; رمضان من منظور علم الاقتصاد | مجلة المجتمع

العنوان رمضان من منظور علم الاقتصاد

الكاتب زيد محمد الروماني

تاريخ النشر الثلاثاء 06-يناير-1998

مشاهدات 62

نشر في العدد 1283

نشر في الصفحة 55

الثلاثاء 06-يناير-1998

الصوم من أقوى العبادات على تهذيب النفوس والسمو بالأرواح، إذ فيه إعداد للنفوس وتهيئة لها على تقوى الله ومراقبته.

وفي الصوم تربية على قوة الإرادة وكبح جماح الشهوات، وأنانية النفوس ليقوى صاحبها على ترك ما يضره من مألوفاته أكلًا وشربًا أو متاعًا.

والصوم ينمي في النفوس رعاية الأمانة والإخلاص في العمل، وألا يراعى فيه غير وجه الله دون مداهنة أو مجاملة.

والصوم يمثل ضربًا من ضروب الصبر الذي هو الثبات في القيام بالواجب في كل شأن من شؤون الحياة.

ثم إن للصوم أسرارًا يحسن العلم بها، وتتبين هذه الأسرار من خلال مراتب الصوم الثلاث وهي صوم العموم، وصوم الخصوص، وصوم خصوص الخصوص، فصوم العموم هو كف البطن والفرج عن قضاء الشهوة، وصوم الخصوص يعني كف النظر واللسان واليد والرجل والسمع والبصر وسائر الجوارح عن الآثام، وصوم خصوص الخصوص هو صوم القلب على الهمم الدنيئة.

الصوم تربية لروح المسلم وأخلاقه حتى يشعر الغنى بحاجة الفقراء والجوعى فيزداد إيمانه بالله ويقينه بضرورة أداء حق الفقراء في أمواله، بل ويزيد على ذلك الحق عندما يشعر بألم الجوع والعطش.

ومن الأسف اعتاد بعض الناس على بعض العادات السيئة الدخيلة على شهر رمضان والتي تتمثل في طريقة الإنفاق الاستهلاكي وهي ليست من الإسلام، فعندما يأتي شهر رمضان نرى أن أغلبية من المسلمين يرصدون ميزانية أسرية أكبر بكثير إن لم تكن ضعف الميزانية في الأشهر العادية وتبدأ بمضاعفة استهلاكها، ويكون النهار صومًا وكسلًا، والليل طعامًا واستهلاكًا غير عادي.

إن الطعام الزائد في الليل وبإفراط يؤدي إلى فقدان الكثير من تلك الفوائد، بل قد ينعكس ذلك بشكل سلبي على صحة الإنسان، فإذا أكل كثيرًا في الليل يصبح كسلان بسبب تخمر الطعام في جهازه الهضمي.

والنصيحة التي يمكن أن نوجهها إلى المسلمين هي عدم التفريط وعدم الإفراط في تناول الطعام في ليالي رمضان، والتزام الوسطية والاعتدال، ذلك أن أحد أسباب الكارثة التي حلت بنا اليوم هي البطر والإفراط في الاستهلاك والتبذير والبعد عن الدين القيم، قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ (النحل: 112)، وكلنا يعلم قصة قارون كما وردت في القرآن الكريم (القصص: 76- 83)، وفرعون وغيرهما من الذين جحدوا نعم الله.

فالإسراف والتبذير في الاستهلاك يعتبر سوء استخدام للموارد الاقتصادية والسلع التي أنعم الله بها على العباد لينتفعوا بها، وهو عمل يذمه الإسلام ذمًا كبيرًا، حيث وصف الله المسرفين والمبذرين بأنهم إخوان الشياطين، لما لهذا العمل من آثار سيئة لا تقتصر على صاحبها الذي مارس الإسراف، بل تمتد لتشمل المجتمع والعالم.

إن للصوم أبعادًا اقتصادية عظيمة، منها ما يدركها العقل البشري كأثره على صحة الإنسان مثلًا، الثروة البشرية، ومنها ما لا يستطيع العقل البشري إدراكه، فطوبى لمن اقتدى في صيامه وقيامه بمحمد صلى الله عليه وسلم.

إن من واجب المسلم أن يعمل على توفير ما تقوم به الحياة من مأكل ومشرب وملبس ومسكن.. إلخ، من الضرورات لصيانة دينه ونفسه ونسله، ولحفظ عقله وماله، كما يفترض في المسلم أن يتجنب النزعة الاستهلاكية قدر الإمكان، وإن كان هذا يختلف من شخص لآخر، بحسب يساره المادي، وبقدر زهده في الدنيا ومباهجها، إلا أن هناك حدودًا لذلك على كل حال ينبغي مراعاتها.

إن الإنسان أهم بكثير من أي نموذج أو نظرية أو تفسير، هذا ما اكتشفه علماء الاقتصاد أخيرًا، فالإنسان هو الذي يقرر مستوى رفاهه، وكل الأمر متوقف على قراره وسلوكه، فبإمكانه إن أراد أن يكون معتدل الاستهلاك فيصبح حجم الوفر لديه بما يمكنه أن يصبح ثريًا، وبإمكانه إن كان نهم الاستهلاك أن يأكل ثروته.

وبعد أن كان علماء الاقتصاد مصرين على أن الدولة وسياساتها هي العنصر الأهم في العملية الإنتاجية عادوا ليقرروا أن المستهلك والمنتج هما سيدا اللعبة، فيوم يهذب المجتمع عادات الاستهلاك، ويوجهها، فإن عملية ترشيد واسعة ستؤدي إلى انتفاع هذا المجتمع بخيراته على أكمل وجه.

وهكذا فمفتاح حل الأزمات الحقيقي إنما يكمن في التربية الاستهلاكية، وهو مفهوم حديث نسبيًا على المجتمعات الغربية التي جعلت من الحرية المطلقة بلا ضوابط إلهًا يعبد من دون الله، فلقد كان هناك من يعتبر هذا النمط من التربية اعتداء غير مبرر على حق المستهلك في أن يستهلك ما يشاء، وقت ما يشاء، وكيفما يشاء، ولكن اكتشف العديد من المجتمعات أن تدليل المستهلك إلى هذا الحد باهظ الثمن، وأنها إذا استطاعت أن تلبيه اليوم، فقد لا تستطيع ذلك في الغد.

ولذلك عادت مفردات التدبير والتوفير وحسن التصرف في المال، تشق طريقها إلى الدراسات الاقتصادية الحديثة.

ووجدنا من الاقتصاديين من يقول: لقد تحدثنا كثيرًا عن قوانين الاقتصاد، ورسمنا المزيد من المنحنيات والمعادلات، ولكننا نسينا المتغير الأكبر الذي يقرر صلاحية أو عدم صلاحية كل ما تحدثنا عنه وتوقعناه وهو الإنسان.

إن رمضان هو محاولة لصياغة نمط استهلاكي رشيد، وعملية تدريب مكثف تستغرق شهرًا واحدًا تفهم الإنسان أن بإمكانه أن يعيش بإلغاء استهلاك بعض المفردات في حياته اليومية ولساعات طويلة كل يوم، إنها محاولة تربوية لكسر «النهم الاستهلاكي» الذي أجمع علماء النفس المعاصرين على أنه حالة مرضية، وأن مجال علاجه في علم النفس وليس في علم الاقتصاد، وإن كان يصيب بتأثيراته أوضاع الاقتصاد وأحواله.

إن رمضان مناسبة للمسلمين ليتذكروا بأن الجسد والعقل يعملان بكفاءة تامة خلال ساعات الصيام، وأن بالإمكان تحمل الجوع والعطش لفترات طويلة، والبقاء في حالة ذهنية أكثر صفاء، وحالة جسدية أكثر انتعاشًا وخفة.

وهذا الاكتشاف الذي يتكرر مع كل قدوم للشهر المبارك هو الخلاص من الوقوع في الديانة الاستهلاكية التي أصيب بها بعض المجتمعات، والتي أصبح فيها السوبر ماركت مكان عبادتها الجديدة، على حد تعبير الدكتور جمال حمدان في مؤلفه: «مصر.. دراسة في عبقرية المكان».

وفي الختام نود أن نؤكد حقيقة مسلمة أنه لابد من بناء الإنسان المستهلك باعتدال.

[1] عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد سعود- الرياض.

الرابط المختصر :