; رياض المؤمنين.. إحياء فقه الدعوة.. نهضة العاثر | مجلة المجتمع

العنوان رياض المؤمنين.. إحياء فقه الدعوة.. نهضة العاثر

الكاتب محمد أحمد الراشد

تاريخ النشر الثلاثاء 09-يوليو-1974

مشاهدات 118

نشر في العدد 208

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 09-يوليو-1974

رياض المؤمنين إحياء فقه الدعوة نهضة العاثر بلغنا أن زاهدًا كان كثير الوصية والنصح لأصحابه، يروي لهم كل يوم طرفًا من تجاربه في الحياة، وتأملاته في طبايع النفوس، فلما أنهى حديثه ذات يوم قال له مقدم أصحابه: لو أوجزت أيها الشيخ معناك في جملة تكون لنا شعارًا! فقال الشيخ: نعم، افعل. فقام، وكتب على الجدار الذي يجلسون عنده، بخط كبير: (لا تمضوا في طريق اليأس، ففي الكون آمال ولا تتجهوا نحو الظلمات، ففي الكون شموس) ثم انصرف، فكانت الشعار، حكمة تضع نفسها أمامنا مع انتهاء استعراضنا للأنوار الثلاثين المختارة، تشير إلى الاكتشاف الذي لابد أن يصل إليه كل مشتغل بتربية النفوس ومعالم لها، حقيقة يراها الجميع أن بعض النفوس تستلذ اليأس، وتعشق الظلام، لكن الأمل من حولها واسع، والنور غامر. ولذلك وجبت هذه الربتة الخفيفة على كتف المطرق المطأطئ الملتفت، تنبهه إلى سكينة قريبة منه لو تناوش، وهالة جميلة فوقه لو رفع رأسًا ونظر وهل أسطع من هالة شمس هذه الدعوة التي هو فيها، وأنصع بياضًا، وأشد لألأة! بداية شجاعة ملأت الفراغ. وفكر أتباعي لم تدنسه بدعة أو فلسفة وشباب حفظته من الضياع. وجهاد لليهود والإنجليز. ومحن تجددت فيها سنن الثبات، ونصر من بعد كل ذلك ينادي، ما كان يومًا ما بعيدًا، ولكن اشترط أن تمد له يد العاملين وتسعى إليه صفوف المنتظمين. فمن لم ير كل هذه الشموس: تركناه إلى ظلامه وإن كان عفيفًا طاهر الجوارح، حفظًا لسمعة الصف المستقيم السائر، وإتباعـــــــا لوصية ذلك الشيخ الفاضل الذي حذر الإمام البنا، منذ أول أيام الدعوة، من: (الصالح الذي لا يحترم النظام، ولا يقدر معنى الطاعة، فإن هذا ينفع منفردًا، وينتج في العمل وحده، ولكنه يفسد نفوس الجماعة: يغريها بصلاحه، ويفرقها بخلافه) (فإن استطعت أن تستفيد منه وهو بعيد عن الصفوف فافعل، وإلا فسد الصف واضطرب والناس إذا رأوا واحدًا خارج الصف لا يقولون: خرج واحد، ولكن يقولون: صف أعوج. فاحترس من هذا كل الاحتراس) (۱) فهذا إذا كان صالحًا لا يحترم النظام، فكيف به إن كانت تسيره الشهوات؟ عقل تصرعه الشهوة! الخطب أعظم حين ذاك، حيث تتعطل القلوب عن وعيها، والعقول عن موازينها ولأخطار مثل هذه الحالة: لفت الفقيه الوزير العباسي ابن هبيرة الدوري أنظارنا، فقال: (احذروا مصارع العقول، عند التهاب الشهوات) (۲) وسماه: مصرع العقل، للدلالة على أن مراده يتجاوز مجرد مصرع البدن بالزنا وأمثاله وإنه يعني ما هنالك من حب رياسة، وهوى وانتصار للنفس، تفقد العقول معها فطرتها التي تسوقها إلى تحري المصالح ودرء المفاسد. وصريع الشهوة لا تنفع معه مجرد تلك الربتة التي ربتناها على كتف اليائس، وإنما يحتاج إلى هذه، في لوم يوقظه من سنة النوم. فمن يلق خيرًا: يحمد الناس أمره ومن يغو: لا يعدم على الغي لائمًا أو قل: يحتاج إلى النصيحة الصريحة، والتي لصراحتها يراها البعض غليظة وليست هذه الصراحة عند ذي اللب والإيمان مما ينكر علينا، ولا هي عنده من العدوان عليه، بل هي من تمام الحب له والشفقة عليه، فإن الشيطان يجري من ابن أدم مجرى الدم، وربما يتغلب شيطان على داعية في ظرف شبهة فيفقده اتزانه، فهو بحاجة من بعد إلى نصح وتذكير بالموازين. ومن هنا كان خير الدعاة: أبذلهم للنصيحة وأكثرهم إذاعة بها. ويقارنه في درجته: أحملهم لغلظة النصيحة، وأعظمهم قبولًا لها. رسالتان ولقد كانت يومًا ما قصة نصح، عبر رسالة، من صاحب خير من هؤلاء الدعاة، قابلتها قصة صحوة واعتذار، من جواد كانت له كبوة. وفي القصص لأولي القلوب الحية مواعظ وعبر وربما تنبه مخطئ إذا رويت له، فيكون له فيها بعض مزدجر. وتبدأ القصة بهفوة من داعية، بعد دهر من الحب، يترك معها الجماعة، ويخلع البيعة وينشر قيل وقال، فيعاقبه أميره، ويعاتبه، ويذكره بتفاهة الدنيا، ويكتب إليه أن: «بسم الله الرحمن الرحيم» الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم النبيين. أما بعد؛ أيها الأخ هدانا الله وإياك. فإنه مما أدركنا من كلام السلف الأول أن الله تعالى إذا أراد بعبد من عباده خيرًا: جعل فيه ثلاث خصال: الفقه في الدين. والزهادة في الدنيا. والبصر بعيوبه. وأود أن نتصارح اليوم ونتكاشف، لعل الله يجعل لك بعد ذلك من أمرك رشدًا ويسرًا، فترجع إلى سربك، وتحفظ ذخيرة أسلفتها من ضياع يهددها. وأدعوك إلى أن ترجع بذاكرتك إن استطعت إلى أول هذا الخلاف الذي تدندن فيه، وأن تخبر قلبك بصدق عما سترى. سترى أن بداية ما تلح فيه كانت كلمة همس، وضعها واضع في أذنك، فغلى بها صدرك. وما أخالك تستطيع نسبة شيء من الاجتهاد في أمور الدعوة مما تخالفنا فيه إلى نفسك قبل تلك الهمسة. أفترض أن تسلب ذاتك استقلالها بهذه البساطة، ثم يضيق صدرك أن ذكرناك وعاتبناك كلا أيها الأخ، كلا. فمن أجل واش كاشح بنمیمة مشى بيننا صدقته لم تكـذب وقطعت حبل الوصل منا، ومن يطع بذي وده قول المحرش: يعتب بل لابد عندنا من هذا العتب، ولا نسلمك لشيطانك بسرعة. وأخبرني: بأي سنان تطعن القوم بعدما نزعت سنانًا من قناتك ماضيًا؟ فأنت قد نزعت رابطة العمل الجماعي من قناتك، وهي ليست سنانًا ماضيًا فحسب، بل كل سلاحك الذي تصول به وتجول. افتخدع نفسك؟ وكيف ترى في عين صاحبك القذى ويخفى قذى عينيك وهو عظيم؟ فتحاسبنا عن صغائر لا يخلو منها مجتهد، ولو شئنا أن نذكرك بنقص بعد نقص بدر منك لأسكتناك! ولكنا لسنا بحاجة إلى أن نروي سوابق برودك. وإنما نقول: إني اعتراك لما خالفتنا هذا الدأب الواضح؟ هلا تناهيت وكنت أمرًا يزجرك المرشد والناصح! أو لا ترى ما أنت فيه من الافتتان: انقاصا لعدد العاملين، وتوهية لركن كل داعية، وفتا في عضده، وأشماتا لعدوه؟ فاتئد، وتدبر أمرك. وإني مذكرك بالله تعالى، فارجع إليه وخل الهوى. وثق أن الدنيا بعد الدعوة لا تكاد تعدل جناح بعوضة عند اللبيب الذي ذاق لذة التعب والبذل لها. افترى في دنياك النعيم، وتنسى أنه عديم أم ترى فيها الملك، وتغفل عن أنه هلك! أم تحسبها الفناء، وهي عن قريب إلى فناء! أم تظنها سلم الارتفاع، كأنك تجهل ما فيها من قصص الاتضاع! أم هي عندك العلاء، وتتجاوز نظر ما بعده من البلاء! أم فيها يوم يوثق له بغد! لا والله. وإنما نحن وإياك لكما قال الشاعر كلانا عالم بالترهات فإنك تعلم رخص ثمن ما أنت مقدم عليه، ولكن الانتصار للنفس يوهمك. والأمر أهون مما تظن، ومن غشك فأقعدك في بيتك قد ظهر لك تدليسة، فتب، تجد باب الدعوة مفتوحًا، وكل أرضها مدارج، لمن أراد المعارج. فاستعذ بالله أيها الأخ من الفتن، واطلب نصيحة الخبراء، ونق نيتك مما علق بها من شوائب، واتق الله عند غضبك، وابعد بنفسك عن تأويل يستدرج. وليسعك التغافر، وسادر في نصيحة القادة. واحرص على نجاة نفسك، والتفت إلى عيبك، وانظر صواب الدعاة إن نبهك أحد إلى أخطائهم، وعلق تضحيتك على أمر قادتك. وأمسك عن الجدل، والنجوى، والغدر، وصن أذنك عن استماع الغمز. واهجر الصادق الكذوب، وأقلل من الكلام. واتعظ بالتاريخ، وباستكبار الشرع لتعرب المهاجر. وبالغ في الصدق، ولا تحتجن بزلات السلف، وأعلم بأن الله لا يصلح عمل المفسدين، وإن الجندية هي طريق القيادة. واحذر طبايع آخر الزمان، وخف تنكر الأرض والمؤمنين للخوالف. والا... هجرناك. وأنت، أنت البادئ. ولا تجزعن من سنة أنت سرتها فأول راض سنة من يسيرها ولعلك ستجرب العمل مع من سبقك بالخروج، فلا تجد ثم إلا غليظًا، أو متهورًا، أو مبتدعًا. كلام خبير ناصح أمين أقوله لك: لست أرى واجدًا بنا عوضًا فاطلب وجرب واستقص واجتهد ولقد كان يكفيك ما أنت فيه من سير في الطريق السهل المشرق، لكنك حملت نفسك مركبًا من العبء باهظًا، وسقتها لشغب أنت في غنى عنه أبدًا. وإنها كلمة نصح أخيرة أقولها لك: السهل أهون مسلکًا فدع الطريق الأوعــــــرا واحفظ لسانك تسترح فلقد كفى ما قد جرى ولقد نصحتك واجتهد ت، وأنت بعد تخيرا فلما قرأ المخطئ رسالة أميره: هذه وتدبر ما فيها: استيقظت فطرته، ورجع إلى طرف لسانه طعم حليب طاهر رضعه، فأمسك بقلمه يكتب أن: (بسم الله الرحمن الرحيم) قد بلغتني الرسالة، فما وجدت فيها إلا حقًا ولا أدري ما أقول أيها القائد المطاع، فإني قد أدركت هفوتي منذ أيام، ولكن الحياء منعني أن أتوجه إليكم باعتذار. ولقد أصبحت فجأة لأجد نفسي وحيدًا أتلفت، فإذا مظاهر الجاهلية من حولي ترهبني بعد إذ كنت عزيزًا بانتسابي إلى هذه الدعوة المباركة، شجاعًا مستصغرًا لكل جبار عنيد. فإذ إخوتي حولي وإذ أنا شامخ بصافية الأفكار، والنفس في شمم: أتأني الواشي بعد الواشي، فصدقتهم، فكانت تلك العثرة مني. تكنفني الوشاة فأزعجوني فيا لله للواشي المطاع فأصبحت الغداة ألوم نفسـي على شيء وليس بمستطـاع كمغبون يعض على يديه تبين غبنه بعد البياع وكيف أصف لك شعوري يومها وقد صرت كما صار كعب بن مالك رضي الله عنه حين تخلف فقال: (إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم فطفت فيهم: أحزنني أني لا أرى إلا رجلًا مغموصًا عليه النفاق) (۳) فما من خارج عن الجماعة من قبل، كنت أعلم ضعفه يوم كانت قدمي ثابتة، إلا وأصبح يحتفل بي إذا رآني، ويهش بوجهي، ويبتسم ابتسامة تلذع قلبي. وإنه لدرس لي، كان، وعفا الله عمــــا سلف، وأحمد الله تعالى على ما هداني إليه أولًا، حين كنت ناشئًا في هذه الدعوة، وأخيرًا حين زلت قدمي بالأمس فبصرني عيبي ويسر لي التوبة اليوم، ثم أحمده لما كان بين ذلك من حفظ وتربية وتأديب أيها القائد المطاع: أملي أن تقبلوا عذري، مؤكدًا إني الآن قد: صحا قلبي، وعاد إلى عقلي وأقصر باطلي، ونسيت جهلي راجيًا نسيان ما حدث، إذ لعلها كبوة جواد والسلام عليكم ورحمة الله. تلك قصة عتاب واعتذار. وهل لهذا القائد غير أن يقبل عذر المعتذر بعد إذ بلغه قول النبي صلى الله عليه وسلم: اقبلوا ذوي الهيآت عثراتهم؟ (٤) صلح ذوي الراحات لكن الذي يرفض النصيحة: يبقى صريع شهوته، فيفضحه عيبه، فتشير إليه الأصابع، فيفتش عن مثيل، فتتكون جمهرة ناشزة، تبدو من خارج كأنها متآلفة، وعوامل التناقض تتصارع داخلها. وهذا هو صلح الافتضاح الذي اكتشفه الفضيل بن عياض لما وصف أنفارًا من الأضداد تحالفوا فقال: (افتضحوا فاصطلحوا) فلكك منهم عيوب، فهم مصطلحون على ترك التناصح بينهم، متفقون على تدليس عيوبهم وتغطيتها بلبوس الصفة الجماعية. وهذه الظاهرة تكشف لمن يعرفها خلفيات كثير من الفتن التي ألهت الدعوة، وتبين أصول انطلاقها وتطورها. وغالبًا ما يكون فقدان القدرة على العمل التجميعي والتربوي هو العيب المشترك المؤدي إلى ظاهرة صلح لافتضاح هذه، فإن الضعيف یهوى أن ترتفع منزلته في الدعوة بتناسب طردي مع قدم انتسابه وارتفاع منزلته الوظيفية أو الدراسية أو الاجتماعية، وللدعوة أنظمة وأعراف وشروط تمنع تولية من لا يبرع في أعمالها وتنفيذ خططها، أو من يتوارى ويؤثر الراحة أيام التضحية، فتصطدم رغبة الضعيف بالأسباب التي تحول دون تحقيقها، فيكون الافتتان عند ضعف التقوى. وخطاب الشاعر القديم لبعض المفتتنين يبعثه استشعاره لهذه الحقيقة لما يقول لهم: فانتهوا أن للشدائد أهلا وذروا ما تزين الأهواء فهو يطلب منهم الانتهاء عن الغي، ويدعوهم إلى الإفصاح عما ستروه من دافع حب الراحة وتجنب المشقة. وهو نفسه الدافع الذي حكاه القرآن عن المخلفين في سورة التوبة إذ يقول الله تعالى: ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَن يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ ۗ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا ۚ لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ. ﴾ (التوبة: ٨١) (إن هؤلاء لهم نموذج لضعف الهمة، وطراوة الإرادة، وكثيرون هم الذين يشفقون من المتاعب، وينفرون من الجهد، ويؤثرون الراحة الرخيصة على الكدح الكريم، ويفضلون السلامة الذليلة على الخطر العزيز. وهم يتساقطون أعباء خلف الصفوف الجادة الزاحفة العارفة بتكاليف الدعوات. ولكن هذه الصفوف تظل في طريقها المملوء بالعقبات والأشواك، لأنها تدرك بفطرتها إن كفاح العقبات والأشواك فطرة في الإنسان، وإنه ألذ وأجمل من القعود والتخلف والراحة البليدة التي لا تليق بالرجال) (٥) هؤلاء الذين آثروا الراحة على الجهد في ساعة العسرة - وتخلفوا عن الركب في أول مرة. هؤلاء لا يصلحون لكفاح، ولا يرجون لجهاد، ولا يجوز أن يؤخذوا بالسماحة والتغاضي، ولا أن يتاح لهم شرف الجهاد الذي تخلوا عنه راضين: ﴿فَإِن رَّجَعَكَ اللَّهُ إِلَىٰ طَائِفَةٍ مِّنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُل لَّن تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَن تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا ۖ إِنَّكُمْ رَضِيتُم بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ﴾ (التوبة: ٨٣) (إن الدعوات في حاجة إلى طبائع صلبة مستقيمة ثابتة مصممة تصمد في الكفاح الطويل الشاق. والصف الذي يتخلله الضعاف المسترخون لا يصمد، لأنهم يخذلونه في ساعة الشدة فيشيعون فيه الخذلان والضعف والاضطراب. فالذين يضعفون ويتخلفون يجب نبذهم بعيدًا عن الصف وقاية له من التخلخل يجب نبذهم بعيدًا عن الصف وقاية له من التخلخل والهزيمة. والتسامح مع الذين يتخلفون عن الصف في ساعة الشدة، ثـم يعودون إليه في ساعة الرخاء: جناية على الصف كله، وعلى الدعوة التي يكافح في سبيلها كفاحه المرير. (فقل: لن تخرجوا معي أبدًا ولن تقاتلوا معي عدوًا) لماذا؟ (إنكم رضيتم بالقعود أول مرة) ففقدتم حقكم في شرف الخروج، وشرف الانتظام في الكتيبة والجهاد عبء لا ينهض بــــــه إلا من هم له أهل، فلا سماحة في هذا ولا مجاملة: (فاقعدوا مع الخالفين) المتجانسين معكم في التخلف والقعود. هذا هو الطريق الذي رسمه الله تعالى لنبيه الكريم، وإنه لطريق هذه الدعوة ورجالها أبدًا) (٦) فتاوى الفقهاء في تنقية الصفوف هو الطريق الذي فهمه أعيان فقهاء الإسلام منذ صدر الإسلام وعلى تعاقب القرون فأرشدوا قادة المسلمين إلى تطهير الصف من المخذل والمثبط والمرجف، والتشدد في انتقاء الجنود. فمثال كلام السلف الأول في ذلك استعراض الإمام الشافعي في كتاب الأم لحوادث تخلف المنافقين المتتالية عن المشاركة في الغزوات النبوية الكريمة، وتنبيهه إلى أن من يشتهر في أجيال المسلمين بعد ذلك بمثل ما وصف به أولئك المنافقون فإن أمره يقاس عليهم ويعاقب بمثل ما عوقبوا به. يقول الشافعي: «غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فغزا معه بعض من يعرف نفاقه، فانخزل يوم أحد عنه بثلاثمائة، ثم شهدوا معه يوم الخندق فتكلموا بما حكى الله عز وجل من قولهم ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورًا. ثم غزا النبي صلى الله عليه وسلم بني المصطلق فشهدها معه عدد، فتكلموا بما حكى الله من قولهم: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، وغير ذلك مما حكى الله عز وجل من نفاقهم. ثم غزا غزوة تبوك فشهدها معه قوم منهم نفروا به ليلة العقبة ليقتلوه، فوقاه الله عز وجل شرهم وتخلف آخرون منهم فيمن بحضرته، ثم أنزل الله عز وجل في غزوة تبوك أو منصرفه عنها ولم يكن في تبوك قتال من أخبارهم فقال: ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة، ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين. قال الشافعي: «فأظهر الله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم أسرارهم وخبر السماعين لهم وابتغاءهم أن يفتنوا من معه بالكذب والأرجاف والتخذيل لهم، فأخبره أنه كره انبعاثهم فثبطهم، إذ كانوا على هذه النية، وكان فيها ما دل على أن الله عز وجل أمر أن يمنع من عرف بما عرفوا به من أن يغزو مع المسلمين، لأنه ضرر عليهم. قال الشافعي: فمن شهر بمثل ما وصف الله تعالى المنافقين: لم يحل للإمام أن يدعه يغزو معه، لطلبه فتنتهم وتخذيله إياهم وإن فيهم من يستمع له بالغفلة والقرابة والصداقة، وإن هذا قد يكون أضر عليهم من كثير من عدوهم) (۷) واستمر الفقه على هذا حتى استلم رايته ابن قدامة المقدسي فقال: (ولا يستصحب الأمير معه مخذلًا، وهو الذي يثبط الناس عن الغزو ويزهدهم في الخروج إليه والقتال والمشقة، مثل أن يقول: الحر أو البرد شديد، والمشقة شديدة، ولا تؤمن هزيمة هذا الجيش، وأشباه هذا. ولا مرجفًا، وهو الذي يقول: قد هلكت سرية المسلمين وما لهم مدد، ولا طاقة لهم بالكفار، والكفار لهم قوة ومدد وصبر ولا يثبت لهم أحد، ونحو هذا. ولا من يعين على المسلمين بالتجسس للكفار واطلاعهم على عورات المسلمين ومكاتبتهم بأخبارهم ودلالتهم على عوراتهم أو إيواء جواسيسهم. ولا من يوقع العداوة بين المسلمين ويسعى بالفساد، لقوله تعالى: ﴿وَلَٰكِن كَرِهَ اللَّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ * لَوْ خَرَجُوا فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾ (التوبة 46-47) ولأن هؤلاء مضرة على المسلمين فيلزمه منعهم) (۸) وهذا من الكلام الحق الذي لا يستغربه المعالج لسياسة الجماعات. غرور الفقيه يمنع تأميره وأما من يستغرب مثل هذا الكلام، ويستصعب قياس أحوال مفتتنة اليوم على أحوال المنافقين الذين تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإننا على استعداد لكي نسير معه مرحلة فقهية أخرى لا خلاف فيها. فلو تجاوزنا وصية الذي حذر الإمام البنا من الرجل الصالح الذي لا يحترم النظام، مما ذكرناه آنفًا، ونصحه له بإبعاده عن الصف فإننا نجد في فقه عمر بن عبد العزيز رحمه الله ما يسوغ إبعاد الصادق صاحب الخير عن المسؤولية إذا كان فيه نوع من حب الظهور والخيلاء، سدًا للذريعة، وصيانة له من احتمالات الافتتان والجناية على نفسه وعلى الدعوة. فقد روي أن الراشد الخامس لما ولي الخلافة أرسل إلى أبي عبيد المذحجي، وكان فقيهًا ثقة في الحديث، من شيوخ الأوزاعي ومالك، وممن يستعين بهم الخليفة سليمان بن عبد الملك فقال له عمر:( هذه الطريق إلى فلسطين، وأنت من أهلها، فالحق بها فقيل له: يا أمير المؤمنين: لو رأيت أبا عبيد، وتشميره للخير!! فقال: ذاك أحق أن لا نفتنه، كانت فيه أبهة للعامة) (۹) فهي كلمة قالها عمر، وبررها فعل عمر ولقادة الدعوة هذا اليوم أن يقولوا لكل داعية يتطلع للسمعة والجاه والمكانة الاجتماعية المرموقة مثل الذي قاله عمر لأبي عبيد، ويفهموه أن: قد أخطأت بداية الطريق إلى مرادك، فمررت بدیار دعوة التواضع والبذل والالتزام الخططي وهذه الطريق إلى ديار أشكالك، فالحق بهم. كلمة أخيرة وبعد أيها الداعية: فإنا قد أطلنا لك الكلام عن الفتن وأسبابها واتقائها، بعدما رأينا ما لها من ضرر على الدعوة الإسلامية يعرقل تقدمها. والمنتظر منك أن تخلو إلى نفسك، بعيدًا عن الضوضاء، فتتأمل هذه الجمهرة النافعة المفيدة من الآيات والأحاديث وأقوال العلماء وأبيات الشعراء، وتعيد قراءتها مرة بعد مرة، وتطابق بينها وبين ما ترى من معاصي المفتونين، لينفتح لك باب عظيم من فقه السلوك وإنما هي العرقلة فحسب، ولا تبلغ الفتن أبعد من ذلك أبدًا، ودعوة الله محفوظة سائرة إن شاء الله. فليس لأمر حاول الله جمعه مشت، ولا ما فرق الله جامع ويأبى الله إلا أن يتم نوره، وأن يرينا من قصص المفتتنين مصداق ذلك فمن أطرف ما يروى في ذلك إن أحد المحررين في المجلة الأسبوعية للجماعة شذ، فنفتنه الدعوة فأصدر مجلة أخرى تحديًا وضرارًا. قال الإمام البنا: (فدعاها هو «الخلود»، وقضى الله عليها بالفناء، فلم يصدر منها إلا عدد أو عددان وانتهى أمرها. وكذلك الباطل لا بقاء له، والبغي مصرعه وخيم) (١٠) ودعوة الإسلام اليوم تقف شامخة عالية منتصرة في جولتها مع الطغاة والدعاة في كل بلاد الإسلام كثير عددهم نقية عقيدتهم وليس النقص الحاضر نقص عدد ولا نقص إيمان، ولا ذلك هو ما يحول دون الوصول. لكنه: العمل الساذج ... ويعالج ببث الوعى. وحب المال... وينتفي بالزهد. وطول الأمل... ويقصر بذكر الموت. وظلام الفتن... ويبدد بأنوار الفطنة. وتتبلور هذه الأنوار جميعًا وتتركز، لتكشف عن أصل رئيسي من أصول دعوتنا يعلن أن: (القائد جزء من الدعوة، ولا دعوة بغير قيادة، وعلى قدر الثقة المتبادلة بين القائد والجنود تكون قوة نظام الجماعة وأحكام خططها ونجاحها في الوصول إلى غايتها وتغلبها على ما يعترضها من عقبات وصعاب) . ﴿فَأَوْلَىٰ لَهُمْ طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ ۚ ﴾(۱۱) (محمد: 20-21) ﴿فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ﴾ (محمد: ٢١) (۱) مذكرات الدعوة والداعية/ ۸۸ (۲) ذيل طبقات الحنابلة 1/٢٧٥ (۳) صحيح البخاري 6/5 (٤) صحيح الجامع الصغير للألباني 1/382 (٥) (٦) في ظلال القرآن 10/٢٦٤/265 (۷) الأم للشافعي 4/89 (۸) المغني لابن قدامة 8/351 (۹) تهذيب التهذيب 12/158 (۱۰) مذكرات الدعوة والداعية / ١٣٤ (۱۱) رسالة التعاليم المجموعة / ۱۹ اعتذار في العدد (۲۰۷) نشرنا مقالًا بعنوان «الدعوة إلى الله» ص: ۳۲ وسقط اسم كاتب المقال «يوسف الجريوي» سهوًا، فاقتضينا التنويه
الرابط المختصر :