; رياح السحر والشعوذة تهب من جديد | مجلة المجتمع

العنوان رياح السحر والشعوذة تهب من جديد

الكاتب المهدي المغربي

تاريخ النشر الثلاثاء 02-مايو-1989

مشاهدات 71

نشر في العدد 915

نشر في الصفحة 42

الثلاثاء 02-مايو-1989

  التاريخ الإنساني من سحيق الأزمان إلى يومنا هذا مليء بقصص السحر والشعوذة، وأخبار العرافين والمنجمين والكهنة وممارساتهم الغربية للتنبؤ بالغيب، ومعرفة ما ستأتي به الأيام للفرد أو الأسرة أو الشعب أو الدولة أو العالم بأسره، وقد علت أسهم المنجمين والعرافين في عصور كثيرة من قبل حتى أنهم ارتبطوا بالسياسة والسياسيين، وكان لا يخلو منهم بلاط حاكم أو أمير، وكانوا يستشارون في كل كبيرة وصغيرة، ولا سيما في الخروج للمعارك، وفي اتخاذ القرارات الهامة، ولكن الثورة الصناعية والعلمية، وتقدم العلوم في جميع المجالات من جهة، وانتشار الوعي بين الناس قضى على جانب هام من هالتهم وثقة الناس في قدراتهم، وكنا نظن أن نجمهم إلى أفول، وأن عددهم في تناقص، وأن إقبال الناس عليهم في انحسار، ولكن الوقائع والأخبار التي تنقلها لنا وسائل الإعلام اليوم عن المنجمين والعرافين في الشرق -كما في الغرب- تؤكد لنا أن اعتقادنا لم يعد له ما يبرره، بل إن السحر والشعوذة والتنجيم عادت سوقها للانتعاش والرواج من جديد، فهل نحن مقبلون على عصر ذهبي جديد للشعوذة والسحر والتنجيم ؟

سحر؟ أم شعوذة؟ أم تنجيم؟

      هناك خلط بين السحر والشعوذة والتنجيم، وهذا الخلط ناتج عما يلف هذه المجالات كلها من طلاسم وغموض، ونتيجة تغطية كل مجال منها على جانب من مجال الآخر، فأما السحر فهو حقيقة وردت في القرآن الكريم، وإن كان المسلمون قد نهوا عنه نهيًا باتًا، ويدعي السحرة معرفة خارقة، وقدرة على التأثير في الأحداث، وأنهم على اتصال بعالم الجان، وبالتالي يحاول البعض الاستعانة بقدراتهم هذه تحقيق مطلب، أو غاية، أو دفع شر، أما الشعوذة فهي دجل واحتيال، وعلى غرار السحرة يدعي المشعوذون أن لهم قدرات خارقة، ومعارف لا يعرفها إلا هم، ووصفات لتحقيق غايات معينة تتصل بالزواج، والطلاق، والإنجاب، والشفاء من الأمراض، وكثيرًا ما يقع في حبائل هؤلاء المشعوذين المرضى الذين عجز الطب عن مداواتهم، أو طلاب النجاح، أو الفوز السهل دون بذل جهد، أما التنجيم ادعاء معرفة خاصة وقدرة خارقة على التنبؤ بالمستقبل والتكهن بما ستأتي به الأيام، وتحديد أيام النحس والسعد وما إلى ذلك، والكلمة مأخوذة من النجوم؛ لأن المنجمين يقولون إن كل ما يحدث للإنسان والعالم والناس فوق الكرة الأرضية مرتبط بمواقع النجوم، وتغير هذه المواقع، وعلى هذا الأساس تراهم يقومون بقياسات وحسابات فلكية تتعلق بمواقع الكواكب بالنسبة لبعضها البعض وأفلاكها للوصول إلى تنبؤاتهم، ورغم أن الكثير من الوقائع كذبت كبار المنجمين إلا أن الناس من العامة والخاصة ما زالوا يقبلون عليهم، ويستشيرونهم، ويطلبون منهم أن يقرؤوا لهم طوالعهم، ومن المفيد أن نشير إلى القطيعة بين المنجمين والفلكيين؛ لأن الفلكيين يدرسون الكواكب وأفلاكها دراسة علمية لمعرفة حركتها وأحجامها وأبعادها لتفسير الظواهر الكونية، ولمزيد معرفة الإنسان بمحيطه التكويني، ولا يقرون بما يدعيه المنجمون.

الموجة الجديدة:

     موجة الشعوذة والسحر الجديدة وانتشار العرافين في كل المدن وفي كل البلدان لا يمكن تفسيره بانجذاب الإنسان نحو الغيبيات، فهذا أمر ملازم للإنسان في كل عصر ومصر، فطالما حلق الإنسان بفكره وخياله بحثًا عن حل ألغاز المستقبل، ولجأ عاجزًا إلى الكهنة والسحرة والمشعوذين، ولكن عندما حل العلم الكثير من مشكلات الإنسان، واتسعت دائرة النور والمعرفة؛ ضاقت دائرة السحر والشعوذة، فما بال هذه الدائرة تأخذ في الاتساع من جديد، لا سيما في كبريات المدن الغربية والتي تعتبر مراكز علمية وحضارية؟ والإجابة تكمن في كلمتين القلق والعجز، فالحضارة الغربية -بقدر ما حققت للإنسان من حرية مادية- خلقت مشاكل لا تحصى ولا تعد لهذا الإنسان، فاستبد به القلق، واستبدت به الهواجس والوساوس، وكأنه يشرب من ماء مالح أجاج، فكلما شرب ازداد عطشًا، وتحت وطأة المشاكل القاسية والطاحنة يلجأ الكثيرون إلى أي منفذ للهروب، ويبحثون عن أي طريقة للخلاص، فيقع الكثيرون منهم في شباك المشعوذين، أما بالنسبة للعجز فرغم ما حققه العلم من اكتشافات واختراعات- قوي شعور الإنسان بالعجز والإحباط، لا سيما فيما يتعلق بالصحة والخلاص من الأمراض، ويعذر الباحثون بعض المرضى في هذا العصر في لجوئهم إلى المشعوذين؛ إذ يقولون رغم كل ما حققه الطب فإنه لا يزال عاجزًا ضعيفًا أمام أمراض كثيرة، فالسرطان ما زال يقتل الملايين، والألم لم يكتشف له أي علاج حقيقي، والمجانين في ازدياد ولم يطل عمر الإنسان، بل طالت شيخوخته، ثم تأتي الأمراض الخبيثة الجديدة، ومن أخطرها «الإيدز» وعلى هذا الأساس كيف لا يفقد الكثير من مرضى هذا العصر ثقته في الطب والأدوية الكيماوية التي أحدث بعضها كوارث بأتم معنى الكلمة قبل أن يلغى ويمنع استعماله، وكأن الصيادلة كانوا يجربون أدويتهم في بني الإنسان.

في "فرنسا وألمانيا":

     مثل "نابليون بونابارت": هل تعتقد بأقوال السحرة والمنجمين؟ فأجاب بنعم، قالوا لماذا؟ قال: لا أدري، ولكني أعتقد بها، وقد صدقت تلك الأقوال غير مرة بالنسبة لي، وليس نابليون بونابرت وحده يعتقد في السحر والتنجيم، بل يدل استبيان أجري عام ۱۹۸۲ أن (۱۸٪) من الفرنسيين يؤمنون بالسحر والشعوذة، وأن نصفهم يعتقد أن التعلم لا بد أن يحل في يوم من الأيام مغاليق هذا السحر وطلاسمه، وفي السنوات الأخيرة تكاثرت مكاتب العرافين والمنجمين والمشعوذين في باريس وغيرها من المدن الفرنسية، وغطت إعلانات هذه المكاتب صفحات الجرائد والمجلات، وأقبل عليها الزبائن إقبالًا كبيرًا، فالمشاهير من الساسة والفنانين ورجال الأعمال وعامة الناس في العلن، وأصبحت تجارة هؤلاء رائجة حتى أن البعض يسميهم الدكاترة المشعوذين، ومكاتبهم أشبه بمكاتب الأطباء، والمحامين، والمشاهير، منهم يقابلون الزبائن بالموعد، ولا يشتغلون إلا يومين أو ثلاثة في الأسبوع وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على ما تدره هذه الشعوذة من أموال طائلة، وقد ذكرت مجلة "الإكسبريس" أن أكثر من (٣٠) ألفًا من العرافين والمنجمين وقراء الكف والطالع يوجدون الآن بفرنسا، أما في ألمانيا فيبلغ عدد السحرة والمشعوذين  أكثر من ثمانين ألف ساحر ومشعوذ، ويؤمن كل  مواطن ألماني من أصل أربعة مواطنين بالسحر وتأثيراته، حتى أن الشعب الألماني اعتقد بان اعتزال «رومينيغه» أحد أبطال كرة القدم الألمان كان بسبب ساحر فرنسي، وقد لعب مشعوذون كثيرون من الخارج، ولا سيما من "تركيا" و"الشرق الأوسط" و"المغرب" بعقول الألمان وجيوبهم، بل إن التنافس بينهم على تلك الجيوب أدى أحيانًا إلى الحرب فيما بينهم، وإلى وقوفهم متهمين في قاعات المحاكم بتهمة النصب والاحتيال والابتزاز، ومن هؤلاء مثلًا المشعوذ "لوسي الألوسي" الذي أفاضت الصحف الألمانية في الحديث عن شعوذته وضحاياه من الألمان السذج.

ما بين العلم والدين:

     المنجمون والمشعوذون يدعون أحيانًا أنهم ينطلقون في شعوذتهم وتنجيمهم من معرفة وعلم مقصور عليهم، وإن كان غير واضح الحدود والمعالم، وأنهم لا يتكلمون ولا يقولون ما يقولونه من فراغ، وأحيانًا أخرى يدعون بأنهم أصحاب بركات ربانية، وأنهم من الصالحين الذين وهبهم الله دون خلقه ما وهبهم، وأن لهم كرامة وفضلًا، ومنزلة عند الله، ولكن العلم والدين يتبرأن منهم، فعلماء النفس جازمون حول هذه المسألة، ولا يعترفون بشيء اسمه التنجيم والعرافة، ويفسرون لجوء الناس إليهم بالأمراض النفسية العصبية وعدم الثقة بالنفس أو الخوف مما يخبئه المستقبل، ويستدلون بأنه في فترات الأزمات الاجتماعية والاقتصادية تتحسن أوضاع المكاتب التنجيمية، ويزداد الإقبال عليها، ويصفون المنجمين بالمحتالين الشديدي الذكاء، والذين يعرفون من كلام الزبون مما يعاني أو يشكو، وما هي مخاوفه، وما هي آماله، ويلتقطون من فمه ما يساعدهم على نسج شعوذاتهم، وعادة ما يقدمون إجابات أو تنبؤات بكلام فضفاض يمكن تأويله على أكثر من وجه.

     أما علماء الدين فينكرون على السحرة والمشعوذين استغلال الدين لأغراضهم المشبوهة، ففي ديننا الإسلامي لا يحتاج العبد إلى واسطة بينه وبين خالقه في أن تستجاب دعواته؛ لقد قال الله -تعالى- في (سورة غافر، الآية: ٩٠) ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ أما قضاء الحاجات بواسطة الأحجية والتعاويذ والتمائم فقد نهى عنها ديننا الحنيف، فقد ورد في الحديث الشريف أن النبي -صلى الله عليه وسلم- رفض أن يبايع رجلًا كان يضع في عضده تميمة، وقال: «من علق فقد أشرك»، وقال في موضع آخر: «ليس منا من تطير او تطير له وتكهن أو تكهن له أو سحر أو سحر له ». ويقول الدكتور "عبد الله المشد" رئيس لجنة الفتوى بالأزهر بين الرسول -صلى الله عليه وسلم- أنه لا ينبغي لمسلم أن يلجأ الى التنجيم لاستطلاع الغيب؛ لأن الله وحده هو العالم بالغيب، ولم يرد بالإسلام ما يؤيد الاتجاه إلى هذا المبدأ والأخذ به، وكل الأدلة تنهى عن ذلك، وهذه عادة جاهلية قديمة انتشرت يوم لم يكن العالم قد وصل إلى درجة من الرقي والعلم، واتجاه بعض الدول إلى هذا هو انتكاس لأفكار البشرية، وانتكاس لرقيها وارتقاء عقولها.

تجاوز عدد السحرة والعرافين والمشعوذين ثلاثين ألفًا في "فرنسا"، وثلاثين ألفًا في ألمانيا.

 

أمية ثقافية:

     إذا راجت سوق المشعوذين في الدول المتقدمة فلا ينفي هذا أن العلاقة بين السحر والشعوذة والأمية الثقافية علاقة تلازم وارتباط، بل يؤكد أن قطاعات كبيرة من شعوب هذه الأمم الموصوفة بالمتقدمة ليس لها من مظاهر التقدم إلا الشكل الخارجي، وأنها انتكست ثقافيًا بعد أن انتكست خلقيًا، وإذا أردنا نحن أن لا نقع فيما بدأ، ويقعون فيه بفعل تقليدنا الأعمى فعلينا أن نصر على تثقيف الناس وتوعيتهم حتى لا يوجه أي إنسان حياته إلا بما يؤيده العقل والمنطق السليم، والعلم الصحيح، والدين القويم، وعلينا أن نمنع الكتب والأفلام السوداء أفلام الأشباح والأرواح والانحرافات التي تزخر بها مكتبات العواصم الغربية، بل أن لا نسمح حتى بتداول مجلات الحظ وقراءة الطوالع وما شابهها، وإذا لم نفعل ذلك فلا نستغرب أن يفتح عما قريب «الدكاترة» المشعوذون مكاتبهم في أرقى شوارع مدننا وأشهرها.                                   

الرابط المختصر :