العنوان روسيا: المعارضة تنجح في كسر دماغ يلتسين.. وتتأهب للقضاء عليه
الكاتب د. حمدي عبد الحافظ
تاريخ النشر الثلاثاء 22-سبتمبر-1998
مشاهدات 82
نشر في العدد 1318
نشر في الصفحة 42
الثلاثاء 22-سبتمبر-1998
صادق البرلمان الروسي بأغلبية ساحقة على ترشيح يفجيني بريماكوف لرئاسة الحكومة الجديدة، كما وافق النواب في الجلسة نفسها على تعيين فيكتور جراشينكو حاكمًا للبنك المركزي الروسي، وكان قد شغل المنصب نفسه حتى أكتوبر عام ١٩٩٣م، قبل أن يطاح به بعد اتهامه بالتعاطف مع البرلمان السابق «المعروف ببرلمان حسب الله توف».
وفي أعقاب تعيين بريماكوف عين الرئيس الروسي يلتسين يوري ماسلكوف نائبًا أول لرئيس الحكومة ومسؤولًا عن شؤون الاقتصاد والصناعة فيها، وكان ماسلكوف وهو أحد أبرز النواب الشيوعيين داخل البرلمان الحالي، قد تولى رئاسة اللجنة الحكومية للتخطيط «وزارة التخطيط» في العهد السوفييتي، إلى جانب عضويته في اللجنة المركزية والمكتب السياسي للحزب الشيوعي السوفییتی المحل.
وطبقًا لما أظهرته نتائج التصويت، فإن ست مجموعات نيابية داخل البرلمان «من مجموع ثماني مجموعات» منحت أصواتها لبريماكوف وهي مجموعة الشيوعيين «١٣١ نائبًا» وتكتل يابلكو الإصلاحي «٤٣ نائبًا» والسلطة للشعب «٤٤ نائبًا» والزراعيين «٢٦ نائبًا» والمناطق الروسية «٤٤ نائبًا» وحزب «روسيا – بيتنا» «٦٦ نائبًا» وهو إجماع لم يحدث منذ قيام روسيا ما بعد الشيوعية، ولم يعارض ترشيح بريماكوف سوى الحزب الليبرالي القومي الذي يتزعمه جيرنوفسكي «٥٠ نائبًا» وبعض النواب المستقلين.
وعزا جيرنوفسكي اعتراضه على بريماكوف إلى عمالته للأمريكان تارة وإلى استسلامه للشيوعيين تارة أخرى، ووعد بتحريك «الشارع» للإطاحة بالحكومة الجديدة.
أما زعيم حزب (الحرية الاقتصادية).
قسطنطين برافوي فقد وجه سهام انتقاداته إلى الكرملين مباشرة ويلتسين بالتآمر مع بريماكوف لتسليم السلطة للشيوعيين، مقابل وقف محاولة محاكمته ومنحه وأسرته بعض الضمانات بعد اعتزاله العمل السياسي.
واعتبر برافوي تولي بريماكوف لرئاسة الحكومة وماسلكوف مسؤولية ملف الاقتصاد والصناعة وجراشينكو لمنصب حاكم البنك المركزي بمثابة الانقلاب الشيوعي على السلطة.
ولم يكن جرينوفسكي وبرافوي وحدهما من حذر من مخاطر عودة الشيوعية إلى روسيا إذ سبقهما فيكتور تشيرنوميردن، الذي لم يفلح في نيل ثقة البرلمان على ترشيحه رئيسًا للحكومة.
قد يكون من المبالغ فيه الحديث عن عودة الشيوعية إلى روسيا أو اقتران هذه العودة بتولي بريماكوف لرئاسة الحكومة الجديدة، ولكن ما سيقع بالفعل هو تعديل جذري على نهج الإصلاحات التي أطلقها عام ١٩٩٢م، والتي عرفت «بسياسة الصدمة» وإذا كان بريماكوف لا يخفي مواقفه المحافظة سواء في الاقتصاد أو السياسة، فمن شأن عودة جراشينكو لرئاسة البنك المركزي وتولى فليسوف الحزب الشيوعي يوري ماسلكوف منصب النائب الأول لرئيس الحكومة، وإطلاق يديه لإقرار السياسات الاقتصادية والصناعية، من شأن هذا أن يعزز من قبضة الدولة ورقابتها على الجوانب الحيوية من العملية الاقتصادية.
مبادئ العمل عند بريما كوف:
وفي كلمته أمام النواب، قبيل التصويت على ترشيحه في مجلس الدوما «البرلمان» توقف بريماكوف عند ما أسماه بمبادئ العمل في المرحلة المقبلة والتي تمثلت في:
اهتمام الحكومة بصيانة وحدة وسلامة الأراضي الروسية والقضاء على الميول الانفصالية فيها، وبهذا الصدد أقترح بريماكوف ضم مجموعة من حكام المقاطعات والجمهوريات الروسية إلى هيئة رئاسة الحكومة، ودعا إلى إدخال تعديلات في الدستور تقضي بعزل الحكام المحليين «يتمتعون بالحصانة البرلمانية لكونهم أعضاء في مجلس الفيدرالية - الغرفة العليا من البرلمان» في حال تشجيعهم للميول الانفصالية أو التحايل على تطبيق القوانين الفيدرالية في مقاطعاتهم. الاستمرار في الإصلاحات الاقتصادية مع تصحيح الأخطاء التي ارتكبتها الحكومات السابقة، ومعالجة الجوانب السلبية، والآثار الاجتماعية، ومنح الأولوية للصناعات الوطنية، وعدم الاعتماد على القروض الخارجية في تمويل التنمية، ورفض القروض التي لا تتجاوب والمصلحة الاقتصادية لروسيا أو تلك التي ترتبط بقيود وشروط مجحفة.
تخلي المشاركين في الحكومة من ممثلي الأحزاب والمجموعات النيابية عن انتمائهم وحساباتهم الحزبية، واعتماد الكفاءة والحرفية لدى شغل الحقائب الوزارية.
الحفاظ على الطابع الديمقراطي في السياسة الخارجية والدفاع عن المصالح الوطنية، دون افتعال المجابهة مع الدول الأخرى، وتفادي عودة الانقسام أو الحرب الباردة على الساحة الدولية، ولدى رده على أسئلة واستفسارات النواب، جدد بريماكوف موقفه الرافض لتوسيع عضوية حلف الناتو ولسياسة الهيمنة على الساحة الدولية، ودعا إلى إعادة التوازن إلى النظام العالمي الجديد وإصلاحه من خلال التعددية القطبية.
باستبعاد تشيرنوميردن وإرغام الرئيس الروسي على التخلي عن عناده، ربما تكون المعارضة قد ضمنت إلى حد كبير، إمكانية إجراء الانتخابات البرلمانية «صيف العام المقبل» والرئاسية «في عام ٢٠٠٠» بعيدًا عن الانحياز السافر لأجهزة الإعلام وأصحاب رأس المال.
لماذا رحبت المعارضة بترشيح بریماکوف فيما عارضت تشيرنوميردن؟
كانت معركة تشيرنوميردن مصيرية وحاسمة بالنسبة للمعارضة، بكافة تياراتها، إذ لم يكن بمقدور أي من زعمائها التطلع للفوز في الانتخابات الرئاسية المقبلة، في مواجهته، وبخاصة إذا ما جرت الانتخابات في ظل قيامه بصلاحيات رئيس الدولة بالنيابة، كما ينص الدستور، إذا أقدم يلتسين على الاستقالة الطوعية أو حدث تدهور حاد ومفاجئ في حالته الصحية غير المستقرة، لذا كان من المهم للمعارضة الروسية عدم تولي تشيرنوميردن للحكومة، أما بريماكوف فلم تظهر عليه بعد التطلعات للمقعد الرئاسي.
انتصار مضاعف للمعارضة:
جاء انتصار المعارضة الروسية مضاعفًا في معركة رئيس الحكومة وذلك لأسباب:
فقد أرغمت المعارضة يلتسين لأول مرة على التراجع، والتخلي عن عناده بالتمسك بمرشح وحيد لرئاسة الحكومة، وإجبار النواب على الموافقة عليه تحت التهديد المتواصل بحل البرلمان.
في إطار البحث عن حلول للحد من تفاقم الأزمة الحكومية والحيلولة دون المجابهة، وفي ظل ميزان القوى الذي لم يكن لصالحه على الإطلاق، وفي إطار حوار المائدة المستديرة الذي أنعقد بمشاركته في الكرملين أقدم يلتسين على قبول تنازلات ضخمة تحد من صلاحياته المطلقة وتعيد الصلاحيات المسلوبة للسلطات الأخرى وبخاصة البرلمان.
وكان «حوار المائدة المستديرة» قد أسفر عن توجه لإجراء تعديلات واسعة في دستور عام ١٩٩٣م المعمول به حاليًا، وذلك في غضون شهر واحد من موافقة الأحزاب السياسية عليه، ويحظر الاتفاق المذكور على رئيس الدولة حل البرلمان طوال الفترة المتبقية التي تسبق الانتخابات البرلمانية المقبلة.
استبعاد تشيرنوميردن وإرغام الرئيس الروسي على التخلي عن عناده، ربما تكون المعارضة قد ضمنت إلى حد كبير، إمكانية إجراء الانتخابات البرلمانية «صيف العام المقبل» والرئاسية «في عام ٢٠٠٠» بعيدًا عن الانحياز السافر لأجهزة الإعلام وأصحاب رأس المال، كما نجحت في إضعاف موقف تشيرنوميردن وربما عدم المشاركة في الانتخابات الرئاسية المقبلة.
ومن شأن وجود حكومة تدين بالولاء للبرلمان سواء بمشاركة الأحزاب فيها أو بدعمها لها، أن يسهل للمعارضة وبخاصة اليسارية، إدارة المعركة على الجبهة الاستراتيجية، أي مع الرئيس الروسي للإجهاز عليه نهائياً، وذلك من خلال عريضة الاتهام الموجهة ضده والتي وقع عليها ٢١٧ نائبًا والتي تشمل اتهامات من بينها التآمر على الدولة السوفييتية وإنهاء وجودها وشن الحرب على الشيشان وتدمير القدرة الدفاعية والاقتصادية لروسيا الاتحادية.