العنوان رموز الزور.. ومصائر الشعوب في الميزان
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الثلاثاء 05-أبريل-1994
مشاهدات 66
نشر في العدد 1094
نشر في الصفحة 37
الثلاثاء 05-أبريل-1994
يبدو أن أمتنا تعيش زمن الزور وتمر بعصر البهتان وتخالط سني الكذب
والضلال، كما يبدو أنها قد أحيط بها والتفت حولها مسلمات كثيرة، ودجاجلة عتاة،
ومسوخ طغاة. والظاهرة المحزنة والمحيرة في الوقت نفسه أن هناك كثيراً من تلك
الشعوب تقاد بمافيات عاتية تسمى نفسها دولاً وتدار بعصابات خطيرة تطلق على نفسها
أنظمة تسخر كل إمكانات الأمم الاقتصادية والأمنية والحربية والثقافية والإعلامية
لخدمة توجهاتها وأنشطتها المدمرة، وهذه العصابات والمليشيات ليس لها من حقيقة
الدول إلا الأسماء والأشكال والمظاهر، وحتى هذه الكنى وتلك الأسماء تم فضحها وظهر
للعيان زورها وبهتانها.
نقرأ في تلك الأيام عن المهازل الانتخابية والمساخر الاقتراعية التي
تجريها تلك الأنظمة لإعادة اختيار حكامها أو المافيا فيها، فنشاهد كيف يصنع الغش
رموزاً للدجل، ونرى كيف يخلق الزور عصابات للنصب والاحتيال، ونسمع كيف يقلب
البهتان قتلة الشعوب وسفاحي الأمم إلى ملائكة للرحمة ومعبودين للجماهير، وإلا فقل
لي بربك ما معنى أن يفوز طاغية بنسبة 99.99 % من أصوات الناخبين، وأن يختار جلاد
للأمة بنسبة لم تستطع الأنبياء والمرسلون الحصول عليها أو الآباء والأمهات
الاقتراب منها، إنه عصر المعجزات وزمن الآيات النحس التي أودعها سوء الطالع في
الأفاكين والآثمين والضالين، والغريب أنك تجد مع هذا أن هؤلاء الشياطين قد أحاطوا
أنفسهم بجوقة أو بكورس من أدعياء الثقافة وحثالة المتعلمين وأصحاب الذمم الخربة
ليطلقوا عليهم ألقاب الجلال وأسماء التقدم والتحضر والإصلاح، ويضفوا عليهم صفات
الإلهام والرشاد، وعلى عصورهم المشؤومة سمات التنوير لا التزوير، والحرية لا
الوحشية، والنزاهة لا الخيانة.
إن كلمة التزوير لفظة بشعة طاردتها الأمم حتى انزوت في حثالة الناس
وأشتات منبوذيهم، فإذا بها اليوم تصبح عنواناً على قادة الأمم ورموزاً لحكامها،
كما أن معاجم اللغة وكتب اللهجات قد وصمتها بأقذع المعاني وأخس الدلالات فأطلقتها
على الخيانة والسقوط وخراب الذمة والتهمة، فإذا بها في هذا الزمن تطلق على علية
القوم وأهل الثقة والريادة، كما أن علماء النفس يطلقون الكلمة على أنواع من
الأمراض النفسية والخلقية التي تصيب المنحرفين والشواذ، فإذا بها اليوم يتصف بها
حكماء النحس في الأمم وأذكياء النهضات الكذابة في الشعوب، كما أن علماء الإسلام
يطلقون على الكلمة إطلاقات أقلها أنها من الكبائر وأشدها أنها قرينة الكفر، وقد
حاولت الرسالات والديانات تحصين الأفراد والشعوب من خطرها الماحق وشرها المبين،
وقال العلماء شهادة الزور من الكبائر، وهي الكذب المتعمد واتباع الباطل وتزيينه
بقصد واختيار. ثم قالوا: عدلت شهادة الزور بهذا المعنى الشرك بالله لقوله تعالى:
﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ (سورة الفرقان: آية رقم
68)، إلى أن قال بعدها ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ (سورة الفرقان: آية
رقم 72). وقال صلى الله عليه وسلم: «عدلت شهادة الزور الإشراك بالله» قالها ثلاث
مرات ثم قرأ ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ
الزُّورِ﴾ (سورة الحج: آية رقم 31)، وقال صلى الله عليه وسلم: «لن تزول قدم شاهد
الزور حتى يوجب الله له النار».
ومع كل هذا يدعون أنهم أولياء لله غير مشركين به وأنهم النساك الأطهار
البررة أهل الحق والإيمان والفضل، وأنهم هم الفرقة الناجية ومن عداهم العصبة
الباغية فاقدو الإيمان والإسلام، يحاربون الله ورسوله ويشاقون الأمة ويفتاتون
عليها وعلى الإسلام والمسلمين!!! ولا أظن أن أحداً حتى لو كان فاقد العقل يستطيع
تصديق ذلك لأن من يدعي هذا الادعاء ويملأ به الدنيا صياحاً يكذبه عمله ويكشف زيفه
فعله للأسباب التالية:
أسباب زيف الادعاء
1.
استعداؤه الغرب
على الإسلام، وقيامه بدور بطرس الناسك في القرون الوسطى والذي كان يجوب الآفاق
يحرض على الإسلام والمسلمين، وقد زاد على بطرس بأنه يقبض لذلك ثمناً مجزياً.
2.
تجفيف الينابيع
الإسلامية في التربية والتعليم وفي دور العبادة، وفي المظاهر الاجتماعية الإسلامية.
3.
إفساح المجال
للإلحاد والأفكار المستوردة لتمثل البديل الفعلي للأفكار الإسلامية، ولتمييع
الهوية الإسلامية.
4.
ضرب الحركات
الإسلامية بكل قسوة وجلدها إعلامياً وتنفير الناس منها واتهامها وإدخال رموزها
السجون والمعتقلات.
5.
عدم السماح
للصوت الإسلامي بالظهور أو الإعلان عن نفسه بالطرق الشرعية وترك غيره وتشجيعه
والاستعانة به.
لهذا ولغيره الكثير يصعب معه تصديق المحاولات المستميتة، والتي تقصد
تزوير الحقيقة الظاهرة للعيان، والتي قد استبيح في سبيلها كل شيء، والتي قد أظهرت
حجم العداء للإسلام ورجاله ومقدار التسلط والقهر المغلف بالدجل الديمقراطي الذي لا
يخادع أحداً هنا أو هناك، وهذا ما دعا رجلاً مثل ميشيل دوريه يتحدث في جريدة
لوموند الفرنسية عن تجربة تونس الديمقراطية وعن سدنتها فيقول: «لا شك أن هذه
الممارسة التونسية التي تزعم لنفسها أنها من النوع الديمقراطي، كانت لعبة منتهية
من قبل ونتائجها معروفة بل وحتى قبل البدء في تنظيمها، فقد كان بن علي هو الرجل
الذي قرر ألا يكون ثمة بديل له. والحقيقة التي لا بد وأن تدرك هي أن تونس بعيدة كل
البعد عن أية سمة ديمقراطية الآن؛ إذ إن كل هم زين العابدين بن علي مركز أساساً
على استئصال شأفة الإسلاميين دون التفكير في أي شيء سوى ذلك، كما يسعى بن علي إلى
تنحية كل من يظهرون في نظره أنهم منافسون له أو يميلون إلى أفكار المتطرفين في
المطالبة بالحرية، وتستخدم السلطة في سبيل ذلك كل ألوان البطش ابتداء من
الاعتقالات التعسفية إلى الدعاوى والقضايا المفبركة إلى السجون والتعذيب والتصفيات
الجسدية، حتى أصبحت تونس دولة بوليسية يطبق فيها كل ألوان القهر والاستعباد فأين
الديمقراطية»، وهل تستطيع سماسرة الزور ورموزه حجب الحقيقة كثيراً؟ وهل ستظل الأمم
الثكلى تندب حظها بغير حول ولا قوة أم يصحو المارد ويحمل المنهج ويفرح المؤمنون
بنصر الله؟!!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل