العنوان رهان خاسر لتجريم العمل الإسلامي في الغرب
الكاتب خالد حسن المصيلحي
تاريخ النشر الثلاثاء 01-أكتوبر-1996
مشاهدات 127
نشر في العدد 1219
نشر في الصفحة 48
الثلاثاء 01-أكتوبر-1996
تحليل
تداعيات مؤتمر لندن وخلفياته
قد نتفهم -إلى حد ما- تفاقم التركيز المشهود للوبي الصهيوني في الولايات المتحدة لتشويه صورة العرب والمسلمين على مستوى الدوائر الإعلامية والصحفية الأمريكية، بحكم المصلحة الإسرائيلية المباشرة المرتبطة بتغطية قضايا الشرق الأوسط والنفوذ البارز لهذا اللوبي في التأثير على صناعة القرار داخل الإدارة الأمريكية، وطبيعة أساليبه في ملاحقة المعادين أو المعارضين للصهيونية.. لكن بماذا نفسر الهستيريا الدعائية والتحريضية الأخيرة التي نسجت خيوطها بعض وسائل الإعلام الغربية ضد كل ما له علاقة بالعمل الإسلامي في بيار الغرب عبر توظيف حملة دعائية ضد الحكومة البريطانية بسبب المؤتمر الملغى الذي كان من المفروض أن ينعقد في لندن يوم 8 سبتمبر الماضي، تحت إشراف وتنظيم حركة المهاجرين بقيادة عمر البكري؟
لأمر ما احتلت لندن موقعًا موازيًا لموقعي «الخرطوم، وطهران» على أعمدة بعض الصحف والمجلات العربية، وتحولت فجأة إلى «أكبر معقل دولي للتطرف يوازي في خطورته معسكرات لبنان وأفغانستان»، حتى إن بعض الأقلام لم تجد عما تختزنه من احتقان وكيد للعمل الإسلامي غير عبارة: «بريطانيا تحولت إلى مكة جديدة يحج إليها الإرهاب سنويًا», وقد وظفت بعض وسائل الإعلام الفرنسية كمجلة «الإكسبريس» في عددها الأسبوعي الصادر من ۱۲–۱۸ سبتمبر، هذا التهويل الدعائي المشهور لتصفية حساباتها مع بريطانيا خاصة في محاولة دفعها و«توريطها» في تعزيز الجدار الأمني المخابراتي الذي شكلته بعض دول أوروبا منذ ما يقارب السنتين لمواجهة ما سمي ب «الأصولية الإسلامية» وتصفية قواعدها الخلفية وتجفيف منابع الدعم اللوجستي لها.
ويأتي هذا التصعيد المتعامل بعد التدشين الرسمي والضوء الأخضر الذي منحته حكومات مصر, والجزائر, وتونس على إثر رفض السلطات البريطانية طلب هذا الثلاثي لإلغاء مؤتمر لندن الذي اعتبرته مصر: «خرقًا للأعراف الدولية ودعمًا للتطرف والإرهاب الذي تعهد المجتمع الدولي بالقضاء عليه»، فمن الطبيعي إذن أن تتحول بريطانيا «التي تستند إلى الشرعية الشعبية والمؤسساتية, وترعى حقوق الإنسان»، وسط غمرة محاولات تلغيم وتفجير أرضية العمل الإسلامي في الداخل والخارج، وحالة الاستنفار القصوى التي أعلنتها بعض الجهات الرسمية في سباق مع الزمن وتنافس مع المهمة الاستعجالية لعدد من الدوائر الإعلامية الغربية ذات الارتباط العضوي أو المتعاطفة مع اللوبي الصهيوني لتجريم العمل الإسلامي وتشويه صورة العرب والمسلمين في الخارج، إلى دولة راعية للإرهاب، ومعقل له «الزحف الأخضر» في حين عقب أحد المسؤولين الأوروبيين على طلب إلغاء المؤتمر وتسليم «الإرهابيين اللاجئين»، متسائلًا: «كيف تستجيب الدول الأوروبية لطلب تسليم الإرهابيين إذا كانت الحكومات التي تطالب بالتسليم تمارس ضد رعاياها كل أنواع الإرهاب».
إن التصعيد الدعائي الذي أشرفت عليه بعض وسائل الإعلام العربية قد شهد منعرجًا آخر أكثر خطورة، وتضمن تهديدًا مباشرًا لمستقبل العمل الإسلامي في الخارج من خلال التركيز على ترويج أخبار مكذوبة ومغالطات سافرة تمهيدًا لإصدار جملة من الأحكام والاتهامات وتحقيقًا لأهداف محددة مسبقًا، فمن ذلك محاولة إبراز أن مجمل فصائل العمل الإسلامي شاركت في التحضير لهذا المؤتمر –بشكل أو بآخر– بالرغم من أن عددًا من التنظيمات الإسلامية حدد موقفه بوضوح من هذا التحرك قبل موعد انطلاقه، وذهب المستشار مأمون الهضيبي –الناطق الرسمي باسم جماعة «الإخوان المسلمون في مصر- عندما صرح الجريدة «الحياة» قائلًا: «نحن لا نعرف شيئًا عن حركة المهاجرين ولا نهتم بدراسة أفكارها، ولا نعلم من يقف وراءها ولذلك فإن الإخوان في العالم كله لن يمثلوا في هذا المؤتمر حتى ولو تلقوا دعوات للحضور»، كما فند الداعية راشد الغنوشي خبر مشاركته في المؤتمر لاختلاف أساليب العمل والرؤى واستبعد أحد ممثلي الجبهة الإسلامية للإنقاذ في الخارج أن يكون السيد علي بلحاج قد أرسل شريطًا صوتيًا الفعاليات المؤتمر خاصة وأن أخبار علي بلحاج منقطعة منذ أكثر من سنة، وهذا يعتبر إقحامًا لمختلف مكونات العمل الإسلامي وتوريطها في مشاريع مشبوهة تحضيرًا للخطوة الحاسمة التالية والمتمثلة في:
- تجريم العمل الإسلامي وتصنيفه، رغم تعدد واجهاته وتنويع آلياته، واختلاف أساليبه، في إطار ما سمي بـ «الأنشطة الإرهابية» ومن ثم إدانته جملة وتفصيلًا دفعة واحدة.
- استدراج فصائل العمل الإسلامي للدخول في صراع إسلامي– إسلامي لاستنزاف الطاقات الكامنة، وتكريس منطق التصادم وأسلوب التآكل وتجذير النخر الداخلي، ثم قبل هذا وبعده محاولة التمكن من صرف الحركة الإسلامية وإشغالها عن قضايا الأمة المصيرية، وفي مقدمتها قضية فلسطين المركزية وما يدبر لها من صفقات، ويحاك لها من مشاريع وسيناريوهات.
- تطويق الآليات الحركية والمؤسساتية للعمل الإسلامي بإحراجه سياسيًا وإرباكه تنظيميًا، وتأزيم طبيعة تعامله مع «الآخر» باتجاه التصعيد والتأزم.
- استنفار دوائر الأجهزة الاستخباراتية الغربية لمواجهة «الخطر المحدق» والممثل في العمل الإسلامي بعد أن تم تنصيبه ک «عدو بديل» لتلغيم ساحة العمل الإسلامي باختلاف مؤسساته وواجهاته في الخارج تحضيرًا للتفجير من الداخل.
ومع الإقرار بمحاولة هذه الأرمادة الدعائية من إثارة «الفزع المخابراتي الغربي» وتسليط الأضواء الكاشفة على واقع العمل الإسلامي بالخارج ممزوجًا بأكاذيب وأراجيف في خطة إيحائية لتوجيه الإعلام الغربي للتركيز على «مخاطر» العمل الإسلامي في الخارج، وما أصبح يشكله من تهديدات جديدة ليس على مستوى استقرار المنطقة فحسب، بل حتى على بلدانهم، إلا أن «الزوبعة المفتعلة» لم تتجاوز –فعليًا- حدود الزمان والمكان, خاصة بعد الوضوح الذي اتسمت به مجمل فصائل العمل الإسلامي على مستوى المواقف والمواقع تجاه عقد هذا المؤتمر، حيث تأكد بأن ثمة ظروف محدودة تفرض الوقفة الحاسمة في إطارها الشرعي ضد بعض المقولات والآليات، لأن الاحتماء بمظاهر التغاضي والتغافل -في هذه الحالة- يمنح لهذه القوالب شرعية إسلامية لا تملكها، فيفضي ذلك بالضرورة إلى امتدادهم في الخط المنتهج والسلوك المتبع سلفًا.
ويبقى خطاب «حركة المهاجرون» خطابًا مثيرًا لعلامات الاستفهام لطبيعة الدور الذي تقوم به مثل هذه الحركات التي ترفع شعارات «إحياء الخلافة الإسلامية انطلاقًا من لندن»، و الثورة الإسلامية العالمية، وغيرها من الشعارات التي تخلص في النهاية إلى تأليب الشرق والغرب على الإسلام والمسلمين دونما نتائج ملموسة، كما أنها تؤدي في النهاية إلى تقويض مسيرة العمل الإسلامي الراشدة وتصب نتائجها بشكل أو بآخر في خندق المتربصين للإسلام.
- باحث بالمؤسسة المتحدة للدراسات والبحوث واشنطن.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل