العنوان زواج بين خبرة الشيوخ وحماس الشباب
الكاتب د. علي الحمادي
تاريخ النشر السبت 15-ديسمبر-2007
مشاهدات 63
نشر في العدد 1781
نشر في الصفحة 46
السبت 15-ديسمبر-2007
من الأمور التي ينبغي أن يدركها الإنسان أن هناك تكاملًا بين خبرة الشيوخ وحماس الشباب، فمن الخطأ إشعال الصراع بين الشباب والشيوخ ، إذ لا يجوز أن يتهم الشيوخ الشباب بالتهور والطيش وقلة الخبرة والتكبر والتفلسف، كما لا يجوز أن يتهم الشباب الشيوخ بالتخلف والرجعية والتفكير المتحجر وقلة المعرفة.
إن العاقل الذكي هو الذي يستفيد من حماس الشباب وخبرة الشيوخ على حد سواء، فلكل دوره وفائدته، ولا نقصد من كلامنا هذا الشيخ التافه الذي لا عقل له ولا الشاب الطائش المغرور، أما بالنسبة لمكانة الشيوخ ومنزلتهم فقد قيل قديمًا، عليكم بآراء الشيوخ، فإنهم إن فقدوا ذكاء الطبع فقد مرت على عيونهم وجود العبر وتصدت لأسماعهم آثار الغير...
وقيل في منثور الحكم: من طال عمره، نقصت قوة بدنه.. وزادت قوة عقله .. وقيل كذلك؛ لا تدع الأيام جاهلًا إلا أدبته .. وقال بعض الحكماء كفى بالتجارب تأديبًا وبتقلب الأيام عظة ...
وقال أحد الشعراء:
ألم تر أن العقل زين لأهله
ولكن تمام العقل طول التجارب
وأما بالنسبة للشباب فقد قالت العرب عليكم بمشاورة الشباب؛ فإنهم ينتجون رأيا لم ينله طول القدم. ولا استولت عليه رطوبة الهرم ...
وروي أن غلامًا من علمان العرب لقي أبا العلاء المعري الشاعر الفحل فقال له: من أنت يا شيخ؟ قال أبو العلاء المعري شاعركم، فقال الغلام: أنت القائل في شعرك:
وإني وإن كنت الأخير زمانه
لآتٍ بما لم تستطعه الأوائل
قال: نعم، فقال الغلام: يا عماه إن الأوائل قد وضعوا ثمانية وعشرين حرفا للهجاء فهل لك أن تزيد حرفًا واحدًا؟ فدُهِش أبو العلاء من ذلك، وقال: والله ما عهدت لي سكوتًا كهذا السكوت ...
وسأل رجل غلامًا صغيرًا ذكيًا فقال: من الذي قبل الله، فأجابه الغلام عد لي من الواحد إلى العشرة لأجيبك؟ فلما ابتدأ بعد، قال له الغلام: ماذا قبل الواحد؟ فما استطاع الرجل أن يجيب فأجاب الغلام الذكي التقي قائلًا: قل الله الأول والآخر، ليس قبله شيء، وليس بعده شيء، فسُرَّ الرجل من ذكائه ومدحه على تقواه. وقحطت البادية أيام هشام بن عبد الملك، فقدمت إليه العرب فهابوا أن يتكلموا، وكان فيهم درواس بن حبيب، وهو إذ ذاك صبي، فوقعت عليه عين هشام فقال لحاجبه ما يشاء أحد يدخل علي إلا دخل حتى الصبيان، فوثب درواس ووقف بين يديه فقال يا أمير المؤمنين إنه أصابتنا سنون ثلاث: سنة أذابت الشحم، وسنة أكلت اللحم، وسنة مصت العظم، وفي أيديكم فضول أموال. فإن كانت لله ففرقوها على عباده، وإن كانت لهم فعلام تحبسونها عنهم، وإن كانت لكم فتصدقوا بها عليهم، فإن الله يجزي المتصدقين ولا يضيع أجر المحسنين، فقال هشام ما ترك لنا الغلام في واحدة من الثلاث عذرًا. فأمر للبوادي بمائة ألف دينار، وله بمائة ألف درهم فقال الصبي ارددها يا أمير المؤمنين إلى جائزة العرب فإني أخاف أن تعجز عن كفايتهم. فقال: أما لك حاجة؟ فقال: ما لي حاجة في خاصة نفسي دون عامة المسلمين، فخرج وهو من أنبل القوم.
ويروى كذلك أن الخليفة المهدي لما دخل البصرة رأى إياس بن معاوية .. وهو صبي، وخلفه أربعمائة من العلماء وأصحاب الطيالسة وإياس يتقدمهم فقال المهدي أما كان فيهم من يتقدمهم غير هذا الحدث. ثم إن المهدي التفت إلى إياس وقال له كم سنك يا فتى؟ فقال: سني أطال الله بقاء أمير المؤمنين، سن أسامة بن زيد بن حارثة لما ولاه رسول الله صلى الله عليه وسلم جيشًا فيه أبو بكر وعمر، فقال المهدي: تقدم بورك فيك.
ومن فطنة إياس وذكائه أنه نظر يومًا إلى رجل غريب فقال هذا غريب من واسط.. معلم کتاب هرب له غلام أسود، فوجد الأمر كما ذكر فقيل له من أين علمت ذلك؟ فقال: رأيته يمشي ويلتفت فعلمت أنه غريب، ورأيت على ثوبه حمرة تراب واسط فعلمت أنه من واسط، ورأيته يمر بالصبيان فيسلم عليهم ويدع الرجال فعلمت أنه معلم كتاب، وإذا مر بذي هيئة لم يلتفت إليه وإذا مر بأسود دنا منه يتأمل فعلمت أنه يبحث عن غلام أسود ..
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل