; رمضان يحطم قيود العلمانية | مجلة المجتمع

العنوان رمضان يحطم قيود العلمانية

الكاتب طه عودة

تاريخ النشر السبت 08-نوفمبر-2003

مشاهدات 80

نشر في العدد 1576

نشر في الصفحة 32

السبت 08-نوفمبر-2003

تفرض بركة شهر رمضان نفسها على الموائد التركية فلم يمنع الركود الاقتصادي المواطنين من إحياء هذا الشهر الكريم بزخمه المعهود يحتفل الأتراك بالشهر المبارك ويهتمون به اهتمامًا بالغاً كباقي الدول العربية والإسلامية، لكن مظاهره تختلف هنا قليلًا بسبب تنوع الأعراق والثقافات والعادات في تركيا. ورغم أن الدولة علمانية متشددة في محاولة فصل الدين عن الدولة إلا أن الحياة تتلون بمسحة دينية تظهر واضحة في وسائل الإعلام وبين السياسيين.

وتقوم رئاسة الشؤون الدينية بتحديد بداية كل شهر من شهور السنة الهجرية، ومع الإعلان عن بداية رمضان تضاء منارات المساجد، وتكتب بالإضاءة عبارة أهلًا وسهلًا بك يا رمضان وتبدو مظاهر رمضان واضحة في مدينة إسطنبول عاصمة الخلافة العثمانية التي ما زالت تحافظ على تراثها الإسلامي، فتستقبل الشهر الكريم بتزيين منارات مساجدها التاريخية ترحيبًا بشهر الصوم. وفي سوق العطارين أهم وأكبر الأسواق القديمة في قلب العاصمة التجارية إسطنبول، تدب الحياة ويعج السوق بالباعة والمشترين، حيث يبتاع منه الأتراك ما لذ وطاب من الحلويات والأكلات التقليدية التي تعمر موائد الإفطار، وعلى بعد خطوات من سوق العطارين السوق المصري، وهو الأشهر في مدينة إسطنبول، ويشهد نشاطاً استثنائيًا خلال رمضان

إذ يباع فيه الزيتون والجبن والبسطرمة والتمر وهي المواد الغذائية التي يتناولها الأتراك عند الإفطار ومن الحلويات التي تشتهر بها تركيا وتقدم خلال رمضان المعجون العثماني أما «الغوزلمة» فهي من المآكل الشهيرة التي يزداد الطلب عليها في رمضان، وتتكون من عجين مرقوق يتم فرد الجبن عليه وخبزه ويأكل الأتراك التمر والزيتون والجبن بأنواعه قبل تناول طعام الإفطار، فيما يبقى طبق الشوربة الساخنة من الأطعمة الأساسية على المائدة، ولعل هذا راجع لظروف المناخ البارد في أكثر أوقات السنة.

وتعتبر الكنافة والقلاش والبقلاوة من أكثر الحلويات التي يقبل عليها الأتراك في رمضان، واستمرارًا للعادة الجديدة التي وضع أسسها الزعيم الإسلامي نجم الدين أربكان في فترة توليه لرئاسة الحكومة في عام ١٩٩٦م، فقد أقامت عدة بلديات خيمًا وشوادر رمضانية في الميادين والأماكن العامة لتقديم طعام الإفطار المجاني لكل من يدركه وقت الإفطار خارج منزله. وقد حاول أربكان إبان توليه رئاسة الوزارة تبكير مواعيد العمل حتى يتمكن الموظفون والعاملون في المؤسسات والجامعات من العودة إلى منازلهم قبيل المغرب للإفطار مع عائلاتهم، إلا أن محاولاته ارتطمت بجدار العلمانية التي حاكت المؤامرات للإطاحة بحكومته التي أضفت على الحياة التركية صبغة إسلامية وتشهد المساجد في إسطنبول ازدحامًا كبيرًا لأداء صلاة التراويح عشرين ركعة وبخاصة جامع السلطان أحمد، وهو من أشهر الجوامع التاريخية التي يتوافد عليها أغلبية المصلين في المدينة خصوصًا لإحياء ليلة القدر، كما ينظم في الجامع معرض ضخم كبير للكتب الإسلامية، يبدأ في الأسبوع الثاني من شهر رمضان ويستمر حتى نهايته. وتبدأ أنشطة هذا المعرض بعد صلاة المغرب من كل يوم، حيث يتوافد الآلاف رجالًا ونساًء على ميدان السلطان أحمد لأداء صلاة العشاء والتراويح، ثم يتجولون في معرض الكتب المقام في الصحن الداخلي للجامع.

 ومع اقتراب وقت السحور، يدور المسحراتي في شوارع وأزقة المدن ليوقظ من نام لتناول السحور. كما تنشط المحطات التلفزيونية الخاصة بتقديم فقرات وبرامج رمضانية تتراوح بين تلاوة القرآن الكريم، والصحبات الرمضانية والأدعية والأناشيد الدينية.

ومن العادات الشهيرة عند الأتراك في رمضان، قيام الرجال والنساء من كل أنحاء تركيا بزيارة جامع الخرقة الشريفة بحي الفاتح بإسطنبول لمشاهدة «الخرقة النبوية الشريفة» التي نقلها السلطان سليم من الحجاز إلى إسطنبول أثناء حكمه للدولة العثمانية. وهذه الخرقة محفوظة في جامع الخرقة الشريفة منذ تأسيسه عام ١٨٥٣م، حيث سمح السلطان عبد الحميد الثاني بفتح صندوق الخرقة الشريفة لعرضها على المواطنين في رمضان.

أردوغان يشارك الفقراء الإفطار:

أفطر رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان في أحد الشوادر القريبة من مبنى رئاسة الوزراء في أول يوم في شهر رمضان المبارك. 

تناول أردوغان حبة زيتون وكأسًا من الماء، وبعد ذلك تناول وجبته كباقي المواطنين الموجودين في الشادر وهي طبق من الشوربة، وطبق آخر من البطاطا باللحمة. وبعد ذلك اصطحب أردوغان زوجته السيدة أمينة إلى أحد الأحياء الفقيرة، حيث زار العديد من المواطنين الفقراء وقدم مساعدة إنسانية لعجوز تسكن وحدها عبارة عن مبلغ ٥٠٠ مليون ليرة تركية أي ما يقارب ٣٣٠ دولارًا.

الجالية العربية:

أما الجالية العربية التي يقطن قسم كبير منها في إسطنبول، فتكثر بينها الزيارات والأمسيات والإفطارات الجماعية.

 وقد التقينا السيد غزوان المصري مدير عام وقف دار السلام في إسطنبول الذي تحدث للمجتمع عن فاعليات ونشاطات الوقف الذي يتردد عليه الكثير من العرب من مختلف الجنسيات وقال المصري: في شهر رمضان ينظم الوقف الإفطارات الجماعية أيام الجمعة والسبت والأحد. ويدعى إليها أبناء الجالية العربية كافة، وطلبة الجامعات بالإضافة إلى تقديم المساعدات الإنسانية للطلبة، وبعض العائلات الفقيرة، كما يحيي الوقف ليلة القدر في السابع والعشرين من رمضان في كل عام، كما يحضر بعض الشيوخ من الدول العربية كضيوف على الوقف لإلقاء محاضرة وعظ وتطرق السيد المصري للنشاطات الأخرى للوقف فقال: في هذا الشهر نركز بشكل كبير على الأطفال، حيث يقوم الوقف بتعليم الأطفال خصوصًا أيام الإجازات تعاليم الإسلام وتحفيظهم القرآن الكريم والانشغال بقراءة كتب الصحابة الكرام، وفي نهاية شهر رمضان توزع جوائز حفظ القرآن على الفائزين من الطلبة ويشير المصري إلى أن الوقف ليس مقتصرًا على الرجال ففيه قسم آخر للنساء، حيث يقوم الوقف بتعليم النساء خصوصًا التركيات المتزوجات من العرب قراءة القرآن وبالإجمال يركز الوقف على توثيق الصلات والعلاقات بين الجالية العربية.

 ماجد درويش صيدلي فلسطيني مقيم في تركيا سألناه عن الفرق بين رمضان في فلسطين ورمضان في تركيا فقال: «لا يوجد فرق بينهما لكن رمضان الحالي يختلف عن رمضان الماضي، ففي هذه الأوقات المباركة تكالبت قوى الشر ضد العرب والمسلمين خاصة في فلسطين والعراق، الأمر الذي يدمي قلوبنا» ذكرني كلامه بما تحقق في رمضان من أروع الانتصارات، وألح عليّ سؤال: ما النصر الذي حققه كل منا أو ينوي تحقيقه في رمضان هذا العام؟

قصر «قطوباجي» يفتقد من جديد صوت قراءة القرآن:

تعرض الإسلام للأذى في تركيا مدة طويلة وحرم المسلمون ثمانية عشر عامًا من سماع صوت الحق بعد تحويل الأذان إلى اللغة التركية واليوم في ظل حكومة حزب العدالة والتنمية ذات الأصول الإسلامية تواصل الأيدي الخفية تضييق خناقها على عدد من المظاهر الإسلامية.

ففي مدينة إسطنبول - التي تضم أكبر وأجمل جوامع الدنيا من الناحية المعمارية والفنية والتي تمثل الرمز الإسلامي عند الشعب التركي منذ فتحها في عام ١٤٥٣ السلطان محمد الفاتح - يتم لأول مرة منذ ٤٠٠ سنة وقف قراءة القرآن الكريم في أحد الأماكن التاريخية التي تحوي أمانات مقدسة.

فقد كان القرآن الكريم يقرأ يوميًا وبدون انقطاع على مدار الأربع والعشرين ساعة في قسم الأمانات النبوية المقدسة التي جلبها السلطان سليم الأول عند نزوله للشرق العربي في مطلع القرن السادس عشر في قصر قطوبقابي «الباب العالي» وقد أثار قرار منع قراءة القرآن الكريم ضجة كبيرة داخل الأوساط الإسلامية في تركيا.

في عهد حكومة رئيس الوزراء الأسبق نجم الدين أربكان كان عدد القراء الذين يقرؤون القرآن الكريم ليلًا ونهارًا في قسم الأمانات النبوية المشرفة بالقصر ١٥ قارئًا، أما الآن وفي عهد حكومة رجب طيب أردوغان فإن عددهم ثلاثة فقط يقرؤون القرآن الكريم في ساعات الدوام أي عند افتتاح القصر في الصباح وحتى إغلاقه.

وبررت مديرة المتاحف التركية فليز تشغمان القرار بأنهم لم يجدوا من يقرأ القرآن الكريم في ساعات الليل ولذا اضطروا لخفض ساعات القراءة.

وكما هو معروف فإن السلطان سليم الأول قرأ القرآن الكريم بنفسه في القصر عقب عودته من مصر في مطلع القرن السادس عشر ومنذ ذلك التاريخ، وعادة قراءة القرآن الكريم في القصر ما زالت موجودة.

 ذهبت إلى القصر الذي توجد فيه الأمانات النبوية المقدسة وبعد التحريات التي أجريتها تيقنت بأن قرار المنع صحيح، لكني لم أحصل على إجابة مقنعة من المسؤولين الموجودين في المكان، وحين تجرأ أحد المسؤولين على الحديث معي قاطعه زميل له مطالبًا إياه بعدم الإدلاء بأي معلومات مكتفيًا بالقول بأن الخبر الذي تداولته الصحف في الأيام الأخيرة الماضية ليس صحيحًا.

ورفض أحد المسؤولين السماح لي بالتقاط صور للمكان لكني وفي حين غفلة التقطت عددًا من الصور من الداخل والخارج للكشف عن هذه الفضيحة التي تداري عنها النخبة العلمانية بجميع مؤسساتها حتى إن التركي الذي يعيش في تركيا نفسها لا يدري ما يدور حوله. وبعد فترة طويلة استطعت الانفراد بأحد القراء الذي تبسم عند رؤيتي وسألته لماذا لا تقرأ القرآن كعادتك؟ فقال والخوف ظاهر بين عينيه: «الآن أنا في استراحة الغداء» ثم قام من مكانه وقال لي: انتظر سأقرأ.

خرجت من المكان وعدت إليه بعد نصف ساعة فلم أجد القارئ في مكانه!!

يذكر أنه في عام ١٩٢٠ أي عقب وصول مصطفى كمال مؤسس الجمهورية التركية العلمانية توقفت قراءة القرآن في قسم الأمانات النبوية واستمر هذا الحظر حتى عام ١٩٩٦ حين وصل حزب الرفاه بزعامة أربكان إلى الحكم فقام على الفور بتعيين ١٥ قارئاً وأحيا هذه العادة من جديد.

وفي هذا المضمار قال الشاعر التركي المعروف يحيى كمال بياتلي - رحمة الله عليه - في عام ۱۹۲۰ أي قبل تحويل جامع آيا صوفيا إلى متحف: «هناك شيئان يجعلان هذا البلد يقف على قدميه هما صوت الأذان في جامع آيا صوفيا «قبل تحويله إلى متحف في عام ١٩٣٦» والآخر قراءة القرآن الكريم يومياً ليلًا ونهارًا في قسم الأمانات النبوية المقدسة في قصر طوبقابي».

وفي شهر رمضان المبارك خصوصًا يزور الأتراك حجرة الأمانات المشرفة التي تحوي مقتنيات للرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 121

108

الثلاثاء 10-أكتوبر-1972

محليات (121)

نشر في العدد 219

101

الثلاثاء 24-سبتمبر-1974

المجتمع الكويتي (219)

نشر في العدد 2108

137

الخميس 01-يونيو-2017

رمضان.. شهر الانتصارات