; رياض المؤمنين «5» - في فقه الدعوة -استعلاء في الطريق العالي | مجلة المجتمع

العنوان رياض المؤمنين «5» - في فقه الدعوة -استعلاء في الطريق العالي

الكاتب محمد أحمد الراشد

تاريخ النشر الثلاثاء 27-يونيو-1972

مشاهدات 106

نشر في العدد 106

نشر في الصفحة 22

الثلاثاء 27-يونيو-1972

رياض المؤمنين «5»

في فقه الدعوة

استعلاء في الطريق العالي

وقرأ جماعة من السلف: «هذا صراط عليٌّ مستقيم»

                                                              يكتبها : محمد أحمد الراشد

وأول ارتفاع يرتفعه المؤمن الداعية بهمته العالية هو الاستعلاء على الجاهلية التي من حوله.

إن الهمة بمجرد أن تصل أولى درجات العلو تنقل صاحبها نقلة بعيدة، وتدعه يشمخ، وينظر إلى الجاهليين نظر السيد في أول صفحة من ظلاله: «كما ينظر الكبير إلى عبث الأطفال، ومحاولات الأطفال، ولثغة الأطفال».

إنهم أقزام من حوله، يعيشون في المستنقع الآسن، وفي الدرك الهابط، وفي الظلام البهيم». «[1]»

أما هو فسائر في الطريق العالي.

علو لم يبتدعه، ولم يتكلفه، ولم يتمحل للاتصاف به، إنما هو مما أنعم به رب العالمين، إنه هو -سبحانه- سمى طريقه وصراطه ونهجه بـ الطريق العالي.

وإنها لتسمية ثمينة يكتشفها لنا الإمام ابن تيمية -رحمه الله- من قراءة أخرى لقول الله -تعالى-: ﴿هَٰذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ (سورة  الحجر: 41).

أشار إليها ابن عطية في تفسيره، فنقـل لنا عنه أنه قال: «إن جماعة من السلف قرأوا «عليٌّ مستقيم» من العلو والرفعة»، ثم قال ابن تيمية: «والإشارة بهذا على هذه القراءة إلى الإخلاص -لما استثنى إبليس من أخلص-، قال الله له: هذا الإخلاص طريق رفيع مستقيم، لا تنال أنت بإغوائك أهله» «[2]» أي لما قال إبليس: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾. سورة ص: 82-83).

فهو طريق عالٍ مستقيم، كما أسماه الله -تعالى-، والطرق غيره واطئة، والسالك في هذا الطريق العالي يستعلي منذ أول قدم يضعها في بدايته، ويحلق في الأعالي تبعًا لسلوكه هذا، وبمجرد سلوكه من غير رفرفة جناح أو جهد آخر، أو ما يظنه السطحي تطاولًا وتكبرًا.

ومن هنا كان نظره ذاك طبيعيًّا، إذ لما كان هو في العلو وطريق السماء، فهو إذن لا يبصر من في الأسفل وطرق الأرض إلا صغارًا، وتلك ظاهرة فيزيائية، ومعادلة رياضية، كما أنها حقيقة إيمانية.

ومن هنا كان المكان الطبيعي المعتاد للمسلم هو مكان القيادة والتصدر لا التبعية والانقياد، إذ الإسلام الذي يحمله هو «بطبيعته عقيدة استعـلاء ومنهج قيادة» «[3]»، ولذلك أمر الله المسلمين ألا يهنوا، وأن ينتهوا عن دعوة الكفر إلى المسالمة والعيش المتصالح، فقال سبحانه: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ﴾ ( سورة محمد: 35).

أنتم الأعلون اعتقادًا وتصورًا للحياة، وأنتم الأعلون ارتباطًا وصلة بالعلي الأعلى، وأنتم الأعلون منهجًا وهدفًا وغاية، وأنتم الأعلون شعورًا وخلقًا وسلوكًا، ثم أنتم الأعلون قوة ومكانًا ونصرة، فمعكم القوة الكبرى «والله معكم»، فلستم وحدكم.

إنكم في صحبة العلي الجبار القادر القهار، وهو لكم نصير حاضر معكم يدافع عنكم. «[4]»

وابتغاء رسوخ هذا الشعور في نفوس المؤمنين كرره الله -تعالى-، فقال:

﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ ( سورة آل عمران: 139).

إنه «الاستعلاء على قوى الأرض الحائدة عن منهج الإيمان، وعلى قيم الأرض التي لم تنبثق من أصل الإيمان، وعلى تقاليد الأرض التي لم يصغها الإيمان، وعلى قوانين الأرض التي لم يشرعها الإيمان، وعلى أوضاع الأرض التي لم ينشئها الإيمان.

الاستعلاء مع ضعف القوة وقلة العدد وفقر المال كالاستعلاء مع القوة والكثرة والغنى على السواء.

الاستعلاء الذي لا يتهاوى أمام قوة باغية، ولا عرف اجتماعي، ولا تشريع باطل، ولا وضع مقبول عند الناس، ولا سند له من الإيمان.

وليست حالة التماسك والثبات في الجهاد إلا حالة واحدة من حالات الاستعلاء التي يشملها هذا التوجيه الإلهي العظيم.

والاستعلاء بالإيمان ليس مجرد عزمة مفردة، ولا نخوة دافعة، ولا حماسة فائرة، إنما هو الاستعلاء القائم على الحق الثابت المركوز في طبيعة الوجود، الحق الباقي وراء منطق القوة، وتصور البيئة، واصطلاح المجتمع، وتعارف الناس؛ لأنه موصول بالله الحي الذي لا يموت.

إن للمجتمع منطقه السائد وعرفه العام وضغطه الساحق ووزنه الثقيل على من ليس يحتمي منه بركن ركين، وعلى من يواجهه بلا سند متين، وللتصورات السائدة والأفكار الشائعة إيحاؤها الذي يصعب التخلص منه بغير الاستقرار على حقيقة تصغر في ظلها تلك التصورات والأفكار، والاستمداد من مصدر أعلى من مصادرها وأكبر وأقوى». «[5]»

«إن المؤمن هو الأعلى، الأعلى سندًا ومصدرًا، فما تكون الأرض كلها؟ وما يكون الناس؟ وما تكون القيم السـائدة في الأرض، والاعتبارات الشائعة عند الناس؟ وهو من الله يتلقى، وإلى الله يرجع، وعلى منهجه يسير!

وهو الأعلى إدراكًا وتصورًا لحقيقة الوجود؛ فالإيمان بالله الواحد في هذه الصورة التي جاء بها الإسلام هو أكمل صورة للمعرفة بالحقيقة الكبرى، وحين تقاس هذه الصورة إلى ذلك الركام من التصورات والعقائد والمذاهب، سـواء ما جاءت به الفلسفات الكبرى قديمًا وحديثًا وما انتهت إليه العقائد الوثنية والكتابية المحرفة، وما اعتسفته المذاهب المادية الكالحة حين تقاس هذه الصـورة المشرقة الواضحة الجميلة المتناسقة إلى ذلك الركام وهذه التعسفات، تتجلى عظمة العقيدة الإسلامية كما لم تتجلَّ قط، وما من شك أن الذين يعرفون هذه المعرفة هم الأعلون على كل من هناك.

وهو الأعلى تصورًا للقيم والموازين التي توزن بها الحياة والأحـداث والأشياء والأشخاص، فالعقيدة المنبثقة من المعرفة بالله بصفاته كما جاء بها الإسلام، ومن المعرفة بحقائق القيم في الوجود الكبير لا في میدان الأرض الصغيرة، هذه العقيدة من شأنها أن تمنح المؤمن تصورًا للقيم أعلى وأضبط من تلك الموازين المختلفة في أيدي البشر، الذين لا يدركون إلا ما تحت أقدامهم، ولا يثبتون على ميزان واحد في الجيل الواحد بل في الأمة الواحدة، بل في النفس الواحدة من حين إلى حين.

وهو الأعلى ضميرًا وشعورًا وخلقًا وسلوكًا، فإن عقيدته في الله ذي الأسماء الحسنى والصفات المثلى، هي بذاتها موحية بالرفعة والنظافة والطهارة والعفة والتقوى والعمل الصالح والخلافة الراشدة فضلًا على إيحاء العقيدة عن الجزاء في الآخرة، الجزاء الذي تهون أمامه متاعب الدنيا وآلامها جميعًا، ويطمئن إليه ضمير المؤمن، ولو خرج من الحياة الدنيا بغير نصيب.

وهو الأعلى شريعة ونظامًا، وحين يراجع المؤمن كل ما عرفته البشرية قديمًا وحديثًا، ويقيسه إلى شريعته ونظامه، فسيراه كله أشبه شيء بمحاولات الأطفال وخبط العميان، إلى جانب الشريعة الناضجة والنظام الكامل. وسينظر إلى البشرية الضالة من عل في عطف وإشفاق على بؤسها وشقوتها، ولا يجد في نفسه إلا الاستعلاء على الشقوة والضلال». «[6]»

عزة هي الجناح

ولكن لن يتمكن المسلم من أن يذوق هذا الاستعلاء على من في الأرض من القوى الباطلة، والتصورات الباطلة، والقوانين الباطلة، حتى يعلو هو عن الأرض نفسها وقيودها، وشهواتها، وندائها، ولذائذها الموهومة.

إنه علو عن الأرض، اسمه في قاموسنا: العزة الإيمانية.

«والعزة الصحيحة حقيقة تستقر في القلب قبل أن يكون لها مظهر في دنيا الناس، حقيقة تستقر في القلب فيستعلى بها على كل أسباب الذلة والانحناء لغير الله، حقيقة يستعلي بها على نفسه أول ما يستعلي، يستعلي بها على شهواته المذلة، ورغائبه القـاهرة، ومخاوفه ومطامعه من الناس وغير الناس، ومتى استعلى على هذه فلن يملك أحد وسيلة لإذلاله وإخضاعه، فإنها تذل الناس شهواتهم ورغباتهم ومخاوفهم ومطامعهم، ومن استعلى عليها فقد استعلى على كل وضع، وعلى كل شيء، وعلى كل إنسان، وهذه هي العزة الحقيقية ذات القوة والاستعلاء والسلطان!

إن العزة ليست عنادًا جامحًا يستكبر على الحق ويتشامخ بالباطل، وليست طغيانًا فاجرًا يضرب في عتو وتجبر وإصرار، وليست اندفاعًا باغيًا يخضع للنزوة ويذل للشهوة، وليست قوة عمياء تبطش بلا حق ولا عدل ولا صلاح، كلا! إنما العزة استعلاء على شهـوة النفس، واستعلاء على القيد والذل، واستعلاء على الخضوع الخانع لغير الله، ثم هي خضوع لله وخشوع، وخشية لله وتقوى، ومراقبة لله في السراء والضراء، ومن هذا الخضوع لله ترتفع الجباه، ومن هذه الخشية لله تصمد لكل ما يأباه، ومن هذه المراقبة لله لا تعنى إلا برضاه». «[7]»

وإذا ذاقها المسلم حقًّا عرف حين يذوقها أنها أعظم لذة تتصاغر دونها كل لذائذ الطعام والنساء والوظائف الكبيرة، وعرف صدق عزام حين يقول:

خير ما لذه الكريم الآباء. «[8]»

لذلك كان دأب إقبال أن يستنهض من التصق بالأرض، أو من استخفى فولج كهوف الأرض، خوفًا أو تكاسلًا وتقاعدًا، فيدعوه إلى الخروج من جاذبيتها، وخداع أوهامها، والتحليق عاليًا عاليًا.

أنت يا من لم يطر منك جناح

                          دودة في ظلمة الترب تراح

مستكين تشتكي جور الزمان

                            قد أصيب الذل من هجر القرآن

قد هبطت الأرض طهرًا كالندى

                          بالكتاب الحي أمسكت يدا

فإلام العيش في الترب؟ ارحلا

                          اصعدن فوق السماوات العلى «[9]»

إن المسلم الحق لا يلتصق بالأرض يومًا، ولا يكون في المؤخرة يومًا؛ لأنه يشعر بما هو فيه من «تبعة الوصاية على هذه البشرية في مشارق الأرض ومغاربها، وتبعة القيادة في هذه الأرض للقطعان الضالة، وهدايتها إلى الدين القيم، والطريق السوي». «[10]»

لا رخاوة، ولا حل وسط، بل إرادة تغيیر

ومن هذا الشعور بهذه المهمة القيادية صرت تجد إرادة التغيير صفة لازمة وديدنا مستمرًّا للمستعملين المتسامين في فلك الاستعلاء.

لا يتنازلون، ولا يهبطون درجة، ولا يتلونون، ولا يرضون بوسط ومناصفة، ولا يكتفون بدعاء ولا بقصائد تتلی، ویأبون إلا صد تيار الفساد، وإقصاء الجاهلية، وتغيير مجرى التاريخ الذي يريده الطواغيت.

ويومها ظن مسيلمة الكذاب أن الأمر أمر شهوة تسلط، ونزوات، ورغبة استعباد الناس، فجاء يعرض على النبي -صلى الله عليه وسلم- مناصفة، ثمنها الكف والتهادن، ولم يكن المسكين يدري أي علو في التوحيد يستحيل معه التنازل عن شيء من   متمماته، وفوجيء برسول الله -صلى الله عليه وسلم- وفي يده قطعة جريدة سعف نخل، يقول له: «لو سألتني هذه القطعة ما أعطيتكها، ولن أتعدى أمر الله فيك، ولئن أدبرت ليعقرنك الله». «[11]»

والله ما يكون جواب عصبة الإيمان على أهواء الأرض وأحزاب الباطل، حين تعرض اليوم عروض الحلول الوسطى إلا جواب النبي -صلى الله عليه وسلم- لمسيلمة، وإلا أن تعلنها صراحة: لو سألتمونا أي تنازل مهما قل فلن ننزل لكم، ولن نتعدى أمر الله فيكم، نأمركم بالمعروف والحسنى، وننهاكم عن المنكر الذي أنتم فيه، فإن توليتم فليعقرنكم الله.

«ويستحيل تلفيق منهج نصفه من هنا، ونصفه من هناك، وكما أن الله لا يغفر أن يشرك به، فكذلك هو لا يقبل منهجًا مع منهجه، هذه كتلك سواء بسواء؛ لأن هذه هي تلك على وجه اليقين.

هذه الحقيقة ينبغي أن تكون من القوة والوضوح في نفوسنا ونحن نقدم الإسلام للناس، بحيث لا نتلجلج في الإدلاء بها، ولا نتركهم حتى يستيقنوا أن الإسلام حين يفيئون إليه سيبدل حياتهم تبديلًا، سيبدل تصوراتهم عن الحياة كلها، كما سيبدل أوضاعهم كذلك، سيبدلها ليعطيهم خيرًا منها بما لا يقاس، سيبدلها ليرفع تصوراتهم ويرفع أوضاعهم، ويجعلهم أقرب إلى المستوى الكريم اللائق بحياة الإنسان، ولن يبقي لهم شيئًا من أوضاع الجاهلية الهابطة التي هم فيها، اللهم إلا الجزئيات التي يتصادف أن يكون لها من جزئيات النظام الإسلامي شبيه، وحتى هذه لن تكون هي بعينها؛ لأنها ستكون مشدودة إلى أصل كبير يختلف اختلافًا بيِّنًا عن الأصل الذي هم مشددون إليه الآن، أصل الجاهلية النكد الخبيث! وهو في الوقت ذاته لن يسلبهم شيئًا من المعرفة العلمية البحتة، بل سيدفعها قوية إلى الأمام.

يجب ألا ندع الناس حتى يدركوا أن الإسلام ليس هو أي مذهب من المذاهب الاجتماعية الوضعية، كما أنه ليس أي نظام من أنظمة الحكم الوضعية، بشتى أسمائها وشياتها وراياتها جميعًا، وإنما هو الإسلام فقط! الإسلام بشخصيته المستقلة وتصوره المستقل وأوضاعه المستقلة، الإسلام الذي يحقق للبشرية خيرًا مما تحلم به كله من وراء هذه الأوضاع.

الإسلام الرفيع النظيف المتناسق الجميل الصادر مباشرة من الله العلي الكبير». «[12]»

والمسلم لا يقنع حتى يرى قومه مثالًا لهذه النظافة والتناسق والجمال، ولا يكفيه النور الضعيف ولا البصيص، وإنما يبغي الشمس الكاملة، فيأخذ يترنم.

نحن لا نرضى بنار الغسق

                     نحن لا نرضى بنور الشفق

نحن لا نرضى بنجم الصبح لاح

                    لا ولا نرضى تباشير الصباح

نحن لا نرضى نجومًا لامعة

                   إنما نبغي شموسًا طالعة «[13]»

لهذا كان من علامة صدق المسلم ألَّا يرضى بتسلط الجاهلية، ومضت أعراف الدعاة بذلك، وقالوا: «إنه من كان يؤمن بالله ورسوله لا يمكنه أن يرضى بتسلط النظام الباطل، أو يقعد عن بذل نفسه وماله في سبيل إقامة نظام الحق، فكل من يبدو في أعماله شيء من الضعف والاستكانة في هذا الباب، فاعلم أنه مدخول في إيمانه، مرتاب في أمره». «[14]»

 ووقف شاعرهم يعلن هذه المادة من دستور العمل.

لسنا نريد مناهجًا وضعية

                      قرآننا السامي أعز وأرفع

ستحطم الأغلال عن أعناقنا

                     ونصد تيار الفساد ونمنع «[15]»

ثم يعود فيؤكد في وقفة أخرى:

أنا مسلم لا أرتضيها عيشة

                      نكراء بين مشرق ومغرب

أنا مسلم لا أدعيها فكرة

                     أوحى إليَّ بها دماغ الأجنبي

أنا مسلم آمنت أن محمدًا

                   قد جاء بالشرع الحنيف الأصوب «[16]»

 ويعود فقيه الدعوة الأستاذ المودودي، يشرح مرة أخرى لمن عساه في حاجة إلى مزید بیان، فتنطلق من لسانه الكريم الكلمات المجلجلة:

«إن هذه الشريعة الإلهية لم تنزل للأقزام الخانعين، ولا لعبدة الأهواء وموالي الدنيا، ولا لأمثال الريشة الطائرة في مهب الريح، أو أمثال الغثاء الجاري مع تيار الماء، ولا للحربائيين الذين يتلونون بكل لون من ألوان البيئة، وإنما نزلت لأولئك الليوث الأبطال الذين يجدون أنفسهـم أقوياء على تغيير مهب الريح، ومقاومة التيار، وتحويل مجراه إلى الجهة الصحيحة، والذين يحبون صبغة الله فوق ما سواها، وقد عزموا على أن يصبغوا جميع العالم بهذه الصبغة، إن الكائن الذي يقال له «المسلم»، لم يخلق للانسياق مع التيار، وإنما الغاية من وراء خلقه في هذه الدنيا أن يوجه تيار الحياة في الوجهة التي هي وجهة الحق والصواب بحسب إيمانه وعقيدته، ولئن كان هذا التيار قد غير مجراه من هذه الجهة الصحيحة، فكاذب في دعوى الإسلام من يرضى بهذا المجرى المتحول عن وجهة الصواب، وإن الذي هو مسلم حقًّا وبكل معنى الكلمة لا جرم أن يزاحم سير هذا التيار المنحرف، ويبذل غاية وسعه في صرف مجراه، ولن يهمه في هذا الجهد نيل الفوز أو حصول الخيبة، بل إنه سيحتمل ما يناله فيه من الخسارة والضرر، ولن تنهزم روحه المكافحة حتى وإن انكسرت أعضاؤه من جهد الصراع مع التيار، وتفككت أوصاله وألقته الأمواج على الشاطئ مهزولًا مغشيًّا عليه. «[17]»

»والحق: أن المفكر المعتد بفكره، المعتز بنفسه، لا يرى في الواقع حجة، فكم من واقع هو زور أو جور أو ضرر.

إن جهاد المصلحين في الأمم أكثره لإزالة الباطل والشر، أي إزالة الواقع المكروه وإثبات النافع، ولعل أكبر ما يميز أمة من أمة، وإنسانًا من آخر، هو الخضوع للواقع أو الاستكبار عليه». «[18]»

ذلك هو عرف المؤمنين.

والمسلم -لأنه مسلم- لا يعرف إلا الاستكبار على الواقع المنحرف عن الاستقامة التي أرادها الله، ووظيفة الداعية «هي إقصاء الجاهلية من قيادة البشرية، وتولي هذه القيادة على منهجه الخاص، المستقل الملامح، الأصيل الخصائص، يريد بهذه القيادة الرشيدة الخير للبشرية واليسر، الخير الذي ينشأ من رد البشرية إلى خالقها، واليسير الذي ينشأ من التنسيق بين حركة البشرية، وبتولي هذه القيادة السياسية في البلاد من أول ما أوصل بحكمه في حاجة ماسة إلى ما لا يمكن يكون على منهجه الخاص المستقل، ترتفع إلى المستوى الكريم الذي أراده الله لها، وتخلص من حكم الهوى، أو كما قال ربعي بن عامر حين سأله رستم قائد الفرس: ما الذي جاء بكم؟ فكان جوابه: الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام.

لم يجئ الإسلام إذن ليربت على شهوات الناس الممثلة في تصوراتهم وأنظمتهم وأوضاعهم وعاداتهم وتقاليدهم، سواء منها ما عاصر مجيء الإسلام، أو ما تخوض البشرية فيه الآن، في الشرق أو في الغرب سواء، إنما جاء ليلغي هذا كله إلغاء، وينسخه نسخًا، ويقيم الحياة البشرية على أسسه الخاصة». «[19]»

فهو إقصاء بكل ما تحمله الكلمة من معنی.

أي قلع هذه النبتة الضارة، ورميها بعيدًا.

وذلك لا يكون بمجرد الدعاء، ولا بالخطب والقصائد، وإنما بشيء آخر أکثر نفاذًا وتأثيرًا، سموه الحر الذي يفهم، فقالوا:

إسلامنا لا يستقيم عموده

                      بدعاء شيخ في زوايا المسجد

إسلامنا لا يستقيم عموده

                      بقصائد تتلى لمدح محمـد

إسلامنا نور يضيء طريقنا

                        إسلامنا نار على من يعتدي «[20]»

 وضمانة ذلك استمرار هذا الاستعلاء، ورفض التنازل بداية وخلال السير ونهاية، فإن عروض التنازل لن تنقطع، والدعاية للحل الوسط لن تسكت، و «هي محاولات أصحاب السلطان مع أصحاب الدعوات دائمًا، محاولة إغرائهم لينحرفوا -ولو قليلًا- عن استقامة الدعوة وصلابتها، ويرضوا بالحلول الوسط التي يغرونهم بها في مقابل مغانم كثيرة، ومن حملة الدعوات من يفتن بهذا عن دعوته؛ لأنه يرى الأمر هينًا، فأصحاب السلطان لا يطلبون إليه أن يترك دعوته كلية، إنما هم يطلبون تعديلات طفيفة ليلتقي الطرفان في منتصف الطريق، وقد يدخل الشيطان على حامل الدعوة من هذه الثغرة، فيتصور أن خير الدعوة في کسب أصحاب السلطان إليها، ولو بالتنازل عن جانب منها.

ولكن الانحراف الطفيف في أول الطريق ينتمي إلى الانحراف الكامل في نهاية الطريق، وصاحب الدعوة الذي يقبل التسليم في جزء منها ولو يسير، وفي إغفال طرف منها ولو ضئيل، لا يملك أن يقف عندما يسلم به أول مرة؛ لأن استعداده للتسليم يتزايد كلما رجع خطوة إلى الوراء.

والمسألة مسألة إيمان بالدعوة كلها، فالذي ينزل عن جزء منها مهما صغر، والذي يسكت عن طرف منها مهما ضؤل، لا يمكن أن يكون مؤمنًا بدعوته حق الإيمان؛ فكل جانب من جوانب الدعوة في نظر المؤمن هو حق كالآخر، وليس فيها فاضل ومفضول، وليس فيها ضروري ونافلة، وليس فيها ما يمكن الاستغناء عنه، وهي كل متكامل يفقد خصائصه كلها حين يفقد أحد أجزائه، كالمركب يفقد خواصه، ومن هنا كان من شرط الإيمان الذي لا يتم إلا به أن يغير صاحبه المنكر بقلبه، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان»، فيعتقد كراهيته وبطلانه؛ ليحجبه ذلك عن الرضى يومًا ببعض وجوه المنكر وأشكاله العديدة إذا تعرض للمساومة، وما يكون التنازل عن شيء من الإسلام إلا ليحل محله في القلب شيء من أضداده من صور الباطل والمنكر، «فالتغيير بالقلب يعنى كراهية المنكر، وهو وإن لم يكن إزالة وتغيير -كما يقول الإمام النووي- إلا أنه مقدمة للتغيير، وتهيؤ له، وإعداد النفس لتغييره فعلًا؛ لأن الإنسان عادة لا يزيل شيئًا يحبه، وإنما يزيل ويغير شيئًا يكرهه، فكراهة الشيء مقدمة لإزالته وسابقة لتغييره، فجاز إطلاق اسم التغيير على کراهة القلب للمنكر بهذا الاعتبار، وكراهية القلب للمنكر تجعل القلب حيًّا عامرًا بالإيمان ذا حساسية كافية ضد المنكرات والفساد، ولا يسع المسلم ترك هذه الكراهية، وإذا فقدها كان ذلك علامة مرض لقلبه، فليسارع إلى تطبيبه بعلاج الإيمان قبل فوات الأوان، وقد اعتبر الإمام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- عـدم الإنكار القلبي ردة عن الإسلام، فقد قال -رحمه الله- في الفتاوى 5/182 : والمرتد من أشرك بالله -تعالى-، أو كان مبغضًا للرسول -صلى الله عليه وسلم-، ولما جاء به أو ترك إنكار منكر بقلبه». «[21]»

لا خوف ولا ذل، بل رفض وبذل، وما دام الأمر كذلك، فإن الداعية يقف موقف التحدي الواضح، ويبدأ صراعه مع أئمة الجاهلية، ويعلي صوته بنداء الإيمان.

يا هذه الدنيا أصيخي واشهدي

                            أنَّا بغير محمد لا نقتدي

لا رأسمال الغرب ينفعنا ولا

                           فوضى شيوعي سخيف أبلد

وسطًا نعيش كما يريد إلهنا

                           لا نستعر مبادئًا، لانجتدي «[22]»

 لكنه يعلم إذ يقول ذلك أن الأمر أمر جد، وما هو بالهزل، وأنه لا بد له من تعب ونصب «فأمر العقيدة لا رخاوة فيه ولا تميع، ولا يقبل أنصاف الحلول ولا الهزل ولا الرخاوة، إنه عهد الله مع المؤمنين، وهو جد وحق، فلا سبيل فيه لغير الجد والحق، وله تكاليف شاقة، نعم! ولكن هذه هي طبيعته، إنه أمر عظيم، أعظم من كل ما في هذا الوجود، فلا بد أن تقبل عليه النفس إقبال الجاد القاصد العارف بتكاليفه، المتجمع الهم والعزيمة، المصمم على هذه التكاليف، ولا بد أن يدرك صاحب هذا الأمر أنه إنما يودع حياة الدعة والرخاء والرخاوة، كما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقد نودي للتكليف: «مضى عهد النوم يا خديجة»، وكما قال له ربه: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ ( سورة المزمل: 5). «[23]»

ولا بد من تجوال، وذهاب وإياب، ولفحة شمس.

 قد ترحلنا من الفج العميق

                        لا نبالي بقريب أو سحيق

قد غنينا عن مبيت ومقيل

                      وعن الأمواه والظل والظليل «[24]»

ثم بعد هذا لا بد من تفويت فرص دنيوية.

وما أحلى هذا التفويت عند الداعية وما ألذه، ولكن من لا عقيدة لهم ولا منهج في الحياة ممن حوله: من أقاربه ومعارفه وجيرانه في السكن والسوق والوظيفة، يظنون ذلك حرمانًا، ويدعونه -من باب الرفق به- لأن يغمض عينه عن أمور وأمور؛ لئلا يحرم نفسه من فرص شراء وترقيات يتمنونها له.

وقديمًا، تعرض الداعية الزاهد الثقة محمد بن كناسة الكوفي لمثل هذا الرفق الموهوم، فأرسلها أبياتًا رائعة، كانت جوابًا لصحبه، وأرادها لكل الدعاة من بعده، يرسلونها جوابًا أن أعوزتهـم البلاغة.

يقولون لو غمّضت لازددت رفعة

                          فقلت لهم: إني إذن لحريص

أتكلم وجهي لا أبا لأبيكم  

                        مطامع عنها للكرام محيص

معاشي دوين القوت والعرض وافر

                      وبطني عن جدوى اللئام خميص

سألقي المنايا لم أخالط دنية

                        ولم تسر بي في المخزيات قلوص «[25]»

وإنما التغميض شرعة الأذلاء والضعفاء والجماهير الخائرة.

«والضعف ليس عذرًا، بل هو الجريمة، فما يريد الله لأحد أن يكون ضعيفًا، وهو يدعو الناس كلهم إلى حماه يعتزون به والعزة لله، وما يريد الله لأحد أن ينزل طائعًا عن نصيبه في الحرية -التي هي ميزته ومناط تكريمه- أو أن ينزل کارهًا، والقوة المادية -كائنة ما كانت- لا تملك أن تستعبد إنسانًا يريد الحرية، ويستمسك بكرامته الآدمية، فقصاری ما تملكه تلك القوة أن تملك الجسد، تؤذيه وتعذبه وتكبله وتحبسه، أما الروح، أما العقل، فلا يملك أحد حبسها ولا استذلالها، إلا أن يسلمها للحبس والإذلال!

من ذا الذي يملك أن يجعل أولئك الضعفاء تبعًا للمستكبرين في العقيدة، وفي التفكير، وفي السلوك؟! من ذا الذي يملك أن يجعل أولئك الضعفاء يدينون لغير الله، والله خالقهم ورازقهم وكافلهم دون سواه؟! لا أحد، لا أحد إلا أنفسهم الضعيفة، فهم ضعفاء، لا لأنهم أقل قوة مادية من الطغاة، ولا لأنهم أقل جاهًا أو مالًا أو منصبًا أو مقامًا، كلا، إن هذه كلها أعراض خارجية لا تعد بذاتها ضعفًا يلحق صفة الضعف بالضعفاء، إنما هم ضعفاء لأن الضعف في أرواحهم وفي قلوبهم وفي نخوتهم وفي اعتزازهم بأخص خصائص الإنسان!

إن المستضعفين كثرة، والطواغيت قلة، فمن ذا الذي يخضع الكثرة للقلة؟ وماذا الذي يخضعها؟ إنما يخضعها ضعف الروح، وسقوط الهمة، وقلة النخوة، والتنازل الداخلي عن الكرامة التي وهبها الله لبني الانسان!

إن الطغاة لا يملكون أن يستذلوا الجماهير إلا برغبة هذه الجماهير؛ فهي دائمًا قادرة على الوقوف لهم لو أرادت؛ فالإرادة هي التي تنقص هذه القطعان!

إن الذل لا ينشأ إلا عن قابلية للذل في نفوس الأذلاء، وهذه القابلية هي وحدها التي يعتمد عليها الطغاة!!». «[26]»

«إنهم يسلمون رقابهم لعبيد منهم، يتألهون عليهم، ويشرعون لهم -سواء القوانين أو القيم والتقاليد-، وما أولئك بالمؤمنين، فالمؤمن لا يدع عبدًا من العبيد يتأله عليه، ولا يجعل عبدًا من العبيد ربه الذي يصرف حياته بشرعه وأمره». «[27]»

أما نحن فنستعلي دائمًا؛ لأننا نحن أبناء ذلك الصقر السامي الذي أوصى ابنه، فسمعه اقبال يقول:

ولقطك حبا بأرض خطاء

                       حبانا الإله عنان السماء «[28]»

وقد أعزنا الله بهذا الجهاد، والبذل، والتجرد، وتحدي أئمة الكفر، وكل ذلك سمو وعلو، وما ينبغي لنا أن نسفل ونزاحم على لقط الدنانير مع اللاقطين، ولا ولوج أبواب الثراء بالتغميض مع الوالجين.

وكما كان استعلاؤنا بداية وتوسطًا سيكون نهاية، حين يحس أحدنا عند موته أنه قد أدى دورًا ولم يكن هملًا، وأنه سار ضمن موكب الإيمان وقافلته، ووصل عمل من مضى، يعمل من دعاهم ورباهم ممن سيواصلون السير من بعده.

وحسب أحدنا أنه كان يقف كل يوم على قارعة الطريق، ويتفرس الوجوه، ويستوقف صاحب وجه طلق صبوح، فيسره -وما هو بالسر-:

لا بد للعالم أن يهتدي.

هات يد العزم فهذي يدي.

                           ولترتفع راية قرآننا «[29]»

فيأخذ بيده ويمضي، بعد أن يثبت له أن وجود دعوة الإسلام سنة كونية.

ويكفيه أن يده التي مدها، قد صافحتها من أيادي العزم العشرات، إنها ثروته من بعده، وما أجملها من ثروة.

وإنه رصيده الذي سيلقى به الله، وما أحراه بالقبول من رصيد .

وإنهم المستغفرون له من بعده بلسان واحد «اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده، واغفر لنا وله» «اللهم لا تحرمه أجرنا إنه هو دعانا» ولمثل هذا الاستغفار يعمل من له قلب فقيه.

 

[1] -  الظلال 1/3

[2] - مجموع فتاوى ابن تيمية 15/204

[3] - مقدمة سيد لكتاب ماذا خسر العالم / ١٩

[4] - الظلال 26/77

[5] - معالم في الطريق / ١٦٣

[6] - » الظلال 22/113

[7] - شطر من ديوان المثاني لعزام / ٤٩

[8] - دیوان الأسرار والرموز لإقبال / 149

[9] - مقدمة سيد لكتاب ماذا خسر العالم / ١٧

[10] - صحیح مسلم 7/57، والقصة عند البخاري أيضًا.

[11] - معالم في الطريق / ١٥٢

[12] - لعزام من قصيدة اللمعات الملحقة برسالة المشرق لإقبال.

[13] - الأسس الأخلاقية للحركة الإسلامية للمودودي / ١٧

[14] - لوليد في ديوان الشعاع / ١٤

[15] - لوليد في ديوان الزوابع / ٦٤

[16] - نحن والحضارة الغربية للمودودي / ٢٤٨

[17] - لعبد الوهاب عزام في الشوارده / 5

[18] - معالم في الطريق / ١٥١

[19] - ديوان الزوابع / ٥٦

[20] ديوان الزوابع / ٥٦

[21] – أصول الدعوة / ١٤٥

[22] - الزوابع / 56

[23] - الظلال 1/96

[24] - من قصيدة اللمعات لعزام

[25] - الأغاني 13/340 ، والجدوى: العطية، والخميص: الضامر، والقلوص: الناقة

[26] - الظلال 13/150

[27]  الظلال 9/22

[28] - دیوان رسالة المشرق لإقبال / ٤١

[29] - لوليد في ديوان أغاني المعركة / 110

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل