العنوان زيادة الهدر المائي وتضاؤل الموارد في العالم العربي ينذر بخطر جسيم
الكاتب حمدي عبدالعزيز
تاريخ النشر الثلاثاء 14-مارس-2000
مشاهدات 76
نشر في العدد 1392
نشر في الصفحة 54
الثلاثاء 14-مارس-2000
ندوات
مؤتمر الأمن المائي العربي يؤكد على أهمية إستراتيجية عربية موحدة
القادة الصهاينة خططوا مبكرًا للاستيلاء على المياه العربية والتركية.
المنظمات الدولية تمارس ضغوطها لتحويل المياه العربية إلى سلعة وتكريس عدم المساواة في الاستفادة منها.
نظم مركز الدراسات العربي الأوروبي مؤتمرًا دوليًا بالقاهرة مؤخرًا تحت عنوان: «الأمن المائي العربي»، بالتعاون مع جامعة الدول العربية ومجلس وزراء الداخلية العرب، ومجلس المياه العالمي، ووزارة البحث العلمي المصرية، وذلك لدراسة الأزمة المائية في الوطن العربي بمشاركة صناع القرار وأهل الاختصاص؛ وذلك في إطار دراسة المشكلة، والبحث عن حلول ناجعة، وتقديم المقترحات الكفيلة بتدارك الأخطار قبل نشوب حرب المياه.
إستراتيجية خليجية:
أشار الدكتور صالح بكر الطيار -رئيس مركز الدراسات العربي الأوروبي ومقره باريس- إلى أن الأزمة المائية ليست مقصورة في منطقة جغرافية محددة من العالم العربي، بل تشمل كل أرجائه، وبلغة الأرقام من خلال الدراسات المتخصصة نجد أن سعة الموارد المائية المتاحة في العالم العربي من جوفية وسطحية تبلغ (٣٧١.٨٥) بليون متر مكعب، يتم استخدام (۲۰۸.۸۲) بليون متر مكعب منها سنويًا، ويذهب (٦.٣%) للاستخدام البشري مقابل (٣.٧%) للاستخدامات الصناعية، وتضيف الدراسات أن العوامل المناخية والجغرافية تفيد أن النصيب النسبي للدول العربية من المياه سيتضاءل إلى حد كبير خلال العقود المقبلة، في الوقت ذاته الذي يتصاعد فيه الهدر المائي في ظل غياب سياسة ترشيدية باستثناء حملة التوعية التي قامت بها مؤخرًا المملكة العربية السعودية.
وقال الدكتور بكر إن الأزمة المائية في منطقة الخليج تعود إلى أسباب فنية، بالإضافة إلى ندرة المياه، وأيضًا الطبيعة الجغرافية الصحراوية القاحلة، وذكر الدكتور بكر أن الأزمة المائية في الأردن ولبنان وفلسطين والعراق ذات شقين، شق تقني ناجم عن الطبيعة المناخية الصعبة، وشق سياسي له علاقة بتركيا التي تسن قوانين بشأن نهري دجلة والفرات، وبإسرائيل التي تعتمد على منطق الهيمنة والتسلط في السيطرة على قسم كبير من الموارد المائية العربية؛ لأنها تحل أزمتها المائية عن طريق حرمان الدول المجاورة من هذه المادة الحيوية.
وفي ورقة أعدتها خصيصًا للمؤتمر الأمانة العامة لمجلس وزراء الداخلية العرب قسمت الدول العربية مائيًا إلى ثلاث مجموعات، دول غنية، ودول ستعاني قريبًا من عجز في مواردها المائية، ثم دول تعاني منذ سنوات من نقص في تلك الموارد، وأكدت الورقة أن الأطماع الإسرائيلية في المياه العربية إحدى أهم نقاط الصراع الخطيرة في المنطقة، ولا تنحصر أطماع إسرائيل في الموارد المائية العربية على نهر الأردن وروافده، وكذلك مياه أرض فلسطين، بل تتعداها إلى مياه أنهار جنوب لبنان وحتى مياه نهر النيل، وأشارت الورقة إلى الوجود المحدود للمصادر الطبيعية للمياه في منطقة الخليج العربي، الأمر الذي يدفع إلى الضغط على مصادر المياه الجوفية، حيث يجري استثمارها بمعدلات عالية، وتزيد معدلات التجديد، وفي ضوء تزايد الاحتياجات المائية نتيجة زيادة معدلات السكان والاستهلاك، فإنه يمكن تطوير إستراتيجية تقوم على تحسين الوضع المائي في المنطقة، وتحقيق الأمن المائي عن طريق تنمية الوعي لدى السكان بأهمية ترشيد الاستهلاك، وتطوير المصادر المحلية والقيام بالمشروعات المشتركة، وتطوير قواعد أساسية للبحث والدراسة من أجل مياه أكثر وبتكاليف أقل، ووضع إستراتيجية عربية موحدة للتعاون الكامل من أجل حماية مصادر المياه في الوطن العربي، والمبادرة في إقامة السوق العربية المشتركة دعمًا للأمن الغذائي العربي.
تحالف مائي:
وألقى المهندس عبد الرحمن مدني -وزير الري السوري- كلمة حول المياه والنزاع السوري الإسرائيلي، أشار فيها إلى أن المياه ما زالت أحد أسباب هذا النزاع، إضافة إلى احتلال الجولان؛ نظرًا لأن منظومة نهر الأردن تتلقى روافد كثيرة من منطقة الجولان المحتل التي تتميز بأنها غنية بالأمطار، حيث يبلغ متوسط حجم هطول المطر عليها (١.٢) مليار م3 سنويًا، يستخدم الكيان الصهيوني جزءًا منه لتغذية المستوطنات.
وقال إن أهمية هضبة الجولان بالنسبة للصهاينة لا تقتصر على الاعتبارات العسكرية والإستراتيجية، بل تتعداها إلى العوامل المرتبطة باستغلال إسرائيل لها في المجالات الاقتصادية، وتعتبر الموارد المائية من أهمها، حيث قامت بإنشاء نظامين لتوزيع المياه شمالي الجولان وجنوبه، وفي إشارة ضمنية إلى الممارسات التركية على مجرى نهري دجلة والفرات، طالب الوزير السوري بضرورة رسم إستراتيجية عربية للحفاظ على حقوق أمتنا العربية في المياه؛ حتى يستمر جریان مياه الأنهار الدولية وسيلة سلام بين الشعوب التي تعيش على هذه المجاري عبر التاريخ، وتبقى مصدرًا للخير لجميع سكان المنطقة.
وتحدث الدكتور مروان حداد -رئيس طاقم المياه الفلسطيني سابقًا- عن الأطماع الإسرائيلية في المياه الفلسطينية قائلًا: إن مفهوم إسرائيل المتعلق بالمياه والأمن المائي كان واضحًا منذ الأيام الأولى من ولادة فكرة الاستيطان في فلسطين، وحددت نظرتها لموضوع الأمن المائي من منطلق السيطرة بشكل مطلق على الأمور وإدارتها بشكل منفرد، ورأت إسرائيل ضرورة السيطرة الفعلية على جميع الموارد المائية في فلسطين والأراضي التي تغذي هذه الموارد، والتحكم في استخدامها؛ من أجل ذلك تقوم إسرائيل بعدوانها وعربدتها من حروب متعددة ضد العرب، بهدف السيطرة على المياه والأرض منذ حرب عام ١٩٦٧م، وأشار ناصر نصر الله -المدير العام للمصلحة الوطنية لنهر الليطاني لبنان- إلى أن الجزء الأكبر من الاحتياطي المائي الإسرائيلي العربي نحو (80%) يقع ضمن الأراضي التي جرى احتلالها نتيجة لعدوان يونيو عام ١٩٦٧م، ويتم تأمين مصادر هذه المياه بشكل رئيس من الانسيابات الجوفية من جنوب لبنان والجولان (۲۰۰ مليون م٣/ سنة)، ومن ثلاثة أنهار رئيسة هي الحاصباني، الوزاني (١٤٥ مليون م3/ سنة) والدان البانياس (٣٤٥ مليون م3 / سنة) واليرموك (۲۰۹ مليون م3/ سنة)، وهذه الأنهار تصب غالبيتها في بحيرة طبريا التي أصبحت المصدر الرئيس للمياه في إسرائيل منذ عام ١٩٦٤م، تاريخ بدء استثمار منظومة الضخ، ونقل المياه القطرية التي تؤمن مياه الري والخدمات حتى صحراء النقب، وعلى ذلك فإن معادلة الأرض مقابل السلام -ومن وجهة النظر الصهيونية- يحكمها شرط إستراتيجي هو الحفاظ على السيطرة على منابع نهر الأردن لتأمين الري ولتوسيع القاعدة الصناعية، ولمتابعة الاستيطان؛ لأن البدائل الأخرى لدى إسرائيل محدودة وباهظة التكاليف، وأكد نصر الله أن الأطماع الصهيونية في المياه من صلب الإستراتيجية التي حاولت جعل حدود إسرائيل تمتد إلى شمال الليطاني بمسافة (٢٥) ميلًا حتى شمالي مدينة صيدا، بحيث تتأمن السيطرة على الطاقات المائية اللبنانية من أهمها: نهر الحاصباني (١٤٥ مليون م3/ سنة) (ونهر الليطاني ٤١٠ مليون م3 سنة)، والمياه الجوفية عبر الحدود (١٥٠ مليون م3/ سنة).
منهجان متكاملان:
وتحدث المهندس عبد الحميد العقود -أمين اللجنة الشعبية في جهاز تنفيذ النهر الصناعي ليبيا- عن أهمية تجربة النهر الليبي الصناعي المسمى بالنهر العظيم، مشيرًا إلى أن المياه الجوفية تعتبر المصدر الرئيس للمياه العذبة في ليبيا، حيث توفر ما يزيد على (٩٨%) من المتطلبات، وقال إن الاستهلاك المتزايد قد أدى إلى نقص حاد في مستويات مكامن المياه الجوفية في الشمال الليبي، وأثبتت دراسات الجدوى أن تكلفة استخراج ونقل المتر المكعب من المياه من المكامن الجوفية بالجنوب إلى المدن الساحلية بواسطة أنابيب خرسانية تحت سطح الأرض- أقل بكثير من تحلية المياه، أو توطين السكان في الجنوب، وبناء على ذلك اعتبر خيار النهر الصناعي خيارًا إستراتيجيًا لحل الأزمة المائية، وتحول هذا الخيار من دراسات وإستراتيجيات إلى تطبيقات فعلية.
وقال الدكتور أحمد صالح أحمد الخبير المائي السوداني: إن السودان ومصر من بين دول النيل العشر في وضع لا تحسدان عليه، فهما كدولتي ممر ومصب لا سيطرة لهما على منابع النيل، وليست لهما مواد مائية بديلة دائمة، ومن الضروري للسودان ومصر تبني إستراتيجية موحدة بخصوص مياه النيل نظرًا لعدم وجود أي اتفاقيات قانونية تنظم قسمة المياه والانتفاع بها، والمحافظة عليها، ومن ملامح هذه الإستراتيجية بناء جسور ثقة مع دول الحوض، والعمل على إنشاء آلية للتعاون المشترك بين كل دول الحوض، وتوخي العدالة في استخدام المياه والشفافية في تبادل المعلومات، وتناول الأستاذ عبد العظيم حماد -مساعد رئيس تحرير صحيفة الأهرام - القاهرية- السياسة المصرية في حوض النيل، وأكد أن النيل لم يكن موضوعًا لمنازعات دولية بين مصر وغيرها من دول الحوض، ودخول مياه النيل ميدان الخلافات وربما المنازعات الدولية يعد تطورًا جديدًا نسبيًا أمام السياسة الخارجية المصرية، ويرتبط بالطبع بما يسمى «أزمة المياه»، وقال: إن السياسة المصرية تسير في منهجين متكاملين: الأول والأقوى هو منهج التعاون، والثاني هو الصراع كملجأ أخير، وهناك شواهد على أن مصر تحاول تغليب منهج التعاون ومن أمثلة ذلك الجهود المصرية من أجل قيام تجمع دول حوض النيل الأندوجو، وضمان فاعليته وتحسين العلاقات الثنائية مع كل دول الحوض، والحرص على عدم الانحياز في النزاعات في إقليم البحيرات، والعمل كوسيط أمين في اتجاه الحلول السلمية.
وأشار الأستاذ حماد إلى حقيقة مذهلة تقول إن كل ما يدور حوله الخلاف حاليًا على مياه النيل، وهي كل ما يصل إليه من جميع روافده لا تمثل سوى (%۸) فقط من الموارد الإجمالية للمياه في حوض النيل، ففي دراسة للدكتور ضياء القوصي -مدير مركز البحوث المائية السابق في مصر- جاء أن الإيراد الإجمالي للمياه في الحوض هو نحو (١٦٠٠) مليار متر مكعب، لا يستغل منها سوى (٨٤) مليار متر مكعب، وإذا كانت نسبة الفاقد تضيع في المستنقعات عن طريق الروافد القادمة من البحيرات الكبرى، فإن النسبة الأكبر هي التي تضيع من مياه الأمطار الموسمية على الهضبة الإثيوبية هابطة من الجانب الشرقي إلى البحر، وكان مشروع قناة جونجلي نموذجًا لإمكانات إنقاذ نسبة كبيرة من مياه المستنقعات في جنوب السودان، وقد عرضت مصر على إثيوبيا التعاون من أجل استغلال
المياه الضائعة في البحر.
وأكد الأستاذ حماد أن احتمالات منهج الصراع في تأمين احتياجات مصر من مياه النيل تظل قائمة خاصة في ظل ما يتردد عن الخطط الإسرائيلية في منطقة القرن الإفريقي وإقليم البحيرات الكبرى، وتناول باتريك ريبو -الباحث في المركز الوطني للأبحاث العلمية بجامعة باريس- الحديث عن العرب ومستقبل المفاوضات المتعددة المتعلقة بمياه الشرق الأوسط، قائلًا: إن السيطرة على المياه في المنطقة هي نتيجة تنازع القوى أكثر منها نتيجة اتفاقيات تناسب جميع الفرقاء خاصة في غياب القانون الدولي في صدد الأنهار، ومجاري المياه غير الصالحة للملاحة.
ومن الأمثلة على ذلك نهرا دجلة والفرات؛ حيث تسيطر تركيا على المياه بفضل موقعها الجغرافي وخياراتها الاقتصادية والسياسية، وبالنسبة لنهر الأردن فإن الغزو الإسرائيلي لا يهدف للسيطرة على المناطق المعروفة بالإستراتيجية من أجل أمن إسرائيل فحسب، بل للسيطرة أيضًا على الينابيع الرئيسة في جنوب لبنان والجولان السوري والضفة الغربية، وبالنسبة لنهر النيل يتعرض تقسيم المياه الذي حددته معاهدة ١٩٥٩م بين مصر والسودان إلى رفض إثيوبيا التي تسيطر على ينابيع النيل الأزرق وروافده، وحذر السيد باتريك ريبو -الباحث في المركز الوطني للأبحاث العلمية باريس- من الضغوط التي تمارسها الشركات الكبرى، وصندوق النقد الدولي، ومنظمة التجارة الدولية التي تهدف إلى جعل الماء سلعة مثل بقية المصادر، وقال إن النتيجة تفاقم عدم المساواة في المعاملة بين أصحاب حق الاستعمال في الحضر ونظائرهم في الريف، ولا تنسى طبعًا التناقضات الإقليمية.
وتحدث الدكتور رضا أرداكانيان -العالم الإيراني في مجال بحوث المياه- عن موضوع شبكة قنوات وخط أنابيب المياه في خدمة الحياة والصداقة، مشيرًا إلى أن تحلية مياه الخليج عملية مكلفة جدًا على الصعيد الإنتاجي، وقال: إن إيران تملك فائضًا مائيًا، وتتميز بموقع جغرافي وارتفاع طبوغرافي مثاليين بوسعهما أن يساعدا في نقل هذه المياه إلى دول الخليج العربي الجنوبية بواسطة ثقل الضخ المحدود.
وتناول الدكتور رضا كمية المياه التي يمكن أن تمد بها بلاده هذه الدول قائلًا: إن إيران تملك (٩٠) مليار م3 من فائض المياه النهائي منها (٢٠) مليار تجري في أحواض الخوزستان الهيدروجرافية، ويمكن السيطرة على (١٢) مليارًا من هذه المياه.