; الجزائر: زروال بين نار الحوار ونار الجماعات المسلحة | مجلة المجتمع

العنوان الجزائر: زروال بين نار الحوار ونار الجماعات المسلحة

الكاتب النذير المصمودي

تاريخ النشر الثلاثاء 12-أبريل-1994

مشاهدات 71

نشر في العدد 1095

نشر في الصفحة 38

الثلاثاء 12-أبريل-1994

تحول كرسي الرئاسة بالجزائر منذ إبعاد بن جديد عنه عام 1992م إلى كرسي «كهربائي» صاعق، وجد الرئيس الجزائري اليمين زروال نفسه عليه بين نارين: نار الجماعات المسلحة التي ترفض إلقاء السلاح، ونار جبهة المعارضة للحوار وسط فعاليات الحكم في السلطة التنفيذية والمؤسسة العسكرية، والحوار الذي بدأه زروال خيار ثالث وصعب، فهل يستطيع فرضه على القوى المتصارعة ويصل إلى تسوية سياسية بينها؟

فمنذ الوهلة الأولى لتسلم اليمين زروال رئاسة الجمهورية خلفًا للمجلس الأعلى للدولة تداولت بعض الدوائر الإعلامية والسياسية مقولة إن الرجل جيء به كما جيء بالرئيس الراحل محمد بوضياف ليلعب دورًا مؤقتًا يمكن النظام من توسيع هامش المناورة وربح الوقت، غير أن مساحة شهرين من حكمه كانت كافية للإيحاء بأن الرجل يمكن أن يكون متميزًا عمن سبقه بقدرته على فرض نفسه كرجل المرحلة الصعبة، وكان واضحًا عندما تم تنصيبه خلفًا لعلي كافي في 31 يناير الماضي أن القيادة العليا في المؤسسة العسكرية كانت تريد الخروج من المأزق الذي وضعت نفسها فيه بعد إلغاء الانتخابات. وكان واضحًا أيضًا أن شبه إجماع حصل في هيئة الأركان بوزارة الدفاع على شخص زروال نظرًا لسجله التاريخي وقدرته على المزاوجة بين الانفتاح على المعارضة السياسية، ومتابعة سياسة القضاء على العنف والإرهاب.

ولم يخفِ زروال وهو على رأس وزارة الدفاع قبل تقلده الرئاسة، قناعته بخيار الحوار للخروج من الطريق المسدود، وكشف في عدة مناسبات عن مفاصل مشروعه الصعب، بل وأكدت مصادر متطابقة أنه أجرى اتصالات فعلية بقيادة الإنقاذ نزيلة سجن البليدة العسكري «50 كم غرب الجزائر».

الديمقراطيون يعلنون الثورة على الديمقراطية

هذه الخطوة الجادة من زروال أحدثت تفاعلًا بين فعاليات الحكم في المؤسستين الحكومية والعسكرية، وانتهت إلى بلورة تيارين أساسيين داخل السلطة التنفيذية والمؤسسة العسكرية والأحزاب: تيار الحوار الذي يقوده زروال ومعه بعض الأوزان الثقيلة من الجنرالات في القيادة العسكرية العليا ومعظم الأحزاب الكبيرة والمتوسطة، وتيار معارضة الحوار الذي يقوده رضا مالك رئيس الحكومة ومعه وزير الداخلية ومستشارون في وزارة الدفاع وبعض قادة النواحي العسكرية إلى جانب رجال فكر وإعلام والأحزاب اليسارية، وأدى هذا التفاعل إلى بلورة خطابين متناقضين بشكل حاد بين رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة أبرزا بوضوح مدى الخلاف العميق بين الرئيسين، وأكدت مصادر مقربة من الطرفين أن كل طرف يزداد مع الأيام إصرارًا على بلوغ أهدافه الخفية والمعلنة، وهو ما أدى برئيس الحكومة إلى الكشف عن مشروعه المضاد خلال الكلمة التي ألقاها بمناسبة تأبين عبد القادر علولة المخرج المسرحي الذي اغتيل الشهر الماضي حيث أكد: «أن الحوار الوحيد هو الحرب بلا هوادة مع الإرهابيين»، فيما أكد الناطق الرسمي باسم رئاسة الجمهورية يوم الخميس 31 مارس الماضي في ندوة صحفية عقدها بالعاصمة اتصال زروال بقادة جبهة الإنقاذ واتفاقه معهم على خطة لتهدئة الوضع والعودة التدريجية إلى الحياة الديمقراطية والمسار الانتخابي.

واعتبر المراقبون هذا الوضوح في التناقض بداية لمواجهة حقيقية بين الطرفين قد ترغم زروال على تشكيل حكومة جديدة، وإخراج رضا مالك من اللعبة، ولا يستبعد أن يشتد اختبار القوة بين الطرفين في حال إقدام زروال على هذه الخطوة.

ويعتقد المراقبون أن تصريحات سعيد سعدي زعيم «التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية» التي أدلى بها مؤخرًا إلى صحيفة «لوفيغارو» الفرنسية هي الشرارة الأولى لحرب المواجهة بين زروال وجبهة المعارضة للحوار الذي يعتبر سعدي أحد رموزه البارزين. ويعتقد المراقبون أن دعوة سعدي في تصريحاته إلى تكوين ميليشيات مسلحة أمام ما أسماه بالعنف الإسلامي وعجز الدولة هي من صميم مشروع المعارضين للحوار بما فيهم رئيس الحكومة ووزير داخليته، ولا يتوقع أن يخرج زروال من هذه المواجهة منتصرًا دون اللجوء إلى فرض القوة منعًا للانزلاق إلى حرب أهلية حقيقية وشاملة. بينما ثمة من يرى أن هذا الإحراج قد يؤدي فعلاً إلى إخراج زروال من قصر الرئاسة والانزلاق بالتالي نحو الفوضى الشاملة.

جبهة الإنقاذ والجماعات المسلحة

رغم ما أعلن عن الاتفاق بين زروال وقيادات جبهة الإنقاذ بشأن تهدئة الوضع، ورغم الإقدام على إطلاق سراح «بوخمخم، ووجدي» من أجل الشروع في الحوار مع السلطة بتزكية من عباسي وبلحاج، فإن السؤال المطروح من كل الأطراف: إلى أي مدى يمكن أن يصل قادة الإنقاذ في التأثير على الجماعات الإسلامية المسلحة الرافضة لمبدأ الحوار جملة وتفصيلًا، وقد سبق لفصيل منها «الجماعة الإسلامية المسلحة» أن ندد بدعاة الحوار باسم الجبهة الإسلامية للإنقاذ أو ممثليها في الخارج؟ وهدد بالانتقام من القابلين بالتحاور مع السلطة؟

يجمع خبراء في الموضوع على أن جبهة الإنقاذ تجاوزتها جماعات متشددة ترفض إلقاء السلاح، ويشككون بعد عامين من تصاعد العنف والعنف المضاد في نفوذ مدني وبلحاج على بعض الجماعات المسلحة التي لم تعد تخضع لأي مرجعية، وتحولت إلى أجنحة كثيرة يصعب توجيهها والتحكم فيها والتأثير عليها.

ولا يرى المحللون أن تسفر المرحلة الأولى من الحوار بين زروال وقيادة الإنقاذ عن نتائج إيجابية باستثناء ما يمكن أن تحققه السلطة من مكاسب سياسية متمثلة في تقلص مساحة التعاطف الشعبي مع بعض الجماعات المسلحة الرافضة للحوار، وتقلص شروط جبهة الإنقاذ في القبول بمبدأ الحوار والتفاوض.

وأكدت معلومات متطابقة أن «بوخمخم، ووجدي» المفرج عنهما مؤخرًا قد باشرا اتصالاتهما ببعض الأحزاب السياسية، ويتوقع صدور بيان منهما لتحديد موقف الإنقاذ من عملية الحوار، فيما يشاع بين بعض الأوساط المقربة من رئاسة الجمهورية أن الاتفاق بين زروال وقادة الإنقاذ انتهى إلى الفشل بسبب تأخر قادة الإنقاذ المفرج عنهم في اتخاذ خطوات جادة وواضحة بشأن ما اتفق عليه سرًّا بين الطرفين. وترجح مصادر مقربة من جبهة الإنقاذ أن هذا التأخر يعود إلى تعقد الأمور وصعوبة الاتصال بأعضاء مجلس شورى الجبهة الإسلامية الموجودين خارج الجزائر، وقادة فصائل الجماعات المسلحة.

احتمالات مستقبلية

في هذه الأجواء المعقدة، يسود الاعتقاد بنجاح زروال في تجاوز الألغام المزروعة في طريقه، والوصول من ثم إلى تحقيق أهدافه في إبعاد شبح الحرب الأهلية، خصوصًا إذا نجح في تلبية الشروط الأساسية للمعارضة التي تطالب بالحوار والرجوع إلى المسار الديمقراطي والسماح لجبهة الإنقاذ بالعودة إلى وضعيتها القانونية التي تسمح لها بالنشاط وممارسة العمل السياسي، لكن كل هذا لن يتم حسب التوقعات بالسرعة المرغوبة والسهولة المطلوبة، خصوصًا في ظل التحركات المريبة التي دشنها سعيد سعدي بتصريحاته الأخيرة من باريس، ويبقى الأمل قائمًا لدى المراقبين في التحرك الشعبي لمساندة الحوار ونبذ العنف.

 

الرابط المختصر :