العنوان زيف الدعوة إلى بروتستانتية إسلامية.. بين المنظور الاستلابي والمنظور التأصيلي الفاعل للتجديد في الدين
الكاتب محمد شاويش
تاريخ النشر السبت 27-ديسمبر-2003
مشاهدات 65
نشر في العدد 1582
نشر في الصفحة 42
السبت 27-ديسمبر-2003
يعتقد الفكر الحداثي العربي أن البروتستانتية أعادت تأويل نصوص «الكتاب المقدس» بحيث تصبح أكثر دنيوية وأقرب للعلم والديمقراطية وهي آخر ما يمكن للبروتستانتية أن تدعي جلبه للمجتمع الغربي.
ما الذي دفع مارتن لوثر لإعلان «البروتستانتية»؟ وما الدروس القيمة التي يمكن استفادتها من دراسات ماكس فيبر.
لقد صار من الواجب على لمسلمين أن يطورا منظورا تأصيلياً فاعلاً للتجديد يأخذ بعين الاعتبار الأصالة المنطلقة من الذات وضرورة تغيير واقع الانحطاط الحضاري.
معروف ومشهور الحديث الشريف الذي يقول: إن الله يبعث على رأس كل قرن من يجدد للأمة أمر دينها. بعض العلماء اجتهد ورأى أن المجدد قد لا يكون فرداً واحداً إذا أخذنا بعموم لفظ من للعقلاء فرداً أو جماعة.
لا خلاف بين غالبية المسلمين في ضرورة التجديد وإن اختلفوا في برنامج التجديد ومضمونه، ولكن عندنا في الثقافة العربية المعاصرة من يكرر ويعيد على مسامعنا مقولة أنه لا بد في الإسلام من ثورة تجديدية تعادل الثورة البروتستانتية التي قامت في الكنيسة الكاثوليكية في القرن السادس عشر الميلادي في وسط أوروبا وامتد تأثيرها إلى أقطار عديدة، في أوروبا أولاً، ثم في أمريكا لاحقاً.
بل قد تراهم يقولون: إننا بحاجة إلى بروتستانتية إسلامية، أو مارتن لوثر إسلامي. وفي الحقيقة فإنني - بكل تجرد وموضوعية وبدون أي رغبة في التهجم - لا أستطيع أن أقول في هؤلاء السادة إلا أنهم يصدرون في دعوتهم للبروتستانتية الإسلامية المنشودة عن جهل بالإسلام والبروتستانتية كليهما.
وغالباً ما يكون هؤلاء من خصوم الدين مبدئياً، أي دين كان. ولكنهم يريدون حلاً لهذه المعضلة الممثلة في وجود الدين الإسلامي الفاعل في مجتمعنا، فهم يتوهمون أن البروتستانتية حيدت التأثير الديني في مجتمعات أوروبا، وحولت الدين إلى ظاهرة يتخيلونها على هامش التأثير في المجتمع الغربي، ويتمنون للمجتمع الإسلامي دوراً مماثلاً.
بالمناسبة، الملاحظات اللاحقة أريد ألا يُساء فهمها على أنها تتحدث عن البروتستانتية القائمة في العالم كشيء واحد. إذ هذه فكرة خطأ. وإذا كنت أرى الحداثيين العرب يصدرون عن تصور إيجابي خيالي عن البروتستانتية، ففي المقابل هناك تصور سلبي غير صحيح أيضاً عن البروتستانتية في زماننا، خصوصاً بعد أن اشتهرت عندنا المجموعة الصهيونية البروتستانتية في أمريكا.
إنها بالفعل مجموعة مهمة ولكنها ليست الوحيدة، ففي مواجهتها هناك كنائس بروتستانتية في أمريكا بالذات تضم عشرات الملايين من الأتباع لا يعجبها موقف هذا الاتجاه الصهيوني في البروتستانتية. والإسلام يعلمنا العدل.
جذر واحد للتفسير الاستلابي لتاريخ مجتمعنا وبناء اسمي، استلاب الرؤية التي حكمت الثقافة العربية الحداثية الطابع وتأثر بها بعض المفكرين من التيارات الأخرى أيضاً، وتقول: إن التاريخ الغربي هو نموذج للتاريخ البشري يجب على البشر كلهم أن يحتذوا حذوه ويكرروه، وهذا إما أمر اختياري لمن يريد التقدم «نظرية طه حسين الشهيرة» أو هو أمر لا اختيار فيه، فهو حتمي على كل حال «وجهة النظر الوضعية ووجهة النظر الماركسية».
وأسميه استلاباً، لأن الاستلاب هو نزعة داخلية ملحة لاستبدال الذات الحقيقية بذات أخرى تأخذ شكلها من شكل «متخيل بدوره لذات أخرى» خارجية وهي هنا الذات الغربية كما يتخيلها المثقف العربي الحديث «لا كما هي في الواقع هذه نقطة مهمة يغفل عنها بعض النقاد والمحللين الثقافيين الذين يعتقدون أن المثقف العربي من هذا النموذج لديه تصور حقيقي مطابق للواقع عن المجتمع الغربي وبناه وتاريخه، وفي الحقيقة صورة المثقف المستلب «هذه الكلمة أستعملها في هذا المقال دوماً بفتح اللام» عن الغرب هي أيضًا إلى حد كبير صورة خيالية ليست ناتجة عن انعكاس حقيقي للواقع الغربي، كما هو في وعي هذا المثقف. انعكاس مشوه مبتسر للمجتمع الغربي متداخل مع صورة تخيلية للمجتمع العربي، وقد تم عكس أقطابه القيمية والبنيوية، فما هو موجب يصبح سالبا والعكس بالعكس، فكأن صورة الغرب في هذا النموذج الطوباوي ما هي إلا صورة مشوهة للغرب متداخلة مع صورة نيجاتيف للبنية الاجتماعية العربية وسترى بعض ذلك في هذا المقال في حديثنا عن تصور المثقف العربي لهذه البروتستانتية.
البروتستانتية كما يتخيلونها: ثغرات في المعلومات
في تصور المثقف العربي المستلب عن الأفكار عن التاريخ الأوروبي، نجد تداخلاً في الأماكن والأزمان، ففي هذه الصورة نجد في سياق واحد أفكاراً تخص زمن مارتن لوثر ومكانه في القرن السادس عشر الميلادي، وزمن عصر الأنوار في القرن الثامن عشر وما فيه من مثل الموسوعيين الفرنسيين وديمقراطيتهم وعلمانيتهم المعادية للدين والكنيسة. مع بعض الأفكار التحررية التي ظهرت في القرن التاسع عشر، ثم أخيراً وليس آخراً صورة المجتمع الغربي منذ بداية القرن العشرين «مع تجاهل ملحوظ لتجربة ما بين الحربين العالميتين، ثم صورة المجتمع الغربي، كما تبلورت في النصف الثاني من القرن العشرين».
فالبروتستانتية في هذا التصور هي نظرة علمانية ديمقراطية قومية تحررية للدين تشكل الخلاصة النهائية للعلمانية المطلقة التي تفصل الدين كلياً عن المجتمع والدولة وتجعله شأناً فردياً محضاً.
وبهذه النظرة للبروتستانتية التي هي تصور تخيلي لها يمكن للمثقف العربي الحديث أن يحلم ببروتستانتية مسلمة، فقد جردت البروتستانتية من سياقها التاريخي وغيرت صورتها، بحيث لم يعد لها في الحقيقة صلة مع البروتستانتية الموجودة في الواقع.
في البروتستانتية الفعلية ما هو مهمل في التصور الحداثي العربي لها:
يعتقد الفكر الحداثي العربي أن البروتستانتية أعادت تأويل نصوص الكتاب المقدس «أي العهدين الجديد والقديم» بحيث تصبح الأفكار الدينية أقل دوغمائية، وأكثر دنيوية وأقرب للعلم وللديمقراطية. أما في الحقيقة فإن الكتاب المقدس لم ينظر إليه قط في تاريخ المسيحية منذ عهد بولس ربما بهذه الدوغمائية والحرفية النصوصية. وقد جاءت البروتستانتية بفكرة الصحة الحرفية للعهد القديم ومساواته بالعهد الجديد، وهذا ما لم يكن موجوداً في الكاثوليكية.
وأما عن الديمقراطية والعلمانية، فهما آخر ما يمكن للبروتستانتية أن تدعي جلبه للمجتمع الغربي ويحسبنا أن نعلم أن كالفن، الذي أسس في سويسرا أول دولة دينية على المبدأ البروتستانتي كانت دولته طغياناً دينياً دموياً لم تشهده حتى الدولة البابوية في أسوأ عصورها.
وأما الأصولية.. فهي - ربما يجهل ذلك كثير من الحداثيين العرب - اختراع بروتستانتي بحت، وظهر في أمريكا مطلع القرن العشرين - عام ١٩٠٥ - مع تيار في البروتستانتية هناك ناهض الأفكار العلمانية، والعلموية، والتحررية، وخرج ببرنامج من نقاطه مثلاً: الصحة الحرفية للمعتقدات الإنجيلية «مثلاً في وجه أفكار علمانية تريد تأويل بعض العقائد الدينية بأنها لم تقصد بحرفيتها، بل هي مجازية، ومنها عقيدة عذرية السيدة مريم».
ولا أعرف في الحقيقة إن كان أصحابنا يريدون بروتستانتية، فأين يجدون الكاثوليكية الإسلامية، التي سيثور عليها لوثر مسلم؟ «إذ ليس عندنا، لحسن الحظ أو لسوئه، مرجع ديني واحد قائد نحن مجمعون عليه يكون بمثابة بابا مسلم، أو على حد تعبير الدكتور القرضاوي ولا عندنا بابا ولا ماما!».
الثورة على الكنيسة الكاثوليكية تندرج الثورة اللوثرية على الكنيسة الكاثوليكية في سياق تاريخي أصبحت فيه تصرفات المركز الكنسي البابوي في روما لا تطاق، والتذمر لم يكن محدوداً، بل كان واسع النطاق، بحيث إن الفيلسوف الإنساني الشهير إراسموس الذي عاش في الفترة اللوثرية قال قبل ظهور الحركة البروتستانتية: إن صفة "كاهن" هي صفة سلبية تعادل الشتيمة في المجتمع.
والدافع المباشر لثورة لوثر كما تجلى في نقاطه الخمس والتسعين التي أعلنها في مدينة فيتنبرج الألمانية عام ١٥٢٠م، كان قضية صكوك الغفران التي باعوا بها الخلاص للمسيحيين مقابل مبالغ كان يقصد منها تمويل مشاريع للبابا مثل بناء كاتدرائية.
في مقابل فكرة صكوك الغفران خرج لوثر بفكرة خطيرة للغاية تقول إن الغفران أمر إلهي بحت ورحمة لا تتعلق بالأعمال الصالحة للفرد. وقصد بالأعمال الصالحة الطقوس التي يمارسها المسيحي في الكنيسة من اعتراف وأضحيات وما إليها. وأخرها كان التبرع للكنيسة بمقابل غفران الخطايا والتخلص من عذاب الجحيم «والمطهر». وفكرة لوثر بالذات عن الإنسان فكرة مفرطة في التشاؤم وهو يرى أن المسيح وحده هو الذي له الفضل في خلاص البشرية بتضحيته بنفسه أو بخلاص من أراد له الرب الخلاص والإنسان الشرير بطبعه لا يستطيع بعمله أن يقدم أو يؤخر بهذا الخلاص.
وكما نرى فهذه الفكرة بعيدة كل البعد عن التصور الحداثي العربي للبروتستانتية الذي يدمج تفاؤلية عصر الأنوار مع البروتستانتية في خلطة تخيلية.
ولا يعني ذلك بالطبع أن لوثر لم يكن له تأثير في تاريخ أوروبا، وبالذات في ألمانيا، فمن منجزاته الكبرى ترجمته الكتاب المقدس بشقيه من اللاتينية إلى الألمانية وهذه الترجمة التي قام بها بجهد جبار جعلته أباً للأدب الألماني بل أباً للغة الألمانية بوجه عام إذ اعتباراً من هذه الترجمة نشأت اللغة الألمانية الحديثة كلغة أدبية وعلمية مكتوبة متطورة بعد أن جمع في ترجمته خلاصة اللهجات الألمانية المحكية في لغة فصحى واحدة، وبهذا يكون قد أسهم أيضاً في وضع لبنة أساسية في بناء الأمة الألمانية.
نظرية ماكس فيبر عن العلاقة بين الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية
انتشرت في الثقافة العربية النظرية الماركسية «المعدلة عربياً كالعادة» عن نشأة الرأسمالية، وهي نظرية ترى في الرأسمالية نتاجاً للثورة القومية الديمقراطية - العلمانية - العلمية - الصناعية التي حدثت في أوروبا «وسبباً لها في الوقت نفسه».
في المقابل ظلت بلا ترجمة ولا اهتمام عند هذه الثقافة نظرية مغايرة تقدم بها السوسيولوجي الألماني المرموق ماكس فيبر «١٨٦٤ - ١٩٢٠». انطلق فيبر من دراسة قام بها أحد تلاميذه «وهو مارتن أوفنباخر» لتوزع التطور الصناعي «والتعليم المهني المتعلق به تبعاً للتوزع الطائفي بين البروتستانتية والكاثوليكية في مقاطعات بادن ولايبزج وتوبنجن، وبرهن في دراسته أن المناطق البروتستانتية كانت أسرع تطوراً وأشد نمواً في النشاطات الصناعية والتعليم المهني من نظيراتها الكاثوليكية، واستنتج فيبر من ذلك أن الأخلاق البروتستانتية كانت أحد العوامل المهمة في نشوء الروح الرأسمالية في أوروبا.
البروتستانتية تشهد تطوراً رأسمالياً صناعياً يتعدى بكثير نظيره في المناطق الكاثوليكية. فيبر في دراسته الشهيرة "الأخلاق البروتستانتية.. روح الرأسمالية"، حاول أن يدرس العلاقة التاريخية بين البروتستانتية «وبالذات نسختها الكالفينية ومجموعة من الفرق المرتبطة بها والمتفرعة عنها».
روح الرأسمالية تتألف أساساً عند فيبر من النظرة إلى العمل المؤدي إلى الكسب المادي كهدف بحد ذاته في مقابل الروح التقليدية التي ترى في الكسب وسيلة إلى التمتع بطيبات الحياة. ويأخذ على روح الرأسمالية مثلاً توضيحياً من المفكر الأمريكي المتعدد المواهب بنيامين فرانكلين، استشهد بنصين لفرانكلين "نصيحة لتاجر شاب" و"إرشادات لأولئك الذين سيصبحون أغنياء". ونسوق للقارئ بعض نصائح فرانكلين التي استشهد بها فيبر:
تذكر أن الوقت نقود، ومن يستطيع أن يكسب عشر شلنات بعمله ثم قضى نصف النهار يتمشى أو جلس كسلان في غرفته وأنفق للتسلية خمس بنسات فإن عليه ليس أن يحسب هذه البنسات فقط بل عليه أن يضيف إليها أنه صرف أيضاً إلى جانبها خمس شلنات أو بالأحرى رماها بعيداً.
تذكر أن الدين نقود، وحين يترك إنسان نقوده عندي يهديني فوائدها أو بقدر ما أستطيع أن أستفيد منها أثناء هذا الوقت، ويمكن لهذا أن ينتج مبلغاً محترماً إذا كان عند المرء دين جيد وكبير واستطاع أن يستغله بشكل جيد.
تذكر أن النقود ذات طبيعة منتجة ومثمرة، والنقود تنتج نقوداً ومن النتاج ينتج نقود وهكذا إن خمسة شلنات تصبح ستة، وهذه تصبح سبعة شلنات، وثلاثة بنسات وهكذا حتى تصبح في النهاية مائة جنيه إسترليني. وبقدر ما يتوافر من النقود تنتج نقود عبر المتاجرة بها، بحيث إن النفع يتزايد سرعة، والذي يقتل الخنزيرة الأم يقتل معها كل ذريتها حتى العضو الألف، ومن يقتل قطعة نقود من خمس شلفات يقتل كل ما كان يمكن أن ينتج منها، صف كامل من الأرقام بالجنيهات الإسترلينية.
تذكر أن المثل يقول: إن المدين حسن السداد هو مالك جيوب الجميع، والذي يعرف أن يكون دقيقاً في السداد في الموعد الذي وعد به يمكن له في كل وقت أن يستدين ما لا يحتاجه أصدقاؤه. وهذا يكون أحياناً عظيم النفع، علاوة على الاجتهاد والقوة، ما من شيء يساهم في تقدم الرجل الشاب في الحياة أكثر من الدقة والعدالة في كل تجاراته. ولهذا لا تحتفظ بنقود أي دائن ساعة واحدة بعد موعدها لكيلا يقود الانزعاج صديقك الذي انتظر أداءك لإغلاق محفظته عنك إلى الأبد.
لا ننسى أن فرانكلين عاش في أمريكا في وقت كانت فيه التبادلات النقدية بالكاد موجودة، والرأسمالية الصناعية بمعناها الحديث لا يمكن الحديث عنها بعد، ومن هنا فإنه من المضحك -برأي فيبر- أن تسوق هنا التفسير الماركسي الذي يزعم أن هذه الروح المتمحورة حول مبدأ الكسب لأجل الكسب هي نتاج فوقي للعلاقات الرأسمالية التحتية. ولا ننسى أن فرانكلين بروتستانتي ينتمي إلى تلك الفرقة التي يرى فيبر أن تعاليمها كانت عاملاً محركاً لنشوء الروح الرأسمالية.
يلاحظ فيبر أن الأمر في نصوص فرانكلين لا يتعلق بمجرد إنسان بخيل مادي جشع، بل هناك في النص روح دينية واضحة تجعل من العمل التجاري الناجح المؤدي إلى الكسب نوعاً من أداء رسالة ومهمة من طبيعة دينية.
يعود فيبر بعد ذلك إلى دراسة مفصلة لتطور البروتستانتية وتعاليم فرقها المختلفة التي كانت فاعلة في مناطق معينة في إنجلترا وهولندا وألمانيا. فيرى أن «كالفن» طور عبر صراعاته الدينية مع خصومه بالتدريج فكرة تقول بأن خلاص الإنسان من العذاب الإلهي لا يتم عبر طقوس كنسية وأعمال يساعد فيها رجل الدين، بل إن القدر السابق للإنسان هو الذي حدد بصورة مطلقة من هو الذي يخلص ومن هو الذي يهلك. وهذه العقيدة اسمها بالألمانية Prädestination أو Gnadenwahl أي القضاء المسبق أو اختيار الرحمة.
والهدف الذي خلق الله الناس من أجله هو فقط تمجيده والمخلوق لا قيمة له البتة بالمقارنة بالخالق، ومحبة الجار التي بشر بها الإنجيل لا تعني إلا بناء نظام شامل يتناسب مع مجد الله. هذا النظام نزع منه -بتعبير فيبر- كل طابع سحري كان موجوداً في الكاثوليكية أو ظلت بقايا منه في تعاليم لوثر.
لقد تعرى الواقع من كل سحر، وقاد الفرد إلى شعور بالوحدة والعزلة الفردية التامة، وصار المجد الإلهي يعني الازدهار المادي، والمرء المحقق الوصايا الإلهية هو الناجح مادياً، وبالعكس يصبح الفقر علامة لعنة إلهية «وربما من هذا عومل الفقراء بكل قسوة يصفها ماركس حين يصف تراكم الرأسمال البدائي في إنجلترا، حيث اقتلع الفلاحون من أرضهم بلا رحمة وألقوا في العراء ليموتوا جوعاً، ثم سنت القوانين ضد الجياع».
العمل المهني عند الكالفينية -إذن- والكسب في الحياة نوع من المهمة الإلهية التي يستدعي بها الرب الخلق. ومن هنا يركز فيبر على اشتقاق كلمة Beruf ومشتقة من فعل rufen الذي يتضمن معنى النداء أو الاستدعاء.
مثل هذه العقيدة في زمن كان فيه الناس يعدون الآخرة أمراً واقعاً وأكثر واقعية بكثير من الدنيا، ستحدث حالة من الرعب عند الإنسان تدفعه للسؤال: هل أنا من المختارين أم من الهالكين؟ والنجاح في المهنة الدنيوية والكسب كان يؤدي عند أبناء هذه الفرق وظيفة العلامة على الاختيار مما يخمد نار القلق المتأججة فيهم.
وهذا كان جذراً لنشوء نظام حياة زاهد من جهة، ومعتمد على الحساب والتنظيم العقلاني البارد كلما أمكن.
تعليق: ما نفيده من فيبر ليس من الغريب ألا تلقى دراسات فيبر في الوسط الثقافي العربي أصداء، إذ هي من جهة تتناول نظاماً فكرياً غريباً جداً لا مثيل له في تاريخنا الخاص، ومن هنا فهو غير مفهوم. وقد اقتضى مني شخصياً الأمر شهوراً طويلة أنظر فيها وأعيد في نص فيبر وفي كتب عنه لأفهم هذه النظرية الغريبة العلاقة بين البروتستانتية وروح الرأسمالية.
ولا بد هنا أن نشير إلى أن الاختلاف كان منذ البداية موجوداً بين نمطي التفكير الكاثوليكي والإسلامي، إذ لا تتماثل النظرتان في مفهوم العمل الصالح، كما رأينا. وقد امتد هذا الاختلاف لاحقاً في تطورات البروتستانتية، ودوماً في الحوار الذي يقوم به ابن ثقافة معينة مع ثقافة أخرى يجب -كما أشرت في كتابات سابقة- أن يحسب حساب ظاهرة الالتباس في المفاهيم الناتجة عن الاشتراك في الأسماء والاختلاف في المسميات.
ولكن فيبر عنده -في اعتقادي- أفكار ثمينة جداً من المفيد لنا أن نناقشها في مسعانا لبحث هذه المسألة حاسمة الأهمية، مسألة النهضة الحضارية ودور الأفكار في النهضة ودور الأفكار في التراجع الحضاري. وهذا هو الوجه الآخر للمسألة.
فيبر يرى أن ما يميز المجتمع الغربي الحديث عن المجتمع القديم التقليدي، سواء الغربي أو غير الغربي، هو العقلنة الشاملة.
بالذات في الميدان الاقتصادي، يرى فيبر أن روح الرأسمالية تعني العقلنة الدقيقة لمبدأ الكسب وتحويل الكسب إلى هدف بحد ذاته كما رأينا في مقابل المبدأ التقليدي الذي يضع الكسب في خدمة هدف التمتع بملذات الحياة، وهذا عند فيبر الفرق بين الرأسمالية الحديثة والرأسمالية القديمة التي كانت
موجودة في أماكن عديدة وأزمنة عديدة في العالم. وفي اعتقادي أن هاجس فيبر الملح في البحث عن بنية السلوك المميزة لابن المجتمع الحديث عن سلوك أبناء المجتمعات التي يسميها «المجتمعات التقليدية»، ويتجلى هذا البحث في دراساته المفصلة للعقلنة في جوانب مختلفة من هذا المجتمع اعتباراً من الاقتصاد إلى التنظيم الإداري، إلى جوانب أخرى طالت حتى الموسيقى والآلات الموسيقية جعلت منه بحق في اعتقادي العالم الأول للسلوك الرأسمالي»، وهذا جانب قيم يفيدنا فيه أكثر بكثير من ماركس الذي كان يميل إلى الجانب الاقتصادي
الحتمي، ويضع الجوانب النفسية والروحية وأنماط السلوك كجوانب تابعة للبنية الاقتصادية، مما يضع أبناء المجتمعات المتأخرة صناعياً أمام حائط مسدود وحلقة مفرغة، إذ قبل أن يبنوا اقتصاداً صناعياً متقدماً لا بد لهم من انتظار نضج الشروط المادية له، ولكن لنضج هذه الشروط لا بد لهم من أن يكون سلوكهم مساعداً على هذا البناء، والسلوك بدوره عند ماركس والماركسيين مشروط بالعلاقات الاقتصادية الفعلية وهكذا وطريقة فيبر هنا هي بلا ريب ذات إيحاء وإلهام لأبناء المجتمعات متأخرة الاقتصاد أكثر من تلك الطريقة الحتمية القدرية للمادية الماركسية.
تركيز فيبر على دور العقلانية في البناء الاجتماعي الحديث فيه في اعتقادي دروس قيمة للمسلمين، إذ عليهم بالفعل أن يتأملوا . في الجوانب اللاعقلانية في تنظيمهم الاجتماعي الذي يعاني من الهدر في الوقت والمال وانعدام القدرة على التنظيم الدقيق والانضباط، في العمل والتخطيط وانعدام القدرة على العمل الجماعي ودراسته للتأثير الذي تقوم به عقيدة دينية في تغيير النظام الاجتماعي يذكرني برأي مالك بن نبي الذي يرى أن الدين عامل بان في كل حضارة ولكني أتمنى على الباحث في بلادنا أن يقوم بدراسات دقيقة ليحدد كيف أثرت الأفكار المشوهة الانحطاطية في العصور الأخيرة في حالة الانهيار الحضاري التي عشناها (وبالذات أهتم شخصياً بالأشكال المنحطة الأخيرة التي شهدتها الحركة الصوفية، وما قادت إليه من روح سلبية، وكسل شامل وابتعاد عن البناء المادي والمعنوي للمجتمع وتشجيع للتفسخ والتفكك الاجتماعي)، وفي المقابل دراسة سر إخفاق الحركات الفكرية الكبرى التي كان هدفها الأصلي النهضة (بالعودة إلى ما كان عليه السلف وتجاوز الوضع القائم.
وعلى كل حال لا أريد مغادرة هذه الفقرة قبل أن ألفت انتباه القارئ إلى أن فيبر لم ير البتة علاقة بين التطور الرأسمالي والفكرة الديمقراطية، أو فكرة حقوق الإنسان أو ما شابه من أفكار الثورة الفرنسية، وعلى العكس فالكالفينية التي نسب إليها بناء العقلانية الحديثة لم تكن لها
التأثير الفاعل في :
علاقة بهذه القيم كما رأينا! ولا أقول ذلك بالطبع بهدف مناصرة خصوم هذه الأفكار، فمما لا ريب فيه أن نظاماً يحترم الحريات العامة، وحقوق الإنسان ومبدأ الانتخاب الديمقراطي للسلطة، وإنهاء الطغيان الفردي
والحزبي، هو شرط من شروط النهضة لا تتصور من دونه في اعتقادي ما أردت قوله هو فقط استنتاج فيبر أن الأفكار لها قوانين خاصة في التأثير العملي تخالف المتوقع منها حين ننظر إليها نظرة سطحية. خاتمة البروتستانتية في الفكر العربي
والمنظورين الاستلابي والتأصيلي: أقول بداية إن الالتباس الذي أصاب المثقف العربي حين تصور وجود حاجة لبروتستانتية إسلامية نشأ عن سوء فهم لتاريخ البروتستانتية مصدره إسقاط الواقع على ماض مختلف تماماً.
وقراءة هذا الماضي بمقاييس الحاضر لا بمقاييسه الخاصة وهذا التباس بالذات - للمفارقة - لم يوجد عندنا فقط، بل وجد في الغرب بالذات، ففيبر يورد في البداية افتراضات معاصريه الذين أرادوا تفسير العلاقة بين تطور المناطق البروتستانتية الصناعي والتخلف النسبي للمناطق الكاثوليكية بأنه ناتج عن وجهة النظر الكاثوليكية التي لا تهتم بهذا العالم والسعادة فيه بخلاف البروتستانتية التي تهتم بمسرات الحياة الدنيا. وقد أوضح فيبر لهؤلاء بالدراسة التاريخية المفصلة أن هذا لم يكن الحال عند البروتستانتية الأولى. وسآتي الآن إلى السؤال الذي لا شك أن القارئ يريد مناقشته: هل الإسلام يقدم نظاماً فكرياً كفيلاً بالنهضة الحضارية أم لا؟
سأجيب في البداية أنني أخذ الدين الإسلامي سلفاً كموضوع إيمان لا شك فيه، وهو عندي يكفل النجاة الأخروية وهي أهم بما لا يقاس من كل هدف دنيوي. ولكن الإسلام كنظام عقدي واجتماعي يحتوي بلا شك على عنصر نهضوي فريد، إذ يجعل من العمل الدنيوي الحضاري عملاً صالحاً يجازي عليه المرء حتى لو قاده إلى ربح مادي ما دامت النية نية عمل لله وقد يذهب أهل الدثور بالأجور.
والسؤال الآن: فلماذا لا ترى لهذا البعد الحضاري تأثيراً عند المسلمين؟
والجواب الذي أعتقد أن علينا أن نبحثه مطولاً هو كيفية تفسير المسلمين لعقيدتهم. فحتى المتدين فيهم تديناً صادقاً قد يقوده تأويله للدين إلى عمل مخرب للحضارة ومفكك للمجتمع، وهو ما أشارت إليه الآية حين تكلمت عن الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا «الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا» «الكهف: 104».
من فيبر نستنتج أن للعقيدة أثراً حضارياً مهماً «مهما كان اتجاه هذا الأثر»، وعلينا نحن أن ننظر في العقيدة الموجودة عند المسلمين وندرس كيف تؤثر في الواقع. بدلاً من المنظور الاستلابي للتجديد الديني، صار من الواجب على المسلمين أن يطوروا منظوراً تأصيلياً فاعلاً لهذا التجديد يأخذ بعين الاعتبار الجانبين: الأصالة المنطلقة من الذات الحقيقية وضرورة تغيير واقع الانحطاط الحضاري.
ولا ريب عندي أن من علامات العقيدة الصحيحة أنها هي فقط العقيدة التي تبني، إذ إنها هي التي تؤدي دور الاستخلاف في الأرض، أي البناء الحضاري المتكامل الذي يراه الإسلام معنى وجود البشر على سطح البسيطة. وحين تكون العقيدة هدامة فهذا علامة على أنها ضل سعي صاحبها ولو ظن أنه أحسن صنعاً!
--------------------------------------
مراجع المقال
1. حول مارتن لوثر
Hans Lilje, *Martin Luther*. ROWOHLT, Hamburg 1968.
2. حول ماكس فيبر
Max Weber, *Die protestanische Ethik und der "Geist" des Kapitalismus*. BELZ Athenäum Verlag, Weinheim 2000.
Dirk Käsler, *Max Weber*. Campus Verlag, Frankfurt/New York 1995.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل