; روسيا والهند تحالف استراتيجي موجه للنفوذ الغربي وتنامي المد الإسلامي | مجلة المجتمع

العنوان روسيا والهند تحالف استراتيجي موجه للنفوذ الغربي وتنامي المد الإسلامي

الكاتب عبد الحكيم مرة

تاريخ النشر السبت 17-فبراير-2007

مشاهدات 54

نشر في العدد 1739

نشر في الصفحة 30

السبت 17-فبراير-2007

 هذا التحالف يمكن روسيا من تأمين سوق استهلاكي واعد لمنتجاتها من مصادر الطاقة عبر الهند التي تستورد ٧٣٪ من احتياجاتها من منطقة الشرق الأوسط المضطربة

روسيا تسعى للحصول على صفقة بناء ١٠ مفاعلات نووية جديدة في الهند تقدر قيمتها ب ١٠٠ مليار دولار

أكد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال زيارته الرابعة لنيودلهي (٢٥ – ٢٧) يناير الماضي، أن الشراكة الاستراتيجية بين بلاده والهند هي عامل أساسي في السياسة الدولية. جاء هذا التأكيد في ختام الزيارة الرسمية التي حل فيها بوتين ضيف شرف خلال الاحتفالات الأخيرة بيوم الجمهورية. وقد أرادت الهند، بهذا توجيه رسالة مفادها أن الغزل الذي بدأت الولايات المتحدة الأمريكية توجيهه لها لن يكون على حساب تحالفها الاستراتيجي مع موسكو.

على الصعيد الاقتصادي اتفق الجانبان على زيادة فرص الاستثمار في البلدين وحمايتها، وكذلك فتح أبواب جديدة للتعاون تشمل الهندسة الوراثية، والتعاون في مجال الطاقة النووية وبناء الآلات. إضافة إلى تقنية المعلومات والإنتاج العسكري، والنفط والغاز واستكشاف الفضاء واستغلاله.

تنظر روسيا للهند على أنها دولة ذات نمو اقتصادي مطرد، يعادل 8٪ سنويًا وتحتاج الهند –لكي تبقى محافظة على هذا النمو- لمصادر جديدة من الطاقة لذلك تستطيع روسيا تأمين سوق استهلاكي واعد لمنتجاتها من مصادر الطاقة من نفط وغاز طبيعي لسد حاجة الهند التي تستورد ۷۳٪ من احتياجاتها من منطقة الشرق الأوسط المضطربة أمنيًا. 

من جهة أخرى تنوي الهند بناء ١٠ مفاعلات نووية جديدة لتأمين زيادة استهلاكها للطاقة الكهربائية. وتجد روسيا أن الفرصة مناسبة جدًا للتقدم بعطاءات للحصول على صفقات بناء هذه المفاعلات والتي تقدر قيمتها بـ ١٠٠ مليار دولار. وهو مبلغ يسيل له لعاب الدول المصدرة للتقنية النووية. معروف أن الروسيا خبرات كبيرة في بناء المفاعلات النووية في الهند، وتستعد الآن لإتمام بناء ٤ وحدات جديدة في مفاعل قود انكولام في صفقة قدرت قيمتها بـ ٨ مليارات دولار. 

وسيبدأ تنفيذ المشروع فور رفع الحظر الذي تفرضه وكالة الطاقة الذرية العالمية على الهند والمتوقع ربيع العام الحالي. كما تأمل روسيا جر الهند إلى الاستثمار في مشروع ساخالين - ٣ النفطي، وتقدر الحكومة الروسية احتياطيات هذا الحقل بـ ٤٥٣ مليون طن من النفط و۷۲۰ مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي. وسبق للهند أن استثمرت مبلغ ٣٠٤ مليارات دولار في مشروع سخالين – ١. 

وطلبت روسيا من الهند السماح لشركات الطاقة الروسية بالتنقيب عن النفط في الأراضي الهندية. كما تم الاتفاق بين الجانبين على قيام شركة روس نفط وONGC الهندية بعمليات تنقيب عن النفط في دول أخرى. 

وأعرب الجانبان عن رغبتهما في إنشاء محور اقتصادي في المنطقة يربط الهند وإيران –عبر بحر قزوين– بروسيا وأوروبا، ويقول الخبراء إن هذا الخط هو الأجدى اقتصاديًا، حيث سيتم توفير ما يقارب ٣٠٪ من تكلفة نقل البضائع عبر خفض مدة النقل ١٥ يومًا، بتحاشي المرور عبر قناة السويس والبحر المتوسط.

ويشكل التسلح الركن الثاني من دعائم الشراكة الاستراتيجية بين روسيا والهند حيث تعتمد الهند على روسيا في التسلح، وكانت أكبر مشتر للأسلحة الروسية عام ٢٠٠٥م، وتغطي صادرات الأسلحة الروسية للهند ما نسبته ٧٥ – ٨٠٪ من مصادر تسليح الجيش الهندي. ومع ازدياد حاجيات الجيش –الذي يعد الرابع عالميًا من حيث عدد الأفراد– لكافة أنواع السلاح تكاد روسيا تجد نفسها قادرة -دون منازع– على تلبية حاجياته. 

وقد سبق أن وافقت روسيا على بيع حاملة الطائرات «الأدميرال غور شكوف» للهند والسماح لها من حيث المبدأ بالاشتراك في تصميم وإنتاج طائرة المستقبل التي تنوي روسيا البدء به بداية العام المقبل والتي تعرف بطائرة الجيل الخامس.

كما وافقت روسيا على تأجير الهند: قاذفات قنابل استراتيجية من طراز TY -22 وكذلك تزويدها بـ ١٢٤ دبابة ت – ٩٠ ومنحها ترخيص إنتاج ١٨٦ دبابة من نفس الطراز في مصانع هندية. ونص الاتفاق الموقع بين الجانبين على بيع الهند معدات عسكرية متنوعة تشمل قاذفات صواريخ ومدافع حديثة، وسفنًا حربية، وغواصات من طراز «كيلو»، وطائرات استكشاف من نوع «أواكس» إضافة إلى صيانة وتطوير ١٢٥ طائرة من طراز ميغ - ۲۱ وميغ – ۲۷ وكذلك دبابات ت – ۷۲.

وكانت روسيا قد منحت الهند حق إنتاج ١٤٠ طائرة من طراز 30 – CY في عقد بلغت قيمته آنذاك ٣.٣ مليارات دولار واعتبر الأضخم في تاريخ العلاقات العسكرية بين الجانبين.

مصدر عسكري هندي أشار إلى أن الهند تنوي كذلك شراء مجموعتين من طائرات ميغ – ٢٩ ومنظومة صواريخ 300 – ومن المشاريع المهمة التي يسعى الجانبان لتطبيقها مشروع مشترك لإنتاج ۲۰۰ طائرة نقل متعددة المهام بتكلفة ٤٠ – ٥٠ مليار دولار وذلك بحلول العام ٢٠١٢م. 

سياسيًا تتفق الدولتان على ضرب التوجه الإسلامي في المنطقة. وقد وقعتا اتفاقية ما يسمى بمكافحة «الإرهاب الدولي».

وتشترك الدولتان في نظرتهما العدائية لباكستان، وترفض روسيا بيع إسلام آباد أسلحة حديثة للحفاظ على التوازن العسكري مع الهند – ورفضت روسيا طلب الصين وأوكرانيا بيع طائرات ودبابات لباكستان لأن محركاتها روسية المنشأ. وتعتبر روسيا أن جامو وكشمير جزء لا يتجزأ من الهند وأن مقاومة أهلها للاحتلال الهندي هو جزء من الإرهاب الدولي الذي يجب على المجتمع الدولي أن يتصدى له!

ويأمل مخططو السياسة الخارجية الروسية تحقيق حلم يفغيني بريماكوف رئيس الوزراء الروسي السابق، ومدير دائرة المخابرات الخارجية بإقامة هذا الحلف للتصدي للأطماع الأمريكية في آسيا الوسطى، ولإعادة المركز الدولي لروسيا في عالم متعدد الأقطاب. وكان بريماكوف قد دعا لإقامة مثل هذا الحلف أثناء زيارته للهند قبل ٨ سنوات. ولكن رغم عقد عدة اجتماعات لتلك الغاية، إلا أن النتيجة ما زالت سلبية حتى الآن.

أما الجانب الهندي فقد أيد الموقف الروسي من اتفاقية حظر الأسلحة النووية ووعد بتقديم كافة أنواع الدعم للجانب الروسي في مفاوضاته للحد من انتشارها وكذلك معارضته المشروع عسكرة الفضاء الذي تسعى الإدارة الأمريكية الشروع به مجددًا.

الرئيس بوتين أعاد ترتيب أولويات السياسة الخارجية الروسية: واضعًا الهند على رأسها بعد فترة إهمال الرئيس يلتسين لها، ووضعه الأولوية لعلاقات روسيا بالغرب ويبدو أن جهود بوتين لن تخيب في المراهنة على الهند، وترجيحه البديل الشرقي ممثلًا بها وبالصين فالهند تنوي استثمار ٣٥٠ مليار دولار في البنية التحتية التحديث الدولة وتنمية ريفها. كما تنوي تخصيص ٩٥ مليار دولار لبناء جيش عصري تأمل روسيا في الاستحواذ على نصيب الأسد من هذه الصفقات.

وهكذا تلتقي مصالح روسيا الساعية لتأمين أسواق لمنتجاتها ومصالح الهند التي تبحث عن حليف دولي وتقنية رخيصة. ويبقى المسلمون الخاسر الوحيد من هذا التحالف الاستراتيجي.

الرابط المختصر :