; زيارة شيراك للجزائر تطلق التدافع.. باريس على محور واشنطن | مجلة المجتمع

العنوان زيارة شيراك للجزائر تطلق التدافع.. باريس على محور واشنطن

الكاتب إدريس الكنبوري

تاريخ النشر السبت 22-مارس-2003

مشاهدات 55

نشر في العدد 1543

نشر في الصفحة 43

السبت 22-مارس-2003

شكلت زيارة الرئيس الفرنسي جاك شيراك للجزائر في الأسبوع الأول من مارس الجاري انعطافًا قويًا في السياسة الفرنسية تجاه مستعمرتها السابقة، ومؤشرًا على عمق الرهانات التي باتت باريس تعقدها على المنطقة المغاربية عمومًا والجزائر تحديدًا وقد اتضح ذلك من خلال الثقل الإعلامي والأجندة السياسية والاقتصادية التي صاحبت الزيارة والنتائج التي حققتها، من حيث الإعلان الفرنسي الحماسي عن إعادة تعميق العلاقات بلغة شيراك، أو توقيع إعلان الجزائر، أو إنشاء تحالف استراتيجي بين البلدين سيصبح نافذًا بعد مصادقة برلماني البلدين عليه، كل ذلك يعني العلاقات بين الجزائر وباريس باتت على عتبة مرحلة تاريخية جديدة تترابط والاستراتيجيات الفرنسية المستجدة في المنطقة.

ويمكن اعتبار الزيارة تكريسًا لما سبق أن سجلته العلاقات الثنائية بين البلدين في الأعوام الثلاثة الأخيرة من تقدم, بدأ بزيارة الرئيس الجزائري بوتفليقة لفرنسا في يونيو ۲۰۰۰، والمشاركة الجزائرية الأولى من نوعها في قمة بيروت الفرانكوفونية الدولية ما بين ۱۸ و۲۰ أكتوبر ۲۰۰۲.

الظرفية الدولية للزيارة جعلتها تبدو وكأنها حالة فرنسية إلى واشنطن، فهي من ناحية أتت في التهديد الأمريكي للعراق بشن الحرب والمعارضة الفرنسية للخيارات العسكرية، والتحالف الفرنسي الألماني في مقابل التحالف الأمريكي – البريطاني, ومن ناحية ثانية جاءت في سياق إصلاحات داخلية الجزائر تهم قطاع الغاز والنفط والخصخصة الاقتصادية وتعديل قوانين الاستثمار لفتح الأبواب أمام الاستثمار الأجنبي. 

ومن هنا لم يكن مفاجئًا أن يكرر شيراك التذكير خلال الأيام الثلاثة التي أقامها في الجزائر بالمواقف الفرنسية من الأزمة العراقية وأن يثير الإعلام الفرنسي السياسة العربية لفرنسا من خلال الإشارة إلى الديجولية الجديدة لشيراك، وأن يعلن عزم الدولة الفرنسية على مساعدة الجزائريين في المضي قدمًا على طريق الإصلاحات والخصخصة، وإعلان شراكة كاملة بين البلدين. 

استقطاب أمريكي – فرنسي

وتشعر فرنسا أنها فقدت جولات عدة في الجزائر ودول المغرب العربي منذ بداية التسعينيات من القرن الماضي أمام الاندفاع الأمريكي إلى المنطقة، فباريس درجت على اعتبار المغرب العربي امتدادا تاريخيًا وثقافيًا لها بسبب الخلفية الاستعمارية واللغة الفرنسية، وتعد فرنسا الشريك الاقتصادي الثاني لكل من الجزائر والمغرب تنافسها في ذلك كل من إسبانيا والولايات المتحدة غير أن الحضور الفرنسي أخذ في الانحسار في السنوات الأخيرة أمام رياح أمريكية هبت على المنطقة، ويمكن إرجاع هذا الأمر إلى سبب رئيس وهو فشل فرنسا في فرض حل في قضية الصحراء التي تعيق التكامل بين البلدين الحليفين لها، ومن ثم تحريك الاندماج المغاربي، على اعتبار أن هذه الأزمة التي عمرت طويلًا تؤثر على التوازن الاقتصادي للمغرب والجزائر وتشكل استنزافًا لقدراتهما.

وقد نجحت الولايات المتحدة في تقديم اقتراح للتسوية من خلال وزير الخارجية الأسبق جيمس بيكر، المبعوث الأممي الخاص إلى أطراف النزاع وكان ملحوظًا التزامن بين تعيين بيكر عام ١٩٩٧ وطرح مشروع الشراكة المغاربية – الأمريكية المسمى مشروع إيزنشتات في العام التالي، بشكل دل على أن واشنطن تدرك العلاقة بين حل الأزمة ومستقبل نفوذها في المنطقة، ويقول دبلوماسي فرنسي رافق شيراك في جولته الجزائرية إن الولايات المتحدة تريد تغيير التوازن الاستراتيجي القائم في المنطقة وأن الفرنسيين يخشون تكرار سيناريو ساحل العاج في المغرب العربي، أي إبعاد الدور الفرنسي. الصراع الفرنسي – الأمريكي يتمحور على قطاع البترول والغاز، حيث إن٩٠% من الاستمارات الفرنسية والأمريكية توجد بهذا القطاع. ومنذ تغيير قوانين منح العروض الاستثمارية في بداية العام الماضي بدأ التنافس الحاد بين باريس وواشنطن لتصبح الجزائر في مركز التجاذب الجيو استراتيجي، وكثف المسؤولون الأمريكيون من زياراتهم للجزائر، وكان آخرها زيارة وليام بيرنز مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأوسط وشمال إفريقيا والسيناتور بيتر رودمان في شهر يناير الماضي. لكن الحضور الأمريكي في الجزائر تقوى بشكل أكبر بعد أحداث سبتمبر من خلال التعاون العسكري والاستخباري بين البلدين بعد الزيارة التي قام بها بوتفليقة بعد الأحداث إلى واشنطن، وهو ما أوضحه السيناتور بيتر رودمان أثناء لقائه وزير الخارجية الجزائري عبد العزيز بلخادم عندما قال: هناك إمكانيات كثيرة لتطويرها في المستقبل من أجل تقوية التعاون الثنائي في عدد من المجالات مثل الطاقة والتعاون العسكري والأمني.

الولايات المتحدة أصبحت حريصة على ضمان حضورها السياسي والاستثماري في المنطقة ومنافسة الوجود الفرنسي والأوروبي بها، في إطار السياسة الإفريقية الجديدة لواشنطن التي بلورتها إدارة كلينتون. وتراهن واشنطن على بلدان شمال إفريقيا فيما يخص تنويع مصادرها من البترول في أفق الاستجابة للحاجة الأمريكية من النفط خلال العشريتين القادمتين، إذ حسب تقرير أمريكي فإن معدل استهلاك الولايات المتحدة من النفط سيرتفع إلى ٤٠ عام ۲۰۲٥، ولا تمثل الاستيرادات الأمريكية من الغاز والبترول الجزائريين في الوقت الحالي سوى ۱۰.۸ مقابل ٢٥% تقريبًا لفرنسا وتسعى واشنطن لردم هذه الفجوة من جانب، ومن جانب آخر البحث عن إمكانات بترولية أخرى في الصحراء، ومن هنا جاء التدخل الأمريكي في الأزمة بين الرباط والجزائر اللذين يمثلان نقطتي المنافسة على محور باريس – واشنطن في ظل السعي إلى تقسيم جديد لمناطق النفوذ بين أوروبا والولايات المتحدة.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل