العنوان سالم البهنساوي. الفارس الذي ترجل
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر السبت 11-مارس-2006
مشاهدات 66
نشر في العدد 1692
نشر في الصفحة 39
السبت 11-مارس-2006
بعد أن صلى فجر الجمعة، وفرغ من ختم الصلاة، ودعا الله بما شاء له أن يدعو أسلم الروح لباريها، فهدأت النفس الزكية، وصعدت الروح الطاهرة، وتوقف القلب الصافي الرحيم، وسكنت العروق النابضة بالحياة المضيئة، وانطفأ وهج العقل والفكر المنير وارتعش القلم المجاهد ثم همد هموده الأخير، وارتاحت الحروف على صدور السطور المشوقة إلى البيان الذي ولى والعلم الذي توقف، والنبع الذي غاض.
ما كان الأستاذ المستشار سالم البهنساوي رجلًا عاديًا، وإنما كان إنسانًا ذا طبع ملائكي النزعة، إذا خالطته، خالطت رجلًا صافيًا كماء المزن، رقيقًا كأوراق الزهر، تلمس فيه الحنان والرقة والحدب والحب، وتحس فيه الإخلاص والأبوة والود، وإذا ناقشته، وجدت علمًا غزيرًا، وأدبًا جمًا، وأفقًا واسعًا، ونظرًا ثاقبًا، ومعرفة غامرة، يحيط بزمانه، ويلم بواقعه، يملك زمام نفسه، ويدري وقع خطوه ويعرف كيف يسير وسط الأشواك في أيام نحسات، يتعدى المزالق ويختار الدروب ويوجه بدون إحراج، ويعلم بمنطق القدوة ويربي بأساليب الحب، ويدعو ببصيرة وحنكة، ويرود بصبر وأناة، وفقه وحكمة انضم إلى جماعة الإخوان المسلمين، مجاهدًا بقلمه وعلمه لإحياء رسالة الإسلام، التي أقصيت عن المجتمع، ونحيت عن الصدارة وعمى عليها شياطين الإنس والجن من غيرنا ومن بني جلدتنا، ولقد أرقه كثيرًا تخلف الأمة، وتبدد هويتها ، وحمود رجولتها، وترك رسالتها، واندثار ثقافتها، وضياع عزتها وموت رادتها، واستسلام ريادتها، وهاله بشدة ضلال مثقفيها، وحيرة موجهيها وشرود شبابها ومعلميها، وألمه وأقض مضجعه موجات الغزو الثقافي، وعواصف التقليد الأعمى واستبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير وتبني الإعلام التائه لدعوات التغريب والتسيب، وتقديمه سما زعافًا للعامة الغافلين، والسكارى من المتعلمين على أنه حضارة ومدنية، وتقدم وحرية، وألف في ذلك كتابه القيم تهافت العلمانية في الصحافة العربية، الذي فضح فيه التهافت العلماني الضال في صحافة الأمة، التي تعتبر أداة التوجيه الكبيرة في الشعب والتي يسيطر عليها للأسف الشديد الرؤوس الداعية إلى نبذ عقائد الأمة وتبديل هويتها . فكان بحق ندا قويا، ومحاورا مقتدرًا عنيدًا.
ولأن الرجل كان موسوعي الثقافة متمكنا في العلم والبحث فقد خاض لججًا كثيرة، وأبحر في محيطات عميقة، وخرج منها بصيد كبير، وفوز عظيم، يفرح المؤمنين ويسر المخلصين، وكان بعلمه بحرا محيطا في أحشائه الدر كامن، وغواصًا ماهرًا يعرف كيف يقتنص اللآلئ، ويصطاد الحيتان، فكان بحق شهابا ساطعا في سماء ملبدة بالغيوم وصخرة عاتية تتكسر على حوافها موجات الضلال العاتية.
وخرجت مؤلفات الرجل لتنير الطريق للداجين، وتصد الدمار عن الأمنين، ولقد بلغت تلك المؤلفات حوالي العشرين، وكان من أشهرها:
«قوانين الأسرة- مكانة المرأة بين الإسلام والقوانين العالمية- الغزو الفكري للتاريخ والسيرة- تهافت العلمانية في الصحافة العربية- شبهات حول الفكر الإسلامي المعاصر- الحقائق الغائبة بين الشيعة والسنة الخلافة الراشدة بين الشورى والديمقراطية الشريعة المفتري عليها».
وكان كتابه القيم «الحكم وقضية تكفير المسلم»، المرجع الأول في العصر الحاضر في كشف مناهج وأفكار التكفير مقارنة بالحكم الشرعي من خلال القرآن الكريم والسنة النبوية وإجماع الصحابة رضوان الله عليهم. ولهذا وصف الباحثون هذا الكتاب بأنه أوسع وأشمل ما صدر من الكتب في كشف ودرء هذه الفتنة في عصرنا الحاضر، كما تميز بعلاج تلك المشاكل بالإنصاف والدقة.
ولقد تصدى الأستاذ المستشار سالم البهنساوي -رحمة الله عليه-إلى أربع طبقات في الأمة:
الطبقة الأولى: طبقة الموجهين من الاستعمار من العلمانية اللا دينية، وقد تولى الرد عليها وبيان زيف ادعاءاتها.
الطبقة الثانية: طبقة المخدوعين الذين لا يملكون إلا الإذعان من الجماهير، وهؤلاء تولى تنويرهم وبسط الحقائق أمامهم حتى يستيقظوا وينهضوا.
الطبقة الثالثة: طبقة تنتسب إلى الدعوة الإسلامية وتقتات منها، ولا مانع عندها أن تداهن وتناقض على حساب دينها. حتى إن بعضهم أفتى أن الشيوعية لا تتعارض مع الإسلام عام ١٩٦٥، وقد وقف أمامهم وأبان زيفهم وإفكهم للقاصي والداني.
الطبقة الرابعة: طبقة المغالين والمنحرفين عن النهج القويم، والصراط المستقيم، الذين كفروا المجتمع، وأوغلوا في دماء المسلمين. وتولي كشف زيفهم، وانحراف عقيدتهم. وسوء صنيعهم بما لم يسبق إليه.
وكان من المحزن أن أمثال هؤلاء المخلصين المجاهدين أهينوا كما أهين الدين الجريح ولم تنالهم حظوة في الشعوب المكلومة، فلا يتقلدون المناصب العليا في الإعلام أو الثقافة، وإنما ينالهم الاضطهاد، وتفتح لهم أبواب السجون والمعتقلات، وقد اعتقل الرجل سنة ١٩٥٤، واعتقل في سبتمبر سنة ١٩٦٥م تنفيذًا لقرار جمال عبد الناصر الذي أعلنه من موسكو أثناء زيارته للاتحاد السوفييتي، ضمن ثلاثين ألفا من الإخوان المسلمين. وتنقل في السجون والمعتقلات، في أبي زعبل، والسجن الحربي، وسجن ليمان طره، وناله من العذاب والعنت الشيء الكثير وحقق معه في انتقاده للشيوعية، وظل في معتقله الأخير ست سنوات حتى مات جمال عبد الناصر، وبدأت تصفية المعتقلات. هذا وكان الأستاذ سالم البهنساوي -رحمه الله- ذا بصيرة، وفقه عميق. ظهر ذلك في مواقف عدة منها فهمه لما كتبه الأستاذ سيد قطب في كتابه. معالم في الطريق. حيث فصل ما كتبه الأستاذ سيد، وأبان جوانب الحق فيه وفهم مراد الرجل السابق لعصره. وألف في ذلك كتابه أضواء على معالم في الطريق.
ثم ألقى كذلك الضوء على تفسيره في ظلال القرآن، ذلك التفسير غير المسبوق في عصرنا الحاضر، وألف المرحوم البهنساوي كتابه الثاني سيد قطب بين العاطفة والموضوعية، فأثلج الصدور، وأراح النفوس وأضاء الحقائق، وذب عن رجل مات شهيدًا في سبيل دينه وعقيدته رحمه الله.
وسيلتقي الصالحون في رياض الجنة- إن شاء الله-ويسلم الحبيب على حبيبه، وأظن أن الأستاذ سيد سيكون إن شاء الله في استقبال حبيبه سالم البهنساوي، ويكون الشوق والعناق في دار الخلد والبقاء ولتجتمع وفود الدعاة والعاملين والحاملين للرسالة بمحمد –صلى الله عليه وسلم- وحزبه فيزول العناء وتنقشع سحب البلاء، عند مليك مقتدر فهنينا لك أيها المجاهد العظيم الذي أراد الله له أن يعيش في كنف دعوته، حاملًا لرسالته، مكافحا أبيا عظيمًا.
وتأبى إرادة الله سبحانه إلا أن يفارق الأستاذ سالم الحياة واقفًا، مكافحًا منافحًا عن دينه، في مؤتمر إسلامي في أقاصي المعمورة، فوقع أجره على الله، ليعظم الأجر ويكثر الثواب، وليكون مثلا حيا لدعوته ولشباب أمته وشيوخها، ورائدا في هذا الدرب، وقائدا للمسيرة الخيرة.
أخي وحبيبي ورفيق دربي وصنو نفسي كم نعمنا بصحبتك، وسعدنا برفقتك وتمتعنا بأخوتك، ونلنا ما نلنا من حنانك وعطفك وكرمك، وهذا ما صعب علينا الفراق وفطر منا القلوب، وأسكب منا الدموع، وأذهل منا النفوس، ولكنها إرادة الله وقدره والكأس المورود الذي ليس منه مهرب أو محيد:
أي يومي من الموت أفر *** يوم لا قدر أم يوم قدر
يوم لا قدر لا أرهبه *** ومن المقدور لا ينجو الحذر
سلام عليك أخي وحبيبي. سلام عليك في الأولين والآخرين. وأبلغ سلامنا للرسول –صلى الله عليه وسلم- وصحبه. وأهل الإيمان وحزبه وإنا على الدرب سائرون، وعلى الطريق مجاهدون، وبالله مستعينون، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل