العنوان سبتة ومليلية .. والصليبية الجديدة- جسر الحرب المفتوح بين جنوب المتوسط المسلم والغرب
الكاتب إدريس الكنبوري
تاريخ النشر الثلاثاء 26-ديسمبر-2000
مشاهدات 62
نشر في العدد 1432
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 26-ديسمبر-2000
دفعتا ثمن موقعهما الإستراتيجي خلال المواجهة بين الغرب والعالم الإسلامي.. وأوروبا تعتبرهما بوابة الخطر الإسلامي القادم من الجنوب
اتفاقية مدريد السرية منعت المغرب من طرح القضية لمدة عشر سنوات وأطلقت يد إسبانيا لطمس المعالم الإسلامية والتسريع «بأسبنة المدينتين»
خافيير سولانا السيادة الإسبانية على المدينتين غير قابلة للنقاش
رغم فترة الاحتلال الطويلة.. ما زال الإسبان ينظرون بريبة للمدينتين باعتبارهما خطرًا إسلاميًّا محتملاً.. هناك مخطط إستراتيجي في حال المواجهة يستعين بحلف الأطلسي
أطلق بابا الفاتيكان يد إسبانيا في الساحل المتوسطي للمغرب.. ويد البرتغال في الساحل الأطلسي.. وفي حين سقطت سبتة في يد البرتغال ظلت مليلية تقاوم الإسبان حتى دخلتا قسرًا تحت التاج الإسباني عام ١٧٣٥م
كاتب إسباني: لقد وضعت إسبانيا مغاربة المدينتين في موقف حرج للغاية.. إما القبول بأن يكونوا أجانب على أرضهم المغتصبة أو يرحلوا عنها
على الرغم من تطور العلاقات الدبلوماسية بين إسبانيا والمغرب، وتطور التعاون الاقتصادي بين البلدين بعد توقيع اتفاقية الحوار والتعاون والصداقة بين البلدين في أكتوبر عام ١٩٩٢م، فإن ذلك لا يعكس الحقيقة في العلاقة التي تظل باستمرار تتحرك فوق صفيح ساخن، وذلك على خلفية ملف مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين من طرف إسبانيا، إضافة إلى الجزر المجاورة لهما، بحيث يبقى هذا الملف هو الحاجز المنيع الذي يعوق أي حوار بين البلدين، وأي رغبة مهما كانت مشتركة في التعاون.
فإسبانيا من جانبها تصر على اعتبار هذا الملف غير ذي موضوع في العلاقات الثنائية على الأقل رسميًّا، بينما ينهج المغرب سياسة حذرة تتوخى عدم إقلاق جارته الشمالية، وبالتالي دول الاتحاد الأوروبي والذي يمثل أحد الخيارات الإستراتيجية له أو الزبون الرئيس في مبادلاته التجارية، مما جعله يتجنب باستمرار إحراج سلطات مدريد وتصعيد الموقف في مطالبه المشروعة بالمدينتين المحتلتين، وهذا هو السبب في كون موضوع المدينتين بقي على هامش المباحثات بين مسؤولي البلدين أثناء الزيارة الأخيرة لملك المغرب إلى إسبانيا، فيما برزت القضايا الأخرى كالتعاون الاقتصادي والجالية المغربية فوق الأراضي الإسبانية على رأس جدول المباحثات.
جذور صليبية للاحتلال
تعتبر مدينتا سبتة ومليلية إحدى مخلفات المجابهة بين العالم الإسلامي وأوروبا الكاثوليكية في فترة الحروب الصليبية في القرن الخامس عشر الميلادي، والتي كان البحر المتوسط مسرحًا لها، فمنذ وقت طويل ارتبط مصير المدينتين بالمضيق البحري العام الذي يربط المتوسط بالمحيط الأطلسي وقد دفعت مدينة سبتة طوال مرحلة المواجهة بين أوروبا والعالم الإسلامي من خلال الحملات الصليبية ثمن موقعها الجغرافي الإستراتيجي الذي جعلها بوابة العالم الإسلامي للزحف على أوروبا، ومنفذ الصليبيين لإحكام السيطرة على أراضي الإسلام، ولعل أوروبا النصرانية كانت تتطلع إلى احتلال هذا الثغر الإسلامي وتحويله إلى قلعة ضد تمدد أطراف العالم الإسلامي نحو القارة العجوز، وهي تستعيد ذكرى عبور الفاتح طارق بن زياد منه نحو الأندلس في عام 711م.
وتعود بداية سقوط المدينتين تحت الاحتلال الأوروبي النصراني إلى تضعضع إمارة بني الأحمر في غرناطة في القرن الخامس عشر الميلادي حين بدأ الخلاف يدب بين أمراء المسلمين في الأندلس، وصاح فوق كل غصن ديك، بتعبير لسان الدين بن الخطيب في وصف حالة هذا التهارج والقتال بين الأمراء، فانتهز زعماء قشتالة -إسبانيا حاليا- والبرتغال الفرصة للقضاء على الوجود الإسلامي في هذه البقاع الإسلامية، فيما سمي بحروب الاسترداد وكانت غرناطة آخر هذه القلاع التي سقطت عام ١٤٩٢م، والمعروف تاريخيًّا أنه بعد سقوط الأندلس، أطلق بابا الفاتيكان يد إسبانيا في الساحل المتوسطي للمغرب والبرتغال في الساحل الأطلسي وعلى حين سقطت سبتة في يد البرتغاليين عام ١٤١٥م بقيت مليلية تقاوم جيوش الإسبان حتى سقطت عام ١٤٩٧م في إطار خطة عامة للإسبان والبرتغاليين لمحاصرة أقاليم المغرب الإسلامي واحتلال أراضيه، ومن ثم تحويلها إلى النصرانية عملاً بوصية الملكة إيزابيلا الكاثوليكية المذهب، والتي نصت على ضرورة قيام الكاثوليك بغزو بلاد المغرب وتحويل المسلمين المغاربة إلى الدين النصراني، ورفع علم الصليب الإسباني عليه بدلاً من أعلام الهلال الإسلامي، وظلت سبتة تحت الاحتلال البرتغالي حتى سقطت البرتغال في يد الإسبان عام ١٧٣٥م، فدخلت تحت التاج الإسباني ولم تخرج إلى اليوم.
وقد حاول المغاربة في القرون التالية لاحتلال المدينتين استعادتهما من قبضة الغزو الصليبي النصراني، وكان أبرز هذه المحاولات محاولة المولى إسماعيل في القرن السادس عشر الميلادي، حيث حاصر المسلمون في هذه الفترة مدينة سبتة ولم يقدر لهم أن يفتحوها، وكذلك محاولة المولى محمد بن عبد الله عام ١٧٧٤م لمحاصرة مدينة مليلية، ولم يفلح المسلمون في تخليصها من يد إسبانيا.
وقد بذل سكان المدينتين من المسلمين جهودًا كبيرة للتمرد على واقع الاحتلال في نهايات القرن الثامن عشر وبداية القرن العشرين، وبين عامي ١٩٢١ و١٩٢٦م قاد البطل المغربي محمد بن عبد الكريم الخطابي ثورة ضد الإسبان في الشمال المغربي، لكن إسبانيا تصدت لها بالتحالف مع دول أوروبية أخرى بعد أن أشعلت ثورته شرارة الجهاد في المدينتين، وحاول الجنرال فرانكو دغدغة المشاعر القومية لسكان سبتة ومليلية لدعمه في حربه ضد حكومة الجبهة الشعبية؛ إذ وعدهم بمنحهم الاستقلال إذا ما تولى السلطة في إسبانيا، واستطاع بذلك تجنيد الآلاف منهم في الحرب الأهلية الإسبانية عام ١٩٣٦م دون أن يفي بوعده لهم. وهكذا ظل هذان الثغران المسلمان يدفعان الثمن باستمرار في كل مرة، مرة لموقعهما الجغرافي على الواجهة بين أوروبا وإفريقيا، ومرة لوقوفهما مع الجنرال فرانكو، وثالثة بسبب زحف المسلمين من سبتة نحو شبه الجزيرة الإيبيرية.
خطة أسبنة المدينتين
منذ احتلال المدينتين بذلت جهود متصلة لطمس المعالم الإسلامية فيهما، جهود لا تتميز في شيء عن تلك التي بذلها الصليبيون والتتر والمغول في كل بقعة إسلامية وضعوا أيديهم عليها، فدكت الصوامع وهدمت المساجد. ويذكر المؤرخون أنه عندما سقطت مدينة سبتة كانت المدينة مآثرها تفوق مآثر القيروان، إذ كان بها ألف مسجد ونحو مائتين وخمسين مكتبة ولم يبق من هذه المعالم الحضارية الإسلامية سوى مساجد قليلة لا تزيد على أصابع اليد الواحدة، بينما حرف الإسبان اسمها إلى سيوتا...
وقد وضعت إسبانيا إجراءات قانونية عدة للحد من هجرة المسلمين نحو المدينتين، بهدف محو الوجود الإسلامي فيهما بالتدريج وشجعت بالمقابل الهجرة الإسبانية وهجرة اليهود الذين تزايد عددهم في الستينيات والسبعينيات خصوصًا في مدينة سبتة، كما ضيقت على السكان المسلمين هناك ومنعتهم من تراخيص البناء وحاصرت نشاطاتهم الدينية والثقافية.
وللحد من أعداد المسلمين في مدينة سبتة أصدرت سلطات مدريد قانونًا يعتبر بموجبه كل من يولد في مدينة سبتة إسباني الهوية.
وخلال سنوات الاحتلال لم تكف إسبانيا عن سياسة أسبنة المدينتين نهائيًّا لابتلاعهما وتغيير هويتهما العمرانية والسكانية، عازمة على تأبيد الاحتلال ووضع غطاء الشرعية عليه، مستبقة أي مطالب مغربية باستعادة المدينتين، وفارضة أمرًا واقعًا سيكون إلى جانبها في أي مفاوضات مع المغرب بهذا الشأن، وكان الجنرالات الإسبان يعلنون دائمًا أن حكومتهم لن تعيد المدينتين بالسهولة نفسها التي تخلت بها فرنسا عن الجزائر الفرنسية.
اتفاق مدريد السري: في شهر نوفمبر عام ١٩٧٥م طالب خوان كارلوس لدى تتويجه ملكًا على عرش إسبانيا بعد القضاء على نظام فرانكو بضرورة استعادة السيادة الإسبانية على جبل طارق الذي تحتله بريطانيا منذ سنة ١٧١٣م، وقد دفع هذا الموقف السلطات المغربية إلى التفكير جديًّا في مصير المدينتين السليبتين، ومنذ ذلك الوقت بدأ الملك الحسن الثاني يعلن باستمرار أن حل قضية جبل طارق بين إسبانيا وبريطانيا سيكون بداية الحل لقضية سبتة ومليلية بشكل أوتوماتيكي، على اعتبار أن ما تطالب به إسبانيا تجاه بريطانيا يدفعها إلى تفهم الموقف المغربي تجاهها.
لكن قضية الصحراء التي دخلها المغرب في تلك السنة حالت بينه وبين طرح مصير المدينتين حتى لا يضع كل البيض في سلة واحدة ويخسر الملفين معًا؛، لأن الصحراء كانت خاضعة لإسبانيا. وخلال المفاوضات التي كانت تجرى بين الرباط ومدريد سنة ١٩٧٥م بشأن الأقاليم الصحراوية اشترطت إسبانيا على النظام المغربي الالتزام بشرطين أساسيين: الأول أن يسمح المغرب لأسطول الصيد الإسباني بالصيد في المياه الصحراوية المغربية المقابلة لجزر الكناري، والثاني: أن يمتنع المغرب عن طرح ملف سبتة ومليلية قبل مرور عشر سنوات على اتفاقية مدريد التي وقعت عام ١٩٧٦م.
وقد ظلت هذه البنود السرية في الاتفاق تمنع المغرب من طرح موضوع حقوقه السيادية في المدينتين المحتلتين، لكنها في المقابل أطلقت إسبانيا لتسريع وتيرة الأسبنة في المدينتين خلال تلك العشرية المذكورة، ووصلت ذروتها عام ١٩٨٠م حين منحت إسبانيا المدينتين وضعية المدن المستقلة. وقد وضع الحزب الاشتراكي الإسباني الحاكم خلال فترة الثمانينيات في عهد فيليب جونثاليث مخططًا سريًّا لتغيير الأوضاع في المدينتين لصالح الحكومة الإسبانية استعدادًا لانتهاء مدة اتفاقية مدريد في عام ١٩٨٦م، وشمل هذا المخطط عرقلة امتلاك المغاربة للممتلكات العقارية في المدينتين، والطرد المنهج لهم وإبعادهم إلى المغرب، حيث أقدمت في عام ١٩٨٣م مثلاً على طرد 1500 مغربي، ومنع دخولهم من جديد. وفي أكتوبر ١٩٨٥م بدأت إسبانيا في تطبيق قانون الأجانب على المغاربة المقيمين بالمدينتين والذي يعتبر المغاربة هناك أجانب فوق الأرض الإسبانية، وعلق أحد الكتاب الإسباني على هذا القانون قائلاً ولقد وضعت إسبانيا مغاربة المدينتين في موقف حرج للغاية، إما أن يقبلوا أن يصبحوا أجانب في أرضهم المغتصبة، أو أن يتم ترحيلهم وراء الحدود. وأدى ذلك إلى انتفاضات في صفوف المغاربة المسلمين خلفت سقوط شهداء في صفوفهم في يناير ۱۹۸۷م وهي السنة نفسها التي طرح فيها الحسن الثاني اقتراحًا بتكوين خلية مشتركة للحوار بين البلدين حول مستقبل المدينتين، لكن مدريد رفضت الاقتراح.
سيناريوهات المواجهة
الموقف الإسباني من المدينتين يبقى دائمًا ممزوجًا بالنظرة الغربية النصرانية للعالم الإسلامي، فرغم أمد الاحتلال الطويل، فإن الإسبان ينظرون إلى المدينتين نظرة الشك والارتياب باعتبارهما خطرًا إسلاميًّا محتملاً سواء جاء هذا الخطر من الداخل من السكان المسلمين الذين يعبرون بين الحين والآخر عن رفضهم لواقع الاحتلال أو جاء من المغرب. وفي جميع الأحوال فإن الخطر يتمثل لدى الإسبان في إمكان ربط مطلب استعادة أو تحرير المدينتين بالخلفيات الصليبية، وإعطائه أبعادًا دينية.
ويطلق الإسبان على المغاربة المقيمين في المدينتين تسمية الموروث، وهي تسمية مأخوذة من كلمة موريس التي تعني في القاموس الإسباني بقايا المسلمين من عهد سقوط الأندلس، بل إن قديس إسبانيا هو سانتو يجو مانا موروس أي القديس ياجو، قاتل الموروث جمع مورو.
هذه الخلفية الدينية هي الثابتة في النظرة الإسبانية إلى المغرب والسكان المسلمين في المدينتين وتبقى مشحونة بكل نزعات الكراهية نحو الإسلام والمسلمين وتحكم الإستراتيجية الإسبانية حيال مصير ومستقبل المدينتين. ويرى الإسبان أن المغرب يمثل الامتداد الطبيعي للاستعمار الإسباني بعد أن ضيعت إسبانيا إمبراطوريتها في أمريكا، وقد أظهر استطلاع للرأي أنجز في إسبانيا عام ١٩٩٦، أن ٦٢% من الإسبان يعتقدون أن البلد الذي يشكل خطرًا عليهم هو المغرب وقال ۷۱% من المستجوبين إن الخطر الرئيس ينبعث من المغرب العربي.
ويعتقد الخبراء العسكريون والسياسيون الإسبان أن الحرب مع المغرب بسبب المدينتين قد تهدد الأمن في منطقة البحر الأبيض المتوسط نظرًا للأبعاد الدينية والحضارية التي يمكن أن تنشأ عن هذا النزاع؛ ففي أوائل الثمانينيات أصدر صحافي إسباني يدعى داو منغودي لبينو كتابًا عنوانه المغرب وإسبانيا أو الحرب العالمية الثالثة، أكد فيه أنه بالرغم من المظاهر الإيجابية للعلاقات بين مدريد والرباط، فإن شبح الحرب بسبب النزاع حول مدينتي سبتة ومليلية أمر لا يمكن تجاوزه لا سيما أن هذه الحرب قد تورط أطرافًا ثالثة بحكم انتماء المغرب إلى العالم العربي الإسلامي والإفريقي مما قد يوفر له الدعم الكافي، في حين أن إسبانيا تنتمي إلى الدول المسيحية الغربية من هنا تكون هذه الحرب مرشحة للتدويل على نطاق واسع.
وقد أعدت المؤسسة العسكرية الإسبانية عام 1991م في أثناء حرب الخليج الثانية مخططًا هجوميًّا حمل اسم المخطط الإستراتيجي المشترك ضد المغرب في حالة المواجهة، يبين كيفية ضرب الأهداف الحيوية المغربية أثناء أي مواجهة محتملة، ويشرح الجنرال دومنيك ريوطورد هذا المخطط قائلاً في حالة تعقد الأمور سيكون الواجب الاعتماد على أطراف أخرى، في إشارة إلى دول حلف شمال الأطلسي.
سبتة ومليلية في الإستراتيجية الأطلسية
منذ دخول إسبانيا حظيرة الاتحاد الأوروبي في النصف الثاني من الثمانينيات تغير الدور الذي تحتله المدينتان في الفكر الإستراتيجي العسكري الإسباني، حيث أصبحتا تمثلان لها تهديدًا محتملاً وبرميل بارود على جبهتها الجنوبية وقوى اندماج إسبانيا في الاتحاد الأوروبي من نزعة، المورو فوبيا، أي التخوف من مسلمي المدينتين، والمغرب بشكل خاص ومع الترتيبات الجديدة التي دخلها البيت الأوروبي في مطلع التسعينيات وتوقيع اتفاقية شينجن المتعلقة بالحدود بين الدول الأوروبية تحولت المدينتان إلى عنصر في العقيدة الأمنية الأوروبية تجاه منطقة الجنوب؛ إذ نصت معاهدة شينجن صراحة على أن المدينتين هما الحدود الجنوبية لأوروبا.
وقد خولت هذه الترتيبات الجديدة في الاتحاد الأوروبي والبحث الحثيث عن عقيدة عسكرية جديدة مشتركة لحلف شمال الأطلسي.. خولت إسبانيا المزيد من الذرائع لتقوية احتلالها للمدينتين وإعطائه الشرعية الأوروبية، إذ أخذت تلوح بالتهديد الإسلامي القادم من الجنوب وبمركزها الجغرافي الإستراتيجي كمعبر مفتوح نحو الأراضي الأوروبية، وأخطار الهجرة القادمة من جنوب المتوسط وذلك لتحقيق هدفين الأول هو تلقي الدعم الأوروبي العسكري والمالي. والثاني فرض الأمر الواقع على سكان المدينتين وأخذ التأييد الأوروبي والأطلسي لاحتلالها لهما.
ووجدت إسبانيا بذلك المجال متاحًا أمامها لإضافة جدار مادي يفصل المدينتين عن الوطن الأصلي الشرعي لهما، أي المغرب، بعد الجدار النفسي والوجداني الذي أقامته طوال المراحل السابقة، وفي عام ۱۹۹۸م انطلقت أعمال تسييج المنطقة الفاصلة بين مليلية ومدينة الناضور المغربية في الشمال بشريط مزدوج من الأسلاك الشائكة يصل ارتفاعه إلى أربعة أمتار وطوله ستة كيلومترات مجهزة بأحدث وسائل المراقبة التكنولوجية تضم أربعة وسبعين كاميرا فيديو وآليات إلكترونية حساسة للمراقبة تستطيع ضبط أي جسم غريب لدى اقترابه من السياج الفولاذي، وكانت نسبة التمويل الأوروبي لهذه الأشغال تصل إلى ٧٥% مقابل ٢٥% نسبة التمويل الإسباني، وهو السياج الثاني بعد السياج المزدوج الذي أقيم على الحدود بين مدينة سبتة والمغرب. وعلق أحد مسؤولي حزب اليسار الموحد الإسباني في مدينة سبتة على عملية التسييج قائلاً إن مدريد وبروكسل (إشارة إلى الاتحاد الأوروبي) تفرضان علينا القيام بدور لا تبتغيه لأنفسنا، دور كلاب حراسة شينجن.
وفي قمة واشنطن لحلف شمال الأطلسي التي عقدت بمناسبة الذكرى الخمسين لإنشائه، والتي تم فيها تحديد المفهوم الجديد للأمن بالنسبة لدول الحلف في القرن الحادي والعشرين تضمنت المنظومة الجديدة للحلف مهمة الدفاع عن سبتة ومليلية في حال وقوع نزاع بين إسبانيا ودول المغرب العربي، وكتبت صحيفة «لاراثون» الإسبانية في شهر مايو ١٩٩٩م تقول إن أي هجوم على المدينتين سيجبر الجيش الإسباني على التدخل فورًا بأمر دستوري وستحظى حكومة مدريد ابتداء من الآن بالمساعدة المستعجلة من طرف قوات الحلفاء في الأطلسي ومنذ بداية التسعينيات أصبحت نقطة الحدود باب سبتة، بين سبتة والمغرب هي الحد الجغرافي للاتحاد الأوروبي، وعُلقت على مدخل المدينة لوحة معدنية كبيرة مكتوب عليها «أهلاً بكم في الاتحاد الأوروبي»، وكانت صحيفة «الموندو» الإسبانية قد نشرت مطلع ۱۹۹۸م مضمون وثيقة سرية لحلف الأطلسي تبرز تحويل مدينتي سبتة ومليلية إلى قاعدتين للتدخل في المغرب وشمال إفريقيا، وذلك في إطار المخطط الأمني الإستراتيجي الجديد للحلف المتعلق بحق التدخل في أي بقعة جغرافية في العالم تهدد مصالح دوله.
وفي الأشهر الأخيرة بدأت الشواطئ الإسبانية الجنوبية في المتوسط والأطلسي تشهد مناورات عسكرية مشتركة مع قوات عسكرية من دول أوروبية، وذلك على خلفية وقوع أزمات بين إسبانيا وجيرانها في الجنوب المتوسطي.
ففي شهر يونيو الماضي أجرت إسبانيا مناورات شاركت فيها الدول المكونة لقوة أوروفور (قوات التدخل السريع) وهي فرنسا وإيطاليا والبرتغال علاوة على إسبانيا، والمخطط العام للمناورات يقضي باحتمال اندلاع حرب في منطقة مفترضة تسمى بوروندون، بحسب المخطط المذكور حول قضية الحدود، تؤدي إلى تهديد أمن أوروبا وستطلب الأمم المتحدة من قوات الأوروفور حسب المخطط التدخل السريع في المنطقة.
وفي الأسبوع الأخير من شهر سبتمبر الماضي جرت مناورات أخرى تزامنت مع زيارة ملك المغرب إلى إسبانيا، وربما كنوع من التهديد المبطن أو التلويح بقدرة إسبانيا على الردع. وشاركت في هذه المناورات العسكرية البحرية فرق عسكرية من إسبانيا واليونان وفرنسا والبرتغال وبلجيكا وهولندا وتركيا وكندا وإيطاليا والولايات المتحدة وألمانيا وبريطانيا، وحملت اسم الصمام ۲۰۰۰م. وتعد هذه المناورات الأقوى نوعيًّا، وذات أهمية قصوى بالنسبة لإسبانيا ومخططات حلف الأطلسي تجاه شمال إفريقيا. وبحسب مخطط العمليات والموقع الجغرافي للدول كما ظهر في المخطط والمنطقة المتنازع عليها، فإن مركز النزاع المفترض يتعلق بالمغرب وإسبانيا ولأن سيناريو المخطط يشير إلى اندلاع نزاع بين دولتين رمز إليهما باسمي مالونسيا وبوینونسيا، تطلان على مضيق جبل طارق على منطقة تدعى «بابيا»، كإشارة رمزية إلى الثغور المغربية المحتلة من طرف إسبانيا وهي سبتة ومليلية والجزر الجعفرية.
إسبانيا ومعاكسة المغرب
ومن الواضح أن واقع الاحتلال الإسباني للمدينتين المغربيتين ليس إلا جزءًا من أطماع استعمارية واسعة تحكم سياسة مدريد تجاه المغرب جارتها الجنوبية، فمن المعروف أن الجنرال فرانكو قال خلال أيامه الأخيرة في ١٩٧٥م في أوج النزاع حول قضية الصحراء «لتضع إسبانيا جيرانها في اليد» فالنزعة الاستعمارية التسلطية نحو الجنوب لم تغادر أجندة أوروبا بعد، والتي ما زالت تحلم بجنوب راضخ وكسيح، وما قضية الصيد البحري واستغلال الثروة السمكية المغربية في حوض المتوسط إلا دليلاً واحدًا عليها، وقد قال أحد البرلمانيين الإسبان بشأن قضية الصيد إن المغرب اختار توقيف العمل مع إسبانيا باتفاقية الصيد البحري، ومعنى ذلك أنه اختار أن يعرض شعبها للجوع، إنها الحرب وعلينا أن نعمل مع المغرب بالمثل.
وقد مثلت قضية الصحراء التي أربكت السياسة الخارجية المغرب منذ منتصف السبعينيات ورقة الضغط الرئيسة في يد إسبانيا؛ إذ عملت هذه الأخيرة على دعم جبهة البوليساريو المطالبة بدولة مستقلة في الصحراء ويعود ذلك إلى رغبة مدريد في إشغال المغرب عن المطالبة بحقوقه الشرعية في سبتة ومليلية، اعتقادًا منها بأن حسم هذه القضية سيجعل المغرب يتفرغ لاستعادة ثغوره الشمالية المحتلة وتركيز جهوده عليها، وهو ما يعني أن إسبانيا تريد كسب المزيد من الوقت بجرجرة المغرب في موضوع الصحراء بما يمكنها من تحضير الشروط الكفيلة بحسم ملف المدينتين حسب رغبتها في حال ما إذا ما اضطرت لذلك يومًا ما.
وتدرك إسبانيا جيدًا أن الحقوق الثابتة المغرب في سبتة ومليلية لن تثنيه أبدا عن رفع مطالبه في المنتظم الدولي، وهذا ما يفسر ربما كون الدستور الإسباني لم يضع حدودًا للتراب الإسباني والمناطق المكونة للدولة، وترك الباب مفتوحًا أمام إمكان إعادة المدينتين إلى المغرب أو الاستقلال، غير أن إسبانيا تراهن على نجاح سياستها في أسبنة المدينتين سكانيًّا وعمرانيًّا واقتصاديًّا وثقافيًّا لخلق واقع مختلف يجعل سكان المدينتين يطالبون بالاستقلال الذاتي عن المغرب وإسبانيا معًا إذا اقتضى الأمر؛ فإسبانيا لا تريد إعادة المدينتين إلى المغرب بكل بساطة، ولكن تريد حلاً على غرار ما حدث في تيمور الشرقية أي باستفتاء ترعاه الأمم المتحدة، وحسب رؤيتها الحالية فإن النتيجة لن تكون لصالح المغرب بسبب التغيرات الكبيرة التي خضعت لها المدينتان ولتأكيد هذه الهوية الجديدة للمغربيين المسلمين نظمت إسبانيا عام ١٩٩٧ احتفالاً ضخمًا بمناسبة الذكرى الخمسمائة لاحتلال مدينة مليلية رافقه الكثير من الدوي الاعلامي في إسبانيا، والتذكير بخطر المسلمين في الجنوب.
والمفارقة الغريبة في هذه القضية أن إسبانيا ظلت باستمرار تطالب بحقوقها التاريخية في صخرة جبل طارق الخاضعة للاحتلال البريطاني منذ القرن الثامن عشر بالذرائع نفسها والحجج التي ترفضها للمغاربة، أي الامتداد التاريخي والتواصل الجغرافي والجذور الديموجرافية، بل إن صحيفة (أ ب س) الإسبانية كتبت في السنة الماضية «إن المغرب لا يملك أي حق له في سبتة ومليلية، وشرط الجغرافيا ليس مبررًا لكي يعلم أن إسبانيا ستتخلى له عن المدينتين في يوم من الأيام».
وسبق لخافيير سولانا الأمين العام السابق لحلف شمال الأطلسي الذي صاغ هذه السياسة الأمنية الجديدة للحلف أن أعلن حينما كان وزيرًا للخارجية الإسبانية أن السيادة الإسبانية على سبتة ومليلية غير قابلة للنقاش.
صليبية جديدة
إن الصليبية الجديدة في التغريب الثغرين المسلمين ماضية العزم على خلق بؤر جديدة للصراع تنضاف إلى البؤر الموجودة في جسم العالم الإسلامي، وواقع الاحتلال في سبتة ومليلية يشهد حقًّا على أن النزعة الصليبية للغرب ما زالت تترصد أبواب المتوسط، مرتدية لبوسًا جديدة عنوانها الأمن أو الهجرة أو تأمين الحدود أو غير ذلك، وهي باقية بالرغم من الشعارات الخادعة والمدسوسة حول التقارب المتوسطي والشراكة المتوسطية التي يراد منها ذر الرماد في العيون والتوهيم بأن أوروبا وضعت ذكرى الحروب الصليبية خلف ظهرها وفتحت صفحة جديدة مع دول جنوب المتوسط؛ لهذا فإن سبتة ومليلية تظلان باستمرار جسر الحرب المفتوح لا بين المغرب وإسبانيا، بل بين انتماءين حضاريين مختلفين؛ فصورة طارق بن زياد لا تزال حاضرة في الذاكرة الجماعية للإسبان، وماضي الأندلس لن يغادر أبدا الذاكرة التاريخية لإسبانيا.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل