العنوان روسيا تعود لأجواء الحرب الباردة عبر كوسوفا وشمال العراق
الكاتب عامر الحسن
تاريخ النشر الثلاثاء 09-مارس-1999
مشاهدات 73
نشر في العدد 1341
نشر في الصفحة 46
الثلاثاء 09-مارس-1999
تستغل الفرصة لتحقيق مكاسب اقتصادية
توقعت مصادر استخباراتية غربية أن تسعى الولايات المتحدة لتهدئة تصعيدها العسكري فيما يتعلق بأزمة كوسوفا لتجنب صراع مع روسيا - الحليف الأول لصربيا - ومحاولة إيجاد مخرج دبلوماسي دون اللجوء لحلف الناتو، وقالت تلك المصادر في تقرير «خاص» صدر مؤخرًا وحصلت «المجتمع» على نصه: إن الولايات المتحدة كانت على استعداد لشن غارات عسكرية على القوى الصربية، لكنها تراجعت عن ذلك، بعد تهديدات من روسيا بقطع معاهدتها مع الناتو فيما لو قامت القوات الأمريكية بعملية القصف، وأضافت أن لدى الإدارة الأمريكية ثلاثة سيناريوهات رئيسة فيما يتعلق بأزمة كوسوفا، وهي: إما أن تضغط واشنطن على صندوق النقد الدولي لمنح روسيا مساعدات مالية ضخمة، فيما أسمته برشوة لاستيعاب الرفض الروسي، وإنعاش اقتصادها المتردي، وإما أن تقوم مباشرة بقصف القوات الصربية متحملة بعد ذلك النتائج، وإما أن تجد حلًا سلميًا يجنبها التورط في صدام عسكري.
ووصف التقرير المناورات التي يقوم بها كل من الولايات المتحدة وروسيا على كافة الأصعدة السياسية بأنها نموذج مصغر «للحرب الباردة» وعودة لأجواء التنافس التي ميزت العلاقة بين الطرفين خلال تلك المرحلة، مشيرة إلى أن المناورات التي تقوم بها موسكو لا تتعلق بالملف الصربي فحسب، وإنما بالملف العراقي والتركي أيضًا، وقال إنه على الرغم مما قد يبدو أنه مجرد أحداث متفرقة مما يدور على الساحة السياسية - مثل إلقاء السلطات التركية القبض على زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان - إلا أن هناك خيطًا مشتركًا تحيكه مساعي روسيا للعودة للساحة السياسية من جديد، وأن روسيا تريد أن توضح للولايات المتحدة بأنها لا تزال تستطيع أن تكون شوكة في طريق هيمنتها سواء على منطقة الخليج أو آسيا أو منطقة القوقاز.
وأوضح مركز «ستراتفور» في تقريره الذي صدر في 22 من فبراير 1999م أن الروس يشعرون بأن الغرب، لا سيما الولايات المتحدة، لا يريد مساعدتها للخروج من أزمتها الاقتصادية بحجة عدم نجاح الإجراءات الإصلاحية التي قامت بها حكومة موسكو في الفترة الماضية، وأن الموقف الغربي السلبي تبلور مؤخرًا في اجتماع الدول الصناعية السبع في بون بألمانيا، حيث كان هناك موقف عام يدفع بعدم تقديم مساعدات لروسيا ما لم تقم باتخاذ خطوات إصلاحية رئيسة، مضيفة أن روسيا معرضة لخطر التضخم وضعف العملة، وتقهقر اقتصادي واضح، واختتمت الدول الصناعية السبع اجتماعها بالتأكيد على أنها لن تقوم بتقديم مساعدات لروسيا، مقترحة في الوقت ذاته أن يتولى صندوق النقد الدولي ملف المساعدات والمنح بنفسه.
وكانت روسيا قد قامت على هامش اجتماع بون بعقد عدة محادثات مع الطرفين الألماني والياباني فيما اعتبر محاولة روسية لتطويق الهيمنة الأمريكية على الاجتماع، وتناولت محادثات الرئيس الروسي يلتسين مع المستشار الألماني شرودر الوضع في العراق وكوسوفا والناتو، بالإضافة لموضوع المساعدات لروسيا، وتبين من مستوى المسؤولين الروسيين الذين حضروا الاجتماع - وفيهم بريماكوف رئيس الوزراء - أن روسيا أعدت له مسبقًا، ولم يكن مجرد اجتماع تقليدي على هامش اجتماع الدول الصناعية، بعدها مباشرة غادر بريماكوف إلى طوكيو لعقد محادثات مماثلة مع المسؤولين اليابانيين.
ويشير تقرير «ستراتفور» وثيق الصلة بصناع القرار الغربي، إلى أن روسيا تسعى لممارسة ضغوط على الولايات المتحدة بطريق غير مباشر عبر الطرفين الألماني والياباني «اللذين تربطهما علاقات استراتيجية واقتصادية مشتركة مع روسيا وأمريكا»، فاليابان تعاني من تدهور اقتصادي واضح والروس يسعون لاستغلال هذا الوضع من خلال إقناع اليابانيين بأن انتعاش اقتصاد طوكيو مرتبط بانتعاش اقتصاد موسكو، وهذا يتطلب أن تقوم اليابان بجهود قوية لإقناع أمريكا بتقديم المساعدات السخية لروسيا، وما لم يقم اليابانيون بتفعيل جهودهم الدبلوماسية مع الأمريكيين لتحقيق المطلب الروسي، فإن روسيا قد تهدد بعدم إرجاع بعض الجزر اليابانية التي احتلتها نهاية الحرب العالمية الثانية، وبالنسبة لألمانيا فإن ما يهمها هو استقرار الأراضي الممتدة من البلطيق حتى البلقان، لأنها تتأثر بما يدور في هذه المناطق من قلاقل أكثر من أي دولة أخرى، فلألمانيا استثمارات ضخمة في هذه المناطق بالإضافة لاستثماراتها مع روسيا، وتسعى روسيا لإقناع ألمانيا بأنها قادرة على زعزعة أمن واستقرار هذه المناطق بقدر يتجاوز مجرد تهديد مصالحها الاستثمارية، وفيما لو ضحى الألمان باستثماراتهم في هذه المناطق لصالح التهديدات الروسية، فإن هذا سيعني على المدى البعيد اعتماد ألمانيا على الولايات المتحدة وهو ما لا تريده ألمانيا حتمًا، لذا تمارس روسيا هذه الضغوط كي تقوم ألمانيا بالتعاون مع بعض الدول الأوروبية الأخرى، وبإقناع أمريكا تقديم مساعدات للاقتصاد الروسي المنهار.
ويبدو أن روسيا بدأت تنهج استراتيجية تجمع بين المحافظة على ظروفها الداخلية ومصالحها الخارجية، وعلى رأس ذلك مصالحها مع الصرب، حيث كانت أمريكا تعتقد في البداية أن صربيا معزولة دوليًا عن أي قوة يمكن أن تدعمها سياسيًا أو عسكريًا، وهذا سيقودها عاجلًا أو آجلًا للانصياع لقرارات مجلس الأمن، وأنه فيما لو احتاجت أمريكا للتدخل عسكريًا فسيكون تدخلها محدودًا لا يدوم فترة طويلة، ولا يكبدها خسائر فادحة، إلا أن التدخل الروسي في هذا الملف برهن لأمريكا عدم صحة ما كانت تسلم به وتفعل روسيا كل ما بوسعها لتبلغ الولايات المتحدة والناتو بأنها ضد أي تدخل من طرف واحد في كوسوفا، وأنها ستقوم بفعل كل شيء يجعل هذا التدخل - فيما لو تم - صعبًا ومؤلمًا.
وكان الرئيس يلتسين قد بعث بما يشبه التهديد لنظيره الأمريكي محذرًا من أنه لن يسمح لوكوسوفا بأن تُلمس، فيما حذر مسؤول كبير في الخارجية الروسية من أن قصف صربيا سيسفر عنه تلقائيًا إلغاء المعاهدة الروسية مع الناتو، ونقلت الصحف البريطانية تقارير حول قيام روسيا بإلغاء معاهدة للتعاون البحري مع بريطانيا بسبب موقفها ضد صربيا، والمتفق مع الموقف الأمريكي.
وفي الفترة نفسها كشف بعض الصحف عن قيام روسيا بتزويد العراق بالأسلحة، ولم يقم المسؤولون الروس بنفي ذلك نفيًا تامًا، ويخمن تقرير ستراتفور بأنه من المحتمل أن تكون روسيا هي المسؤولة عن تسريب هذه التقارير في هذا التوقيت بالذات لافتعال أزمة بينها وبين الولايات المتحدة، وإطلاق بالون اختبار لمعرفة مدى استعداد أمريكا للتراجع عن تصلبها في تقديم المساعدات المالية، وأضاف التقرير أن أحد أهم العوامل للموقف الروسي المتحمس بالنسبة للعراق هو تركيا، حيث تخشى روسيا من تداعيات التغلغل التركي في القوقاز، سيما بين الجمهوريات الإسلامية المستقلة في المنطقة، كما تتمتع روسيا بعلاقات حميمة مع أرمينيا، حيث قامت روسيا في الأسابيع المنصرمة ببيع ونقل صواريخ 100- S «أرض – جو» لأرمينيا، مما زاد مخاوف الجارة تركيا، وتريد روسيا من خلال ذلك أن ترسل رسالة إلى تركيا، بأنها غير راضية عن تحليق الطائرات التركية مع طائرات الناتو فوق المناطق الآمنة في شمال العراق بصورة دورية، وعبرت روسيا عن غضبها من الهجوم التركي على العراق الأسبوع الماضي في أعقاب إلقائها القبض على زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان.
كما قام وزير الخارجية السوري فاروق الشرع بزيارة لموسكو و صدر بيان مشترك يندد بالغارات الأمريكية على العراق، ويعكس رغبة دمشق في أن لموسكو دورًا حيويًا لا في عملية التسوية فحسب، وإنما في سياسة الشرق الأوسط ككل.
والهدف من كل التحركات الروسية على هذه الجبهات المختلفة - كوسوفا، والعراق، وتركيا - هو جعل الولايات المتحدة تدرك أنها ستخسر كثيرًا لو استمرت في تصلبها بعدم مساعدة الاقتصاد الروسي وإنقاذه من الانهيار، كما تستهدف الرسالة الروسية كلًا من ألمانيا، واليابان.
ويعرف العراقيون والصرب مغزى التحركات الروسية، ويجازفون لأجل ذلك بالمخاطرة لمواجهة تداعيات القصف الأمريكي في جر روسيا بصورة أعمق في معاركها، وهذا يعني أن موقف العراق وصربيا سيتسم بالتصلب في المرحلة المقبلة، على غير ما تتصور الإدارة الأمريكية، حيث إن المزيد من نوايا عزل كل من العراق وصربيا عن المجتمع الدولي سيؤدي إلى توريط روسيا في لعبة توازن القوى، وإعادة المنطقة لأجواء الحرب الباردة من جديد، وهو كابوس يظلل جميع الدول الغربية الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة تحديدًا.