
الجمعة 01-أكتوبر-2004
سبحات وتأملات في الكون.. وحول عقيدة التوحيد
الشيخ محمد عبد الرحمن الخطيب (*)
من علماء الأزهر الشريف
يقول الحق سبحانه: ﴿قُلِ انظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (يونس:١٠١) ويقول ﴿أَفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلَىٰ وَجْهِهِ أَهْدَىٰ أَمَّن يَمْشِي سَوِيًّا عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (الملك: ۲۲).
العقيدة هي التصديق الجازم بالشيء من غير شك أو ريبة، فهي اليقين عند المؤمنين بها، وهي التي جاء بها رسل الله عليهم أفضل الصلاة والتسليم، وهي فطرة، فطر الله الناس عليها، وهي تسمو بالمؤمنين من عالم الأرض إلى عوالم الكون، وتجعل حياتهم مركبة ذلولا توصلهم للسعادة والاستقرار في الحياة الدنيا وفي الآخرة.
من عقد على الإيمان قلبه، ووقف عليه عقله ولبه فسرت أنواره في أعماق سرائره، ونفذت آثاره إلى مطويات ضميره، وبات الإيمان أدخل في نفسه من نفسه، وألصق بمعناه من سائر همه، فالإيمان تصديق جازم مع الإذعان. وبالعقيدة الصحيحة: تصير كل أعمال المسلم الخالصة لله المستمدة من الشرع الحنيف منازل ودرجات يتفاضل بها أصحابها في الحياة الدنيا، وفي روضات الجنات، ثم لا تقف بهم عند هذا الحد، بل ترتفع بهم وترتقي حتى تجعلهم ضمن من قال الله فيهم ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (القيامة: ۲۲، ۲٣) وقال فيهم و ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ (عبس:٣٨ – ٣٩) وقال فيهم ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ﴾ (يونس: ٢٦) ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ (الحجرات: ۱٥).
والعقيدة الإسلامية ضرورية للإنسان ضرورة الماء والهواء، إذ هو بدونها ضائع تافه يفقد ذاته ووجوده، وهي سهلة يسيرة، يسكن لها القلب وترتاح إليها النفس، وتطمئن بها الروح، ويسعد بها الضمير. قال تعالى: ﴿أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا﴾ (الأنعام:۱۲۲).
والمؤمن يعرف خالقه سبحانه وتعالى بآياته المسطورة في الكتاب والثابتة في السنة النبوية الصحيحة والمنثورة في عجائب مخلوقاته وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿وَفِي الأرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ (الذريات: ۲٠-۲۱).
إن تنوع مشاهد هذه الأرض، وعجائب هذه المشاهد التي لا تنفد، من وهاد وبطاح وجبال ووديان، وجنات من أعتاب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان، وتنوع الخلائق التي تعمر هذه الأرض التي لا حصر لها، من نبات وحيوان وطير وزواحف وإنسان.
هذه الخلائق لم يعرف عدد أنواعها وأجناسها، أليست هذه عجائب خلق الله ؟؟ قال تعالى: ﴿أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لَّا يَخْلُقُ ۗ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ (النحل: ۱٧)
وكلما ازداد الإنسان تأملًا في نفسه، التقى بأسرار تحير وتدهش عملية الهضم والامتصاص، عملية التنفس والاحتراق دورة الدم في القلب والعروق الجهاز العصبي وتركيبه، أسرار الروح وطاقاتها، أسرار هذا الجنس في توالده وتوارثه، وكيف أن خلية واحدة تحمل كل رصيد الجنس من خصائص، ولون وميول، وطول وقصر؟ لا يسع المسلم إلا أن يقول: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (آل عمران: ۱٩۱).
لا عجب أبدًا
لذلك لا عجب إذا اهتدى علماء عقلاء من غير المسلمين إلى إثبات هذه الحقيقة وإعلانها على الناس جميعًا.
۱- العالم الذي اكتشف قانون الجاذبية إسحاق نيوتن، يقول: «لا تشكوا في وجود الله، فإنه مما لا يعقل أن المصادفات وحدها هيقائدة هذا الوجود».
۲- العالم الفرنسي، ديكارت، يقول: «إني مع شعوري بنقص ذاتي، أحس في الوقت نفسه بوجود ذات كاملة، وأراني مضطرًا للاعتقاد بأن هذا الشعور، قد غرسته في ذاتي تلك الذات المتحلية بجميع صفات الكمال وهي ذات الله».
٣-ويقول: «لينيه» في كتابه المسمى «الله في الطبيعة»: «إن الله الأزلي الأبدي، العالم بكل شيء، والمقتدر على كل شيء قد تجلى لي في بدائع صنعه، حتى صرت مندهشًا، فأي قدرة وأي حكمة وأي إبداع؟ ذلك الذي أبدعه في مخلوقاته»..
٤- ويقول الفلكي الإنجليزي «هرشل»:
«كلما اتسع نطاق العلم ازدادت البراهين الدافعة القوية على وجود خالق أزلي، لا حد لقدرته، ولا نهاية لها»..
فعلماء الرياضيات والفلكيون والطبيعيون والجيولوجيون تعاونوا على تشييد صرح العلم. وكلهم يعترف ويقر بعظمة الله ووجوده والمسلم ليس بحاجة إلى مثل هذه الأقوال، لكنها الحجة الدامغة على الملحدين والمكابرين والمفتونين من العلمانيين والشاكين.
إن المسلم أمامه القرآن العظيم الذي تكفل الله بحفظه، وقد مضى عليه أربعة عشر قرنًا بُذلت فيها كل المحاولات للخلاص من القرآن نهائيًا، ولا أقول تغييره أو تبديله، ثم بعد ذلك هو هو، لم يغيروا أو يبدلوا حرفًا من حروفه، لأن الحق يقول: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر: ٩) وها هو ذا دين الإسلام تحاك ضده المؤامرات، وتنفق الملايين لصد الناس عنه، ومحاولات التبشير والتنصير والتهويد لا تهدأ ليل نهار، يتحدى الجميع قول الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ ۗ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ (الأنفال: ٣٦) ﴿يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾( التوبة: ٣۲).
ونقول للناس في القرن العشرين: إذا كنتم تعجبون بما وصل إليه العقل البشري من اختراع واكتشاف وانطلاق للقمر ومحاولة الصعود إلى المريخ، ألا تعجبون أكثر وتأخذكم الدهشة ممن صنع عقول هؤلاء الذين اكتشفوا واخترعوا ووصلوا إلى ما وصلوا إليه؟ إنه الله رب العالمين جل جلاله وتقدست أسماؤه.
عقيدة التوحيد لابد منها للإنسان؛ لأن الإيمان حاجة من حاجات النفس لابد من تلبيتها، وهو بعد ذلك قوة دافعة إلى الأمام بالإيمان الصادق، تبنى الحضارات وتقوم الأمم وتنهض النظم، ويرتفع البناء، لا يقف أمام الإيمان أي معوق مهما كان، إن ما عرفناه في التاريخ من حوادث التضحية ومواقف البطولة والفداء في سبيل الله كان أساسه الإيمان، وبه تصير التضحية أمرًا عذبًا تقبل عليها النفس في فرح واستبشار، وتاريخ الدعاة شاهد على ذلك. يقول أحدهم: ماذا يفعل الأعداء بي؟ إن قتلي شهادة، وإن سجني خلوة، وإن نفيي سياحة.
مقتضى العقيدة.. الوحدة وجمع الشتات
إن وحدة المسلمين وجمع شتاتهم تحت راية الإسلام أمر يفرضه الإسلام وتقتضيه عقيدة التوحيد، ولذلك فنحن لا نعجب من كل الخصومات التي يوجهها المهزومون إلى الإسلام ونظامه؛ لأن عقيدة الإسلام عقيدة إيجابية ذات فاعلية، عقيدة لا تعرف السلبية وترفض الاستسلام ليس مقرها في الضمائر والمساجد فحسب، وإنما مستودعها القلوب ومستقرها الحياة وجميع أرجاء الأرض، وأعداء الإسلام يعرفون ذلك عن يقين، لذلك يعملون دائمًا على صرف أهله عنه، لكن محاولاتهم باءت وتبوء دائمًا وأبدأ بالفشل والضياع.
إن عقيدة الإسلام تحرر العقول من الأوهام، والقلوب من الخرافات، وهي حرب على كل أشكال الاستعمار والتبعية ومن أشدها الاستعمار الفكري.
وهي رباط موثق بين العبد وربه، رباطه قوي متين، لا تنال منه شدة، ولا تهزمه أزمة، ولا يوهنه اضطهاد؛ لأنها - العقيدة - تعيش في القلب ولا سلطان لأحد على القلب إلا الله وحده، والقلوب بيد الله يصرفها كيف شاء. وصاحب العقيدة أكبر من الدنيا لذلك لا يعيش لها، ولا يدور حول نفسه واهتماماته بل للحق يعيش، ومن أجله يضحي وفي سبيل الله وحده يجاهد.
العقيدة عهد
يقول ابن عيينة رضي الله عنه: «ما أنعم الله على عباده نعمة أعظم، من أن عرفهم لا إله إلا الله»، وسمع النبي ﷺ مؤذنًا يقول: «أشهد أن لا إله إلا الله، فقال: خرج من النار».
وعن شداد بن أوس، وعيادة بن الصامت رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال لأصحابه يومًا: «ارفعوا أيديكم وقولوا لا إله إلا الله فرفعنا أيدينا ساعة، ثم رفع ﷺ يده ثم قال: الحمد لله، اللهم إنك أمرتني بهذه الكلمة وبعثتني بها ووعدتني عليها الجنة، وإنك لا تخلف الميعاد، ثم قال: أبشروا فإن الله قد غفر لكم». رواه أحمد في مسنده.
والحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.
من سير الأعلام
الإمام الغزالي
هو الإمام حجة الإسلام محمد بن محمد بن أحمد أبو حامد الطوسي الغزالي ... وقد درج كثير من الناس على تعريفه بالإمام الغزالي دون تشديد حرف الزاي ولكن الصحيح - كما يقول الكثير من المترجمين لسيرته - أنه الإمام الغزالي، حيث كان والده يغزل الصوف ويبيعه في دكان له بطوس، حيث ولد وتربى الإمام الغزالي.
وكان مولد الإمام الغزالي سنة ٤٥٠ هـ، وكان والده رجلًا صالحًا لا يأكل إلا من كسب يده في غزل الصوف، كما كان محبًا لمجالس الوعظ والفقه ولطالما سأل الله تعالى أن يرزقه ابنًا فقيهًا، فتحقق له المراد في الإمام الغزالي. ومنذ حداثة سنه اتجه الغزالي للعلم رغم حالة الفقر التي كانت تحيط به بعد موت أبيه ...
اجتهد في تحصيل العلوم وبرع في معرفة المذاهب والخلاف والجدل والمنطق وقرأ الحكمة والفلسفة وأحكم فهم كلام أرباب هذه العلوم، وكان الغزالي - رحمه الله - شديد الذكاء عجيب الفطنة، مفرط الإدراك، بعيد الغور، غواصًا على المعاني الدقيقة، مناظرًا محجاجًا، حتى إن أحد شيوخه وصفه بأنه «بحر مغرق.. وما لبث أن قدم أبو حامد الغزالي بغداد سنة أربع وثمانين وأربعمائة للهجرة، وذلك بعد أن ذاع صيته، فدرس بالنظامية، وأعجب الخلق حسن كلامه، وكمال فضله، وفصاحة لسانه، وحسن منطقه، وبعد سفرة لم تطل إلى بيت المقدس، عاد أبو حامد الغزالي إلى دمشق واعتكف في زاوية حملت اسمه بالجامع الأموي، وأخذ في التصنيف في كتابه الشهير «إحياء علوم الدين» الذي سرعان ما حدث به عندما عاد إلى بغداد مرة أخرى وعقد بها مجلس الوعظ، وإلى جانب كتاب الإحياء صنف الإمام أبو حامد الغزالي العديد من المصنفات والمؤلفات، مثل «البسيط والوسيط والخلاصة والمستصفى والمنخول وتحصين الأدلة وشفاء العليل، والرد على الباطنية ومنهاج العابدين والأسماء الحسنى... إلخ».
وقد توفي فقيهنا في مسقط رأسه طوس في ٤ من جمادى الآخرة سنة ٥٠٥هـ.
أنور عبد الفتاح