العنوان روسيا البيضاء - دخل عن طريق التجار وانتشر على أيدي التتار - الإسلام في بيلا روسيا.. عشرة قرون من الصمود
الكاتب إيراهيم بوريسافيتش كاناباتسكي
تاريخ النشر الثلاثاء 09-سبتمبر-1997
مشاهدات 60
نشر في العدد 1266
نشر في الصفحة 42
الثلاثاء 09-سبتمبر-1997
قبل الحرب العالمية الأولى كان الإسلام في بيلاروسيا هو القوة الوحيدة التي حمت التتار وثقافتهم من الإنقراض.. لكن حمالات ستالين كادت تقضي على الوجود الإسلامي هناك.
تقع جمهورية بيلاروسيا «روسيا البيضاء» وسط أوروبا مساحتها ٢٠٧.٦ ألف كم2 تمتد من الشمال إلى الجنوب ٥٦٠ كم ومن الغرب إلى الشرق ٦٥٠ كم سكانها صقالبة «سلافيون» يشكل الشعب البيلاروسي 77,9% من قاطني الجمهورية وهم بشكل أساسي أرثوذكس وكاثوليك وبروتستانت يعيش في الجمهورية إضافة إلى البلاروس روس وأوكران، وبولون، ويهود، وتتار، وقوميات أخرى تقدر بـ ۱۲۳ قومية ويعتنقون ديانات مختلفة تحتل جمهورية بيلاروسيا موقعًا جغرافيًّا مميزًا بين الطرق الممتدة من المناطق المركزية في روسيا الاتحادية إلى أوروبا الغربية، ومن الجنوب والجنوب الشرقي الروسي إلى دول البلطيق، وليس لها حدود طبيعية واضحة، فحدودها عبارة عن سهول ومرتفعات مما يساعد على تطوير العلاقات الاقتصادية مع جيرانها، روسيا الاتحادية أوكرانيا، ليتوانيا، ولاتفيا، ومن الغرب مع بولونيا عاصمة بيلاروسيا - مينسك.
تأسست جمهورية بيلاروسيا في الأول من يناير «كانون الثاني» ١٩١٩م، وهي عضو في هيئة الأمم المتحدة ورابطة الدول المستقلة.
عثر في بيلاروسيا على كنوز أثرية هامة من العملات النقدية بينها عملات عربية من القرن الثامن الميلادي مصكوكة بأحرف عربية، مما يؤكد وصول التجار العرب المسلمين إلى هذه البلاد ولكنهم لم يؤثروا في الشعب البيلاروسي الذي كان يؤمن بقوة الطبيعية، اعتنق «البولكار» الذين عاشوا قرب نهر الفولجا عام (922م) الدين الإسلامي عن طريق العرب وأصبحوا جزءًا مكونًا للشعب التتري، وفي نهاية القرن الرابع عشر الميلادي اعتنق كل التتار الإسلام، وفي نهاية عام ١٣٩٧م هاجر عدة آلاف من التتار بينهم عدد من الأئمة إلى بيلاروسيا، وقد ساعد التسامح الديني الذي كان سائدًا وقتها في بيلاروسيا في بناء المساجد والمدارس الإسلامية، وفي عام 1591م كانت بيلاروسيا في دولة واحدة مع بولونيا، وفيها ما يقارب ١٠٠ ألف تتري وحوالي ٤٠٠ مسجد.
في بداية القرن السابع عشر الميلادي بدأت حملات الاضطهاد ضد المسلمين فهاجر الكثير من التتار إلى جزيرة القرم وتركيا، وتقلص عددهم حتى بداية القرن الثامن عشر إلى ثلاثين ألفًا وكان يعيش على أرض بيلاروسيا قبل الحرب العالمية الأولى حوالي ١٤ ألف مسلم، وكان الإسلام هو القوة الوحيدة والأساسية التي حمت التتار وثقافتهم من الانقراض، إن تعايش المسلمين البيلاروس مع غيرهم من أصحاب المعتقدات الأخرى، وبشكل خاص الأرثوذكس مكنهم من الحفاظ على عقيدتهم وعاداتهم وتقاليدهم، وكان للجمعيات الإسلامية التي تواجدت في ذلك الوقت الدور الأكبر.
في نهاية ١٩٢٥م أسس المسلمون التتار دارًا للإفتاء وفي فترة ما بين الحربين بدأت بولونيا التي بقي فيها أغلب التتار أعمالًا من أجل نهضة الإسلام في حياتهم، صدرت مجلات إسلامية، وكتب عن الإسلام خاصة للأطفال وتمت طباعة مقالات إسلامية ومواضيع تعريفية عن التتار في المطبوعات البولونية ولكن الحرب العالمية الثانية أوقفت تلك الأعمال.
أثناء المعارك مع الفاشيين الألمان قتل الكثير من التتار، وتعرض أكثرهم نشاطًا وثقافة للاضطهاد الجماعي قبل وبعد الحرب من قبل نظام ستالين المساجد أغلقت أو هدمت وبقي مسجد واحد فقط من أصل ۱۹ مسجدًا كانت موجودة في بيلاروسيا قبل الحرب العالمية الثانية «المسجد المتبقي موجود في ضاحية إيفيا – مقاطعة غرودنة»
وبهذا الشكل قوض الحكم المتسلط أسس تواجد المسلمين التتار، ومن أجل نهضة الإسلام في هذه البلاد قام عدد من أصحاب المبادرة التتار بتأسيس «الجمعية البيلاروسية للمسلمين التتار «الكتاب» عام ١٩٨٩م والجمعية الدينية للمسلمين في جمهورية بيلاروسيا عام ١٩٩٤م دفعهم إلى ذلك قلقهم على مصير إخوانهم، وهم الآن يعملون قدر الإمكان لتنمية التربية الروحية في حياتهم بعد أن فهموا أن دين الإسلام هو الأساس لحفظ الذات بغض النظر عن فقدان اللغة التترية الأم واكتسابهم لعادات غريبة عنهم وعن دينهم.
وقد تمت الخطوات الأولى على طريق النهضة واليوم يوجد في الجمهورية 25 تجمعًا إسلاميًّا يوحدون 12٫5 ألف مسلم، أكبرها في العاصمة مینسك «2593 شخصًا» وفي مدينة غروبنة ومقاطعتها «725 شخصًا» ومنطقة إيفيا «6٢٢ شخصًا» ويفضل جهود الناشطين في جمعية «الكتاب» والمساعدة المخلصة من قبل الطلاب الذين جاؤوا من الدول العربية للدراسة في بيلاروسيا، تم تنظیم دروس أسبوعية إسلامية في أماكن تجمع المسلمين وإصدار مجلة «إيرام» 4 مرات في السنة التي تنشر أخبارًا متنوعة عن حياة ونشاط التجمعات الإسلامية في الجمهورية، وعن تاريخ التتار فيها، وعن أسس الإسلام وحقوق المسلمين، إضافة إلى الأخبار الهامة في الأقطار الإسلامية كما تم إصدار مجلة إسلامية شهرية «صدر منها 24عددًا» ومنذ بداية هذا العام بدأت بالصدور جريدة شهرية تحت اسم «جيون» ويسير العمل الآن من أجل إصدار موسوعة تعريفية حول «المسلمين التتار في بيلاروسيا وليتوانيا وبولونيا» كتب منها حتى الآن حوالي ألفي مقال ويخطط لها أن تترجم إلى سبع لغات عالمية منها اللغة العربية.
ما بين عامي ١٩٩٣م – ۱۹۹۷م عقدت ثلاثة مؤتمرات علمية تطبيقية دولية في العاصمة البيلاروسية مينسك هدفت إلى دراسة الثقافة الإسلامية الغنية للمسلمين التتار وكيفية الحفاظ عليها اشترك فيها أكثر من ١٥٠ باحثًا من دول مختلفة أوصوا بمواصلة هذه البحوث لأهميتها في إعادة الدور الفاعل للدين الإسلامي في حياة تتار بيلاروسيا وليتوانيا وبولونيا.
«قبل الحرب العالمية الأولى كان الإسلام في بيلاروسيا هو القوة الوحيدة التي حسمت التتار وثقافتهم من الانقراض.. لكن حملات ستالين كادت تقضي على الوجود الإسلامي هناك»
إن بناء المساجد والمراكز الإسلامية والمكتبات وغيرها من المؤسسات، كانت وما زالت من أهم المسائل في نشاط الهيئات الإسلامية في هذه الجمهورية، وذلك لضرورتها في نهضة مسلمي هذه البلاد الذين يدركون مدى صعوبة تحقيق كل ذلك إلا أنهم ينظرون إلى المستقبل بتفاؤل، ويأملون أن يساعدهم إخوانهم من الأقطار الإسلامية الأخرى، وانطلاقًا من هذا الإدراك توجه المسلمون في بيلاروسيا مرات عديدة إلى الشعوب الإسلامية والمراكز والهيئات التقديم المساعدة والمؤازرة وبالفعل حققت تلك النداءات بعض النتائج ثم بناء مسجد في مدينة سميلا فيتشي قرب مينسك تبرعت بتكاليف أخت من الكويت وافتتح بتاريخ 18/10/1996م، وقبل ذلك بعامين أعيد ترميم المسجد مدينة سلونيم بمساعدة إخوة عرب وأتراك وقريبًا إن شاء الله ينتهي العمل من ترميم المسجد الذي تم استرجاعه في مدينة نوفا غروبك «الافتتاح ۱۱ يوليو ۱۹۹۷م» وتمت دعوة الكثيرين من دول مختلفة لحضور الافتتاح.
وبصرف النظر عن تلك المنجزات فإنه يوجد الكثير من القضايا التي تحتاج إلى حلول أولها مسألة بناء مسجد في العاصمة مينسك فقد هدمت السلطات السوفييتية المسجد الوحيد فيها. عام ١٩٦٢م، واليوم تم التعويض عن ذلك بالحصول على قطعة أرض وسط العاصمة، ويوجد مشروع لبناء المسجد، ولكن لا يوجد نقود لبدء البناء كما لا يوجد نقود الترميم أقدم مسجد خشبي في أوروبا في قرية «دافيوتشكي» عام 1558م، ولإعادة بناء مسجد قرية «الوفيتشي».
ورغم كل الصعوبات فإن العمل قائم ومستمر، خاصة بعد صدور قوانين تضمن حقوق الأقليات القومية وحرية الاعتقاد الديني وإنشاء المؤسسات الدينية الأمر الذي يشكل قاعدة قانونية لعملية إحياء الدين الإسلامي في حياة مسلمي بيلاروسيا، كما أنشئت بتاريخ ۱۱ يناير «كانون الثاني» ١٩٩٧م لجنة تهتم بشؤون الديانات والقوميات لدى مجلس وزراء الجمهورية وأنشئت لجنة حكومية من أجل التحضير للاحتفال في هذا العام بمرور ٦٠٠ سنة على وجود المسلمين التتار على الأراضي البيلاروسية.