العنوان رمضان وذكريَاته في الشعْر الإسلامي المعَاصر
الكاتب أحمد الجدع
تاريخ النشر الثلاثاء 14-أغسطس-1979
مشاهدات 72
نشر في العدد 454
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 14-أغسطس-1979
سميت الشهور العربية بأسمائها المعروفة، في فترة جاء فيها شهر منها شديد الحر فسماه العرب «رمضان»، ورغم تنقل الأشهر القمرية بين الحر والاعتدال والبرد، فإن أسماءها ثبتت كما هي، ومنها رمضان.
وجاء الإسلام، وتنزل القرآن في رمضان، وأخذ الناس ينسون ما ارتبط به هذا الشهر من شدة الحر وقسوة الجو، ليتحولوا بأفكارهم إلى ما ارتبط به من الخير العميم، وهو بدء تنزل الوحي في الليلة المباركة، وبدأ رمضان يأخذ منزلة خاصة لدى المسلمين، وزادت نظرة الناس احترامًا وحبًّا لهذا الشهر الكريم، لما ارتبط به من مناسبات إسلامية عظيمة، كمعركة بدر، التي فرق الله بها بين الكفر والإيمان، وبين الحق والباطل، وفتح مكة الذي سجل الانتصار النهائي للإسلام على الجاهلية، ثم غدا رمضان شهر المحبة والتواد والتراحم، وشهر البر والتقى والرشاد؛ عندما أمر الله – سبحانه – بصيامه في قوله الحق: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (1).
وتنبه الشعراء لما يكنه المسلمون لرمضان الخير من محبة، كما لمسوا ما يستقبلونه به من ترحاب، وما يودعونه به من شكر لله على صيامه وقيامه، فأخذوا يشاركون المسلمين في هذا الاستقبال العظيم للشهر الكريم، وأسهم الشعر الإسلامي المعاصر في هذه المشاركة، فأبدع قصائد كثيرة تناولت رمضان واستقباله، ورمضان وما ارتبط به من ذكريات وأمجاد، ثم استغل الشعراء هذه المناسبات الزاخرة بالمفاخر، بثوا من خلالها شكاتهم مما آل إليه حال المسلمين، ودعوا إلى نهضة إسلامية جديدة، تعيد للمسلمين عزهم ومجدهم.
فمما أشار إليه الشاعر محمد هاشم رشيد في استقباله لرمضان المبارك، ذلك الخير الذي يقبل مع رمضان، وذلك التحول الذي يطرأ على جماعات كثيرة من المسلمين، فيقبلون على الصلاة والزكاة والصوم والتهجد، يغترفون من خير رمضان، ويطمعون في مغفرة الله وصفحه عمَّا أسلفوا من آثام:
موكب الخير والهدى والسلام *** اليوم هاتفًا بالصيام (2)
حاملًا في يديه أحلى الهدايا *** لقلوب مقيمات ظوم
رحمة تغمر البلاد وصفحا *** عن جميع الذنوب والآثام
فرمضان عند شاعرنا يأتي إلى المسلمين حامًلا معه أجمل الهدايا، وهل هناك أجمل من هدايا الرحمة والمغفرة؟!
ويؤكد الشاعر أحمد الصديق على هذا الخير الذي يقبل به رمضان، ويشير إلى ميزة من ميزات هذا الشهر الكريم، ففيه تتنبه العقول والقلوب، وتقبل على الله بالأمل في الغفران والقبول، فتمتلئ بهم رياض المساجد، فكأنهم- وقلوبهم تتلهف لهذا الخير- قد تعلقوا بحب هذا الشهر الكريم، سيطر على أفئدتهم، وأنارها بنور الحق، فغدت رياضًا للخير والمحبة، والصدق والإيمان، وكل المعاني الكريمة:
نبهت فينا أنفسا وعقولا *** وحللت للخير العميم رسولا(3)
رمضان يا روض القلوب *** تحية خطرت تجر إلى حماك ذيولا
قد جئت مرجوا لأكرم نفحة *** تذر الفؤاد بسحرها متبولا
ويقف الشاعر وليد الأعظمي باسطًا ذراعيه، فاتحًا قلبه، يستقبل الشهر الكريم بعبارات التجلة والاحترام، فكأنه يلقي في طريق هذا الشهر المبارك بالزهور الفواحة، وبأعواد البخور والند، حيث الطيب والعطر تنشر رائحتها في كل مكان:
رمضان يا خير الشهور تحية *** تضفي عليك من الجلال جلالا (4)
خذها يفوح عبيرها من مؤمن *** يبغي لك التعظيم والإجلالا
ولا يفوت شاعرنا في هذا المقام أن يُذكِّر الناس بأن الصوم علاقة خاصة بين العبد وربه، وأن في الصيام صحة للنفوس والأبدان، فيضمِّن شعره هذه الأحاديث والحكم، ليدفع الناس للصيام على الوجه الأمثل:
إن الصيام عبادة سرية *** والسر أوسع ما يكون مجالا (5)
الصوم لي وأنا الذي أجزي به *** صدق الحديث وصح عنه تعالى
صوموا تصحوا، قالها خير الورى *** وبذاك أوصى صحبه والالا
وفي غمرة استقبال الشاعر محمد مصطفى حمام لرمضان المبارك، يتذكر ما آل إليه المسلمون في عصر التأخر الذي نعيشه، من قلب للحقائق، واستخفاف بالمعاني والقيم، فيشن حملة قاسية على أولئك الذين جهلوا حكمة الصيام ومقصد الحق تبارك وتعالى من فرضه على الناس، فأحالوا شهر الجوع من أجل الرحمة المرتجاة إلى شهر يتفننون فيه في إقامة الموائد وتلوينها بشتى المأكولات، ويقبلون عليها بنهم، فيملئون منها بطونهم حتى لا يدعوا فيها متنفسًا، ويعيب على أولئك الذين يقلبون ليلهم نهارًا ونهارهم ليلًا، تاركين أعمالهم، كأن شهر الصيام عندهم دعوة للكسل والخمول، مع أنه ما شرع إلا ليكون شهر النشاط والعمل، وشهر الجد والإنتاج، وشهر النشاط والحيوية، وشهر التفكر والتأمل:
لا هنا الله به مفطرا *** ولا جزى الآثار إلا الآثام(6)
ولا ارتضى صوما لذي غفلة*** يجعل شهر الجوع شهر الطعام
يفتن في ألوانه ممعنًا *** في الأكل حتى لا يطيق الكلام
يود لو صار الضحى مغربًا *** ويكره النور ويهوى الظلام
وقذ يذيب اليوم في غفوة *** ويتقي الصوم بطيب المنام
واهتم الشعراء الإسلاميون المعاصرون بأهم حدث في تاريخ البشرية، نزول القرآن الكريم في ليلة القدر المباركة، فهذا الشاعر محمد هاشم رشيد يتحدث عن ليلة القدر، ويؤكد أن مباهج هذه الليلة بما أسدته للبشرية من خير لا يحول ولا يزول، تتلاشى أمامها كل مباهج الدنيا، بالقدر العظيم الذي أضفاه الله على هذه الليلة، وخصها به دون سائر الليالي والأيام، يفجر في الأدباء أسمى المعاني، وفي الشعراء أروع آيات البيان، ويحمل في كلماته المُنزّلة الحق والعدل والسعادة للناس أجمعين:
وتباشير ليلة تتلاشى *** في سناها مباهج الأعوام(7)
ذات قدر، وأي قدر، وفيها *** نزل الوحي بالهدى والسلام
وينتظر المسلمون بشوق ولهفة حلول ليلة القدر، ليجتهدوا فيها بالصلاة والصيام والقيام، لأنهم يشتمُّون فيها عبق الجنان، ويستروحون فيها عبير الرحمة، فمن أدرك هذه الليلة فقد فاز بحظ عظيم وخير عميم، وأدرك ما يصبو إليه وما يتلهف شوقًا إليه، فيخر ساجدًا لله، سائلًا الرحمة والمغفرة، مبللًا بدموع عينه موضع سجوده، ماسحًا بدموع قلبه ما علق بنفسه من لمم الحياة، مُطفئًا بكل ذلك شوقًا زائدًا وحنينًا متقدًا لهذه السويعات، التي تشرق من جنان الخلد، وتتنزل من ملكوت السماء.
عن هذه المعاني يتحدث الشاعر أحمد الصديق في قوله:
دعا رمضان الخير كل مرابط *** لديه فلبى المؤمنون على الأثر
وطافت بهم ريح الجنان عليلة *** تهب من الرحمن ذائعة النشر
تنفس فيها الخلد حين تفتحت *** أز اهيره البيضاء في ليلة القدر
فطوبى لمن يحظى بشم عبيرها *** فيسجد مغشيًّا عليه من البشر
ويضرع في حب ويبكي من الجوى *** ويكتم أشواقًا تأجج كالجمر
ويحتفل المسلمون قبل مدة بمرور أربعة عشر قرنًا على نزول القرآن الكريم، فيهب الشعراء ليحيوا هذه الذكرى العظيمة، ويندفع الشاعر الإسلامي والزعيم المجاهد علال الفاسي، فيناجي ليلة القدر في قصيدة طويلة، يناجي الليلة التي ولد فيها مجد أمتنا، وبدأ بها عصر العلم والعرفان، واستقام مع إطلالتها الإيمان بالله على المحجة البيضاء، وكشفت أنوارها زيوف الشرك فتعرى باطله وبانت عيوبه.. ثم يؤكد شاعرنا أن كل خير أصاب البشرية إنما كان مبدؤه مع انفتاح ليلة القدر في غار حراء، فيرسل تحياته لهذا الجبل الذي انبثق في غاره نور الهداية للعالمين، وعمَّ هذا النور كل بقاع الأرض، فأصاب هذه البقاع من خير حراء ما جعل شاعرنا يؤكد أن كل بقعة اعتزت بنور الهداية الآتية من حراء إنما هي حراء أخرى، ثم يتمثل هذا الشاعر الكبير رسول الله وهو يتلقى آيات القرآن في خشوع وخضوع ويتصور الإيمان أولئك الذين التفوا حول الرسول واستجابوا لدعوة الحق، وقد جمعوا في معنى واحد هو الإسلام فأصبح عند ذلك الخير كله معقودًا بجهادهم، وأصبحت سعادة البشرية متوقفة على همتهم وسعيهم:
يا ليلة القدر الذي شرفت به *** وسمت على ألف المشهور تنزلا (8)
إنا لنحيي فيك ميلاد السنا *** والمجد والعرفان يوم تأصلا
إنا لنحيي فيك إيمان الورى *** بالله، والإنسان يوم تحملا
إنا لنحيي لحظة الأنس السعيدة *** في حراء، وسرها المتنقلا
وإذا بدنيانا حراء كلها *** وكأن جبريلا يردد ما تلا
وكأننا من حول أحمد خشع *** جمع الزمان به، فيا.. ما أجملا
ويذكر الشعراء في رمضان أول معركة خاضها أنصار التوحيد ضد أنصار الشرك، وأنصار الحق ضد أنصار الباطل، يذكرون بدر الكبرى بأرضها وأحداثها ورجالها ونتائجها، ويسعف الشاعر المدني محمد هاشم رشید قربه من مكان المعركة، فيتوجه إليه، ويقف على الأرض التي دارت فوقها المعركة، فتنثال عليه المعاني وتدركه نفحات الذكريات المجيدة، فيطرق قلبه، وتصيخ أذنه فيأتيه الصدى المتسلل من خلال القرون، فيرى بعين الإيمان تلال بدر الوقورة، وقد تطاولت لتصبح قممًا شامخة، ويتلفت فيجد قممًا أخرى ربضت حول بدر، وقممًا تفرقت في أنحاء الأرض، فيفحصها مليًّا، فيجدها جميعًا تمت بأصولها إلى بدر وقمم بدر..
أرأیت؟ هل أبصرت؟ يا *** للسحر، في تلك التلال (9)
خشع الخيال بها، وأطرق *** في جوانبها الجمال
وعلى الصدى الرفاف تسبح *** فوق أجنحة السكون
أطياف ماضٍ تستريح *** بظله قمم القرون
إن سيوف الحق التي سلها المسلمون ببدر في وجه باطل الشرك وعدوانه؛ أضاءت ببريقها ذلك الظلام الدامس، الذي أسدله على الكون نتن العصبية ووضر الجاهلية وشرك الوثنية:
هي ساحة الشهداء*** بدر، وأول معترك(10)
لمعت به أسيافنا*** لتضيء أطباق الحلك
ولا يسع الشاعر أحمد الصديق، عندما يقف أمام أمجاد بدر ورجال بدر، إلا أن يرى في جباههم نور الشمس الساطع وفجر الحق الطالع، فرجال بدر هم اللآلئ المضيئة في تاج الزمان، لأنهم ضربوا أيادي الشرك الممتدة كالأخطبوط لتضل الناس وتفتنهم، فشلُّوها وأوقفوا زحفها الطاغي، وقضوا على فتنتها العمياء:
أبطال بدر يا جباها شرعت *** للشمس تحكي وجهها المصقولا (11)
كنتم على تاج الزمان لآلئا *** لمعت، وكنتم فجره المأمولا
حطمتم الشرك المُصعر خده *** فارتد مشلول الخطى مخذولا
ويرى الشاعر وليد الأعظمي في اسم بدر مناسبة ليؤكد أن ضوء هذا البدر الساطع هو الذي محا ظلام الشرك، وعند ذلك تحول الناس من عسر الجاهلية إلى يسر الإسلام، ومن شر العصبية إلى خير المساواة، ومن الفوضى التي كان يعيشها الناس ويهدرون فيها أعمارهم إلى النظام والعدل الذي يعيش الإنسان في ظله كل لحظة من عمره، لقد قضى الإسلام على الذل الذي كان الناس يحيونه في ظل السادة، الذين أقاموا مجتمعًا يزخر بالمنكرات ويمور بالجهل، ويخيم عليه البؤس والفساد.
هو الليل يمحو نحس ظلمته البدر *** كذاك محت عنا ظلام العدى بدر (12)
وزالت دواعي الخوف عن كل خالف *** وولى على أعقابه ذلك العسر
وماتت أصول الشر لما تفتحت *** عيون مدى آفاقها يرقص الخير
وراحت عهود الفوضوية وانقضت *** حياة لعمري لا يقال لها عمر
تناوح فيها الذل والظلم والهوى *** وخيم في أرجائها الجهل والفقر
يحاربها الواعي فيسكت واجما *** وينشط للإلحاد مستهتر غر
أما الشاعر محمد مصطفى حمام فيقف بين جمع من المحتفين بيوم بدر، فيذكرهم بما يجب عليهم أن يفعلوه، إذا أرادوا حقًّا أن يكرموا يوم بدر وقائد يوم بدر عليه السلام، ويؤكد أن هذا التكريم لا يكون صحيحًا إلا إذا ساروا على النهج الذي سار عليه رجال بدر، ثم يتساءل إذا كان مسلم اليوم بما ارتكبه من مخالفات وتجاوزات كمسلم الأمس المؤمن بالحق، المجاهد من أجله بالنفس والمال والولد.
إن الذين ينشدون المجد الرفيع والسيادة بمعناها السامي عليهم أن يعوا دروس بدر، ويحاولوا أحياءها في نفوسهم ثم إخراجها إلى واقع الحياة:
يا ذاکري يوم بدر محتفین به *** راوين كل جليل من مناقبه(13)
بالله هل ملأت ذكراه أنفسنا *** وهل مشينا على أنوار صاحبه؟
وهل بقينا على الماضي وروعته *** أو جانب عبقري من جوانبه؟
أمسلم الأمس في شتى محامده *** كمسلم اليوم في شتى معايبه؟
یا یوم بدر، أدرس منك يحفظه *** من ينشد المجد في أسمى مراتبه؟
ويلاحظ الشاعر عبد القادر حداد محاولات الأعداء الهجوم على هذا الأساس الراسخ في بناء الإسلام، فيوجهون انتقاداتهم المتهافتة نحو بدر وأحداث بدر، فيؤكد لهؤلاء الحاقدين أن يوم بدر بناء راسخ أقامه رجال تفجروا إيمانًا وتقوى، فرسَّخوا بإيمانهم وتقواهم هذا البناء، والبناء الذي يُقام على التقوى يعجز عن تقويضه كل أولئك الحاقدين مهما حاولوا، ومهما بالغوا في المحاولة:
هي بدر ترسخت في احتدامات *** لقاها أصالة الأتقياء (14)
وإذا رسخ الأصيل بناء *** عجز الدهر عن خراب البناء
وفي رمضان يتذكر الناس حدثًا كبيرًا حقَّقه المسلمون في صراعهم مع قريش الجاهلية، ذلك الحدث الذي أنهى الصراع، ووأد الوثنية إلى الأبد في جزيرة العرب، فقد كان فتح مكة نقطة التحول الثالثة في تاريخ الدعوة الإسلامية بعد الهجرة ومعركة بدر.
ويصور لنا الشاعر أحمد الصديق بأبياته الجميلة أحداث هذا الفتح المبارك، فالمفاجأة التي أحدثها زحف الرسول- صلى الله عليه وسلم- على مكة بهذا الجيش اللجب أوقعت أهل مكة في ذهول الهزيمة، فعنت رؤوسها للحق وأذعنت له راغمةً، وسلمت بالهزيمة.
أما الرسول المنتصر فلا تسل عن تواضعه لله وهو يدخل فاتحًا، ولا تسل عن مواقفه مع أهل مكة، الذين اجتهدوا وجدوا في حرب الله ورسوله، إنها منائر الإيمان، وصوى الحق يرسيها الرسول الكريم، وهي دروس التاريخ وعبر الدهر يلقيها النبي الأمين.
أما هتاف النصر «جاء الحق وزهق الباطل»، فإنها إعلان مدوٍ لانتهاء سلطان الوثنية، وهزيمة الضلال الجاهلي:
غنيت يوم الفتح مصحف مجدكم *** طربا، أرتل آيه تنزيلا (15)
ولمحت مكة في الخيال وقد عنت *** للحق زائغة العيون ذهولا
وأكاد أنظر للنبي مطأطئا *** متواضعا جم الوقار جليلا
ويصيح جاء الحق وهو يبيد*** آلهة الضلال ويمحق التضليلا
هذه الأحداث الجسام، وهذه الذكريات الكريمة، وهذه المواقف الخالدة، هزت شعراءنا، وأنطقتهم بأجمل ما قال الشعراء من قصيد، وأروع ما صاغوه من فنون القول في رمضان وأحداثه وذكرياته، ثم أفسحت لهم المجال وأعطتهم الفرصة ليبثوا شكاتهم ويعرضوا هموم أمتهم وشجونها.
يقول الشاعر محمد هاشم رشید: إن في شهر الصوم عبرًا من أسماها وأجلها توحيده لهذه الأمة ولو لشهر واحد، وهو بذلك يغيظ الأعادي الذين يقفون في وجه هذه الوحدة، ويحاربون كل من يدعو لها، ولكن رمضان يحققها كل عام، وليت المسلمين يأخذون العبرة فيصروا على استمرار وحدتهم هذه، وينقلوها من مجال الوحدة النفسية إلى مجال الوحدة الواقعية:
عبرة الصوم آننا نتلاقى *** من جديد على طريق الجهاد (16)
فلقد وحد الصيام خطانا *** ومنانا، برغم أنف الأعادي
أما أحمد الصديق فإن الذي يؤوده ويثقل فؤاده هو ما يراه من تسلط الجاهلية الحديثة على حياة المسلمين، وما يراه من انقلاب المفاهيم واختلال الموازين، وما يراه من تسلط الذين أذلهم الله على بلاد المسلمين ومقدساتهم، وما يلمسه من تضييع المسلمين لأهم العوامل التي تقوم عليها سعادتهم وسيادتهم وهو الجهاد في سبيل الله، ويتمنى لو أن المسلمين انتهزوا فرصة حلول رمضان فراجعوا أنفسهم، واستمعوا لصوت الحق في ضمائرهم، فعادوا لله واستمسكوا بعرى الإسلام، إذن لما ساد فيهم الظالمون، ولما عز بينهم الفاسقون، ولما تهافتت عليهم الأمم.
رمضان هل لي وقفة أستروح *** الذكرى، وأشرف طلها المعسولا (17)
إنا لنسج في الهجير، فهب لنا *** من ماء كوثرك العزيز قليلا
إنا لفي زمن مسيخ وجهه *** قد مرغوه سبة ووحولا
الصالحون أولوا النهى في أهله *** غرباء، سيمو الخسف والتنكيلا
أنَخالُ عصر الجاهلية قد مضى؟ *** لا، لم يزل عهد الظلام طويلا
هي ذي أفاعي الغدر تنفث سمها *** أفلا تحطم نابها المهزولا؟
لو ساد حكم الله فينا لم تهن *** في القدس قبلة مصطفانا الأولى
كلا، ولا كان الجهاد معطلا *** والدين في أوطاننا مغلولا
أما محمود أبو النجاة فإنه يعرض في ذكرياته عن رمضان مواقف الرسول البطولية في حروبه، ومواقفه في حكمه بين الناس وفي إدارته لشؤون الدولة الإسلامية، ثم يعرض لما حقَّقه الخلف من خير للمسلمين، عندما حكموا بالكتاب الكريم والسنة المطهرة، ثم يؤكد للناس أن ما ساد به المسلمون وعزوا ما زال باقيًا فينا، وأن ما يزعمه الأعداء من فصلٍ للدين عن الدولة والسياسة، إنما هو من مكائدهم لنبقى أمة مهملة، ورعية تابعة، وقطعانًا ضالة، ثم يدعو المسلمين ليكونوا يدًا واحدةً، تحت راية الدين الحنيف، ليحققوا ما حقَّق الأولون من عزٍّ وسعادة، ونصر وسيادة:
رأينا رسول الله في الحرب قائدًا *** وفي السلم يقضي بين أصحابه الأمرا
ومن بعده الغر الميامين جاهدوا *** وقد حكموا الدنيا ففاضت بهم خيرًا
وهذا هو الإسلام دين ودولة *** تسود فيحيا الكل في ظلها حرًّا
الدوحة- «أحمد الجدع»
[1) سورة البقرة: آية 185.
(2] دیوانه «في خلال السماء» قصيدة «موكب الخير».
[3] دیوانه «نداء الحق» قصيدة «في رحاب رمضان».
[4) ديوانه «الزوابع» قصيدة «تحية رمضان».
[5] السابق.
[6] دیوان حمام قصيدة «استقبال رمضان».
(7] ديوانه «في ظلال السماء» قصيدة «موكب الخير».
[8] دیوانه «نداء الحق» قصيدة «في رحاب رمضان».
[9] ديوانه «في ظلال» السماء قصيدة «في البدر».
(10) ديوانه «في ظلال» السماء قصيدة «في البدر».
[11) ديوانه «نداء الحق» قصيدة «في رحاب رمضان».
(12) ديوانه «الزوابع» قصيدة «بدر الكبرى».
[13) ديوان حمام قصيدة «غزوة بدر».
(14) شعراء الدعوة الإسلامية في العصر الحديث ج 2 .
[15] ديوانه نداء الحق قصيدة «في رحاب رمضان».
(16) ديوانه في ظلال السماء قصيدة «عبرة الصوم».
[17) ديوانه نداء الحق قصيدة «في رحاب رمضان».