العنوان رياض المؤمنين - إحياء فقه الدعوة - الانتشار المتأني - الحلقة 28
الكاتب محمد أحمد الراشد
تاريخ النشر الثلاثاء 12-ديسمبر-1972
مشاهدات 74
نشر في العدد 129
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 12-ديسمبر-1972
رياض المؤمنين
إحياء فقه الدعوة
يكتبها: محمد أحمد الراشد
الحلقة 28
الانتشار المتأني
كما يولد التساهل في الانتقاء، والتكاثر الذي يلهي عن التركيز، أنواع التورط والاندفاع العفوي غير الهادف، فإن حماس الدعاة في استدراك التقصير، والربا بنفوسهم أن يسبقهم الأرضيون والمنحرفون والملاحدة، والحرص على تغطية ميادين العمل الثقافي والسياسي التي يتم فيها توجيه الناس، كل ذلك قد يدعوهم ونقلهم إلى تقليد الأحزاب الكردية في خطط عملها بلا مراجعة للرصيد، ويقذفهم إلى مواجهة أهل الضلال في جميع الميادين والجبهات قبل الاستعداد الكافي ، فيحصل «تشعب العمل» ، و «توزع جهود ذوي الكفاية» ، فيقل التأثير في كل الميادين، ويكون التعب والإرهاق المستنفذ للطاقة، تمامًا كالذي يحدث في المعارك الحربية، فإن التاريخ الحربي يظهر نماذج كثيرة لقادة فقدوا دقة التخطيط الاستراتيجي، ففتحوا جبهات متعددة في آن واحد وزعت قواتهم، ولم يصفوا أعداءهم واحدًا بعد الآخر، فكانت الهزيمة، ولا تزال فنون التعبئة العسكرية توصي القادة بألا يطيلوا جبهة المعركة الواحدة، وأن يهاجموا بالعمق الذي يكفل تعدد وجبات الهجوم أن أخفق الهجوم الأول، و يضمنوا وجود الاحتياطي لدرء المفاجآت وحركات الالتفاف .
وليس قولنا هذا دعوة للراحة، فإن الراحة موت، ولا للبرود، فإن فيه الفوت، ولا لتحريم الاستفادة من فنون العمل التي برع فيها الجاهليون، فإن الأمر يسع الاقتباس ما لم يصادم نصًا شرعيًا أو عرفًا أخلاقيًا استحسنه المؤمنون، ولكننا ندعو إلى تقدير واقعي لطاقاتنا، وتركيز جهودنا، وتجزئة الاستدراك تغطيـة المجالات حسب أهميتها، فإن الجهود المبكرة للكافر المستعمر في إنشاء الأحزاب أدى إلى أن تسبق الأحزاب الدعـوة الإسلامية، وساعد على ذلك حيرة المخلصين بعد إسقاط الخلافة العثمانية الشرعية، ولا يكون الاستدراك بطفرة، بل بسير موزون، ومن ثم كان «اتزان التوسع الميداني» قرين «اتزان التوسع العددي» في الوقاية من المصارع، وارتباط التأثير بكثافة المسموع والمنظور في الظاهرة التربوية يجب مراعاة هذه الكثافة المتناسبة مع سعة الميادين التي تتوزع عليها تناسبا عكسيا ، والتي تكثف كلما قلت الميادين .
والتاريخ القريب يرينا وقوع بعض أجزاء الحركة الإسلامية في مثل هذا التوسع والشمول المستعجل كرد فعل لكثافة الأحداث السياسية، والتنامي الحربي، ولجأ الدعاة إلى معركة الجاهليين في النقابات، والاتحادات المهنية * والنوادي الأدبية، وعموم المرافق الاجتماعية، في وقت كان عدد أصحاب الكفاية والدربة فيه قليلًا، وكان النظر المتزن يوصي بالإلحاح في التربية الداخلية، وتعميق الإيمان، وتمتين الصف بغرس معاني الطاعة والالتزام، قبل ولوج جولات التنافس .
إن الداعية الفقيه لا يستفزه تغلب الملحد القوي إن كان هو ضعيفًا، بل يكظم غيظه، ويصبر، ويبدأ يعمل في انتظام، ويطلب لرجلك قبل الخطو موضعها من الأرض الصلبة.
التطوير ينطلق من المعاناة
وحماس المتحمسة من الدعاة لا يثمر على اطلاقه، فإنه محكوم بالواقع في بعض جوانبه.
وأهم مظاهر هذا الواقع الآسر عن مماشاة الحماس وتنفيذ التمنيات: هو ضعف بعض الدعاة وقصور مستوياتهم عن التمكن من مجاراة الآخرين. في مجابهة الجاهليين في جميع الميادين التي يطلقونها الآن، يقتضي نوعًا من القدرة والصلابة لدى الدعاة يشير واقعنا إلى قلة من يتصف بها بالمستوى الذي يستطيع فيه أن يقود ويبتكر ويحرك ويستمر، ومن دون أن يتركز الثقل على عاتق انفار معدودين من الدعاة.
إن النقطة التي يغفلها المتحمسة تتجلى في أن القسط الأعظم من فقه الانتقاء والتشدد المتولد عندهم، ومن صلابة النية والإصرار وعلو الهمة، إنما كونهما فيهم تفكير سنوات، وتفاعل قلبي عميق متواصل مع أخطاء الماضي، ومعاناة يومية لعمل طويل، ولا يمكن لفاقد هذا الفقه وهذه المعاناة أن يكون بمثل مستواهم عند التنفيذ.
انها حقيقة واقعة، تنقل التخطيط عن المثاليات والارتجال إلى التدرج المتناسب مع الطاقة، ومن الخطأ أن تطلب سيرة صلبة واعية لدعاة ضعفاء، ومجرد الإلحاح عليهم لا يكفي إن لم يسبق بتربية.
التركيز على مصنع الثقات ..!
وهل رأيت الدول النامية كيف تركز حكوماتها على الصناعة الثقيلة في أول أمرها، لأنها مفتاح كل صناعة أخرى؟
كذلك نحن في أول أمرنا، ولما نزل في مرحلة تشبه أول الأمر لكثرة الأخطاء وعنف حرب الكافر وعملائه لنا.
يجب التركيز على مصنع الثقات الذي يربي الدعاة المسلحين بالإيمان والفقه الحركي وتكديسها جابهوا الكفر في ميدان إثر ميدان، ولا بد من أن ترصد الكفايات لخدمة الجهاز المربي للثقات وتمتينه وتقويته.
أن الفترة منذ بداية أي جزء من أجزاء الحركة الإسلامية في عمله إلى الأيام التي يقارب فيها القوى الجاهلية المحيطة به يجب أن تكون فترة انتباه للتجميع وتربية وتفقيه، وكل فتح ميدان جديد أو واجهة، أو تحول إلى الانغماس في المعترك السياسي كلية، فإن معناه حصول التصادم بين متطلبات الجهاز التربوي ومتطلبات الميادين الجديدة والنشاط السياسي، المتسبب من قلة أصحاب المقدرة والكفاية الذين يديمون تلبية هذه المتطلبات ويديرون الأجهزة المختلفة، ولا يسوغ في التخطيط أن تنفتح الدعوة انفتاحًا واسعًا في العمل قبل تأكدها من وجود ثقات بعدد كاف يديمون هذا الانفتاح، ويحولونه عن مجرد
فورة سريعة ورد فعل لاستفزاز الجاهليين لنا، وان كان هذا لا يمنع من تدريب بعض الدعاة، وبعدد قليل، بالمشاركة في هذه الميادين عمليًا، ليكونوا رواد موجهين في أيام الانفتاح.
أهمية الوعي الحركي في التعجيل
ولكن واقع الحركة الإسلامية يشير إلى إمكانية اختصار هذه الفترة اختصارًا كبيرًا، والتعجيل في الانفتاح المبتغى، بواسطة الإلحاح في نشر الفقه الحركي وترويجه وايصاله الى اصحاب الإخلاص الذين يعوزهم هذا الفقه، فإن الدعاة كثير عددهم في كل مكان، أو قل: من سلم زمام الدعوة والدعاة، ولكن هذا الفقه الحركي هو الذي ينقصهم، ولو علمناهم أتعاب الانفس وإرهاقها، والصبر علـــى سهر الليالي وحني الظهور لتدارس هذا الفقه لوعى منهم جيل كثير من أصحاب الاستعداد يسدون الشاغر ويحلون محل الضعيف.
إن من أبرز التقصيرات المأخوذة على الحركة الإسلامية في حقيبتها الماضية: تقصيرها في تدوين أولويات الوعي الحركي وفقه الدعوة، وأطنابها في شرح أنظمة الإسلام وجزئياته، حتى بتنا نرى هذا العدد الكبير الضخم من المنتسبين للدعوة دون أن يكون إنتاجهم وتغييرهم للواقع بالمستوى الذي يظنه من يراه لأول وهلة، لفوات فنون العمل وأصول العمل الجماعي عنهم، وإنما يبدأ الاستدراك من هذه الحقيقة.
الاستدراك بالتأليف في فقه الدعوة.
والاستدراك بجمع المتناثر الذي ألف فيه.
والاستدراك بالتفتيش عما تملكه أجزاء الحركة الأخرى منه.
والاستدراك بتنسيق تدريسه وتعويد الدعاة على أخذه مأخذ الجد لافي مطالعات عابرة.
ويجمع هذا: أن تعيد الحركة الإسلامية النظر في مناهجها الثقافية وطبائعها واتجاهاتها.
* من أسباب فشل العمل الإسلامي في كثير من المواقع انه غاب عن مراكز التأثير الحديثة وهي النقابات العمالية والاتحادات المهنية.. في تطور الحياة أدى إلى بروز هذه القوى التي يعتمد عليها الإنتاج.. وتنفيذ أي خطة.. وكان ينبغي تركيز العمل ابتداء في هذه المواقع قبل أن يحال أمر القطاع من فعالية وقدرة على التغيير.. وضروري لأنه من خلال الممارسة تكتسب التجربة.. ويستنبط دليل العمل الإيجابي.. «المجتمع»