العنوان رمضان ليس لهذا! (٤)- التسوق
الكاتب د. إيمان مغازي الشرقاوي
تاريخ النشر السبت 06-أكتوبر-2007
مشاهدات 79
نشر في العدد 1772
نشر في الصفحة 50
السبت 06-أكتوبر-2007
(*) كاتبة عربية مقيمة في لندن
المسلمون يبددون أواخر رمضان في تسوق مستلزمات العيد من ملابس وألعاب وهدايا.. وعمل الحلوى والكعك ونظافة المنازل
أوشك ضيفنا الحبيب أن يودعنا. على وعد بالمجيء في العام المقبل بإذن ربه ومولاه، ومع إرهاصات رحيله لا نجد ما نتصبر به ونتعزى لفقده إلا بتلمس «ليلة القدر» وتحريها بين لياليه العشر الأخيرة، تلك الليلة المباركة التي حباه الله بها من بين سائر الشهور، وفضلها على سائر ليالي العام وجعل الطاعة والعمل فيها خيرًا من ألف شهر؛ قد تكون هي عمر الإنسان، أما ما يكون من أعمال تشغل وتلهي عنها، وخاصة الذهاب إلى الأسواق والمبالغة في نظافة البيت، فإن علينا تحري الأفضل والأصلح لديننا ودنيانا، ومن يستمع إلى قوله ﷺ: «أحب البلاد إلى الله مساجدها، وأبغض البلاد إلى الله أسواقها «مسلم»، فعليه التزام بيت الله في هذه الأيام الأواخر بالاعتكاف أو الصلاة والذكر والعبادة.
وإن كان المستمع امرأة فعليها الاقتصاد في ارتياد الأسواق وعدم الذهاب إليها إلا لضرورة أو حاجة، لما في ذلك من ضياع للأوقات وإسراف في الإنفاق وتزيين للحياة الدنيا في النفوس والتعلق بها.
فالمساجد «أحب البلاد إلى الله» لأنها بيوت الطاعات وأساسها على التقوى أما الأسواق فقد تكون أماكن غش وخداع وأيمان كاذبة وإعراض عن ذكر الله وغير ذلك مما في معناه، والمساجد محل نزول الرحمة، والأسواق ضدها.
والمساجد تذكر بالله والأسواق تذكر بالدنيا لذا يقول النبي ﷺ:« إن هذه السوق يخالطها اللغو والكذب فشوبوها بالصدقة» (النسائي). ويقول للتجار: «يا معشر التجار، إن الشيطان والإثم يحضران البيع، فشوبوا بيعكم بالصدقة» (الترمذي).
في السوق خير وشر
وكان ﷺ إذا دخل السوق قال: «باسم الله، اللهم إني أسألك من خير هذه السوق، وخير ما فيها، وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها، اللهم إني أعوذ بك أن أصيب فيها يمينًا فاجرة، أو صفقة خاسرة» «الطبراني».
وعلمنا آداب دخولها، فوعد من يذكر الله- عند غفلة الناس أمام زخرف الدنيا والانشغال بها- بالأجر العظيم فقال: «من قال في السوق: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت وهو حي لا يموت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير، كتب الله له ألف ألف حسنة ومحى عنه ألف الألف ف سيئة، وبنى له بيتًا في الجنة «الترمذي»، فالمسلم لا يلهيه شيء عن ذكر الله، وهكذا كان أصحاب رسول الله ﷺ كما علمهم في مدرسته، فعن أبي ابي سعيد المعلى قال: «كنا نغدو الى السوق على عهد رسول الله ﷺ فنمر على المسجد فنصلي فيه» «النسائي»- فكانوا- رضوان الله عليهم، كما قال الله تعالى: ﴿رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ۙ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ (النور:37). عادات تحتاج إلى تغيير: وفي العشر الأواخر من رمضان، هناك عادات نشأ بعضنا عليها وترعرع، وتحتاج منا إلى تصحيح وتغيير، لأننا يجب أن نسير في هذه الحياة متمثلين قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ ۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (الأنعام: ١٦٢- ١٦٣)، فالمسلم لا تحكمه أهواء نفسه، ولا تقيده شهواتها، ولا يصده عما يقربه إلى الله زخرف الدنيا ومتاعها، فهو متبع لمنهج خالقه بلا غلو أو تفريط متحريًّا ما يرضي ربه عز وجل.
ومن تلك العادات الخاطئة، عدم اغتنام العشر الأواخر المليئة بكنوز الخير، وتبديدها في تجهيزات العيد بطرق متعددة ومتنوعة فمن ذهاب للأسواق كل يوم لتسوق مستلزمات الأولاد من ملابس وألعاب، وشراء هدايا للأهل والأحباب والأصدقاء، إلى انشغال الأمهات بعمل حلوى وكعك العيد، والقيام بحملات نظافة مبالغ فيها استعدادًا لأيامه، فتقضي المرأة وقتًا كبيرًا في تغيير ديكور المنزل ونظام غرفه وأثاثه، وغسل سجاد المنزل ومفروشاته، أو شراء أخرى جديدة، ظنًا منها أن العيد لا يكون عيدًا إلا بهذا! ولا يخفى علينا الجهد الكبير المبذول في هذه المهمة الصعبة، مما يجعل المرأة منهكة القوى غير قادرة على السهر والتهجد لتلمس ليلة القدر فيفوتها خير لا تستطيع تعويضه.
حقوق مطلوبة وواجبات كثيرة
إن دخول الأسواق أمر لا بد منه، وقد جعلها الله تعالى من أسباب النفع والمعاش وقضاء حوائج الناس، ومن أسباب الرزق للتجار والبائعين، والتأدب بآدابها الشرعية مطلوب من كل مسلم، فيجب عليه- حين يقصدها للشراء- ألا يجعل منها مقرًّا لسكناه ومعيشته، فيقضي فيها أكثر مما يقضيه في بينه وبين أهله وأبنائه كحال بعض النساء اللاتي يقتلن بها أوقاتهن ويقطعن بارتيادها الوحشة والملل والوحدة كما يدعين، وكذلك يفعل بعض الرجال.
إن أوقات المسلم عامرة دائمًا بالعمل، ولا مكان للفراغ في حياته، فهو يقضيها إما في طاعة وذكر لله بتلاوة كتابه وحفظه وفهمه والعمل به، وتعلمه وتعليمه والدعوة إليه، إذ يقول ﷺ: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه» (البخاري)، أو في صلة أرحامه والإحسان إليهم وإن قطعوه، كما يقول ﷺ: «صلة الرحم محبة في الأهل، مثراة في المال، منسأة في الأثر» «أحمد» أو في بر الوالدين وحسن صحبتهما، وذلك من أحب الأعمال إلى الله -عز وجل، إذ يقول ﷺ: «أحب الأعمال إلى الله الصلاة لوقتها، ثم بر الوالدين، ثم الجهاد في سبيل الله» (البخاري)، أو في قضاء حوائج الناس، وفي هذا خير كثير، حيث يقول النبي ﷺ: «إذا أراد الله بعبد خيرًا استعمله على قضاء حوائج الناس» (البيهقي).
ويمكن قضاء أوقات الفراغ في مساعدة الضعفاء والمحتاجين والقيام بما ينفعهم، وهذا من أعظم الصدقات وفي الحديث! «وعونك الضعيف بفضل قوتك صدقة» (أحمد)»، وكذلك إدخال السرور على الأرملة والمسكين واليتيم- بما يليق- من عون ومساعدة وخلق حسن، وهذا أمر يحبه الله ورسوله، كما يقول ﷺ: «أحب الناس إلى الله تعالى أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله تعالى سرور تدخله على مسلم، أو تكشف عنه كربة، أو تقضي عنه دينًا، أو تطرد عنه جوعًا، ولأن أمشي مع أخي في حاجة أحب إلي من أن أعتكف في هذا المسجد- يعني مسجد المدينة- شهرًا، ومن كف غضبه ستر الله عورته، ومن كظم غيظه- ولو شاء أن يمضيه أمضاه- ملأ الله قلبه رجاء يوم القيامة، ومن مشى مع أخيه في حاجة حتى يتهيأ له أثبت الله قدمه يوم تزول الأقدام (الطبراني)، وقبل ذلك وبعده، تربية الولد على الصلاح، وتنشئته على الإيمان، وتعليمه مكارم الأخلاق، كما يعلمنا رسول الله ﷺ بقوله: «ما نحل والد ولدًا أفضل من أدب حسن» «أحمد».
فالواجبات كثيرة، وقائمة الحقوق مطولة ألا ترى أن كل ذلك يحتاج منا إلى أوقات طويلة لا مجال فيها ولا فسحة لفراغ ؟!
نسأل الله تعالى العون والإخلاص.
عند الذهاب إلى السوق
أخلص النية لله تعالى في ذهابك، وانو إدخال السرور على أهلك وأولادك بقضاء حوائجهم.
لا تذهب إلى السوق إلا إذا كنت في حاجة حقيقية للذهاب إليه.
لا تنس الدعاء عند دخولها، وليكن لسانك رطبًا بذكر الله تعالى.
اقض حاجتك في أقصر وقت، ولا تكن أول من يدخل السوق ولا آخر من يخرج منه.
كن سمحًا عند البيع سمحًا عند الشراء، ولا تكثر من الحلف.
حاول أن تشتري أغراض العيد وملابس الأطفال قبل حلول العشر الأواخر من رمضان.
اصحب معك بعض أبنائك في كل مرة تذهب فيها إلى السوق، كي تعلمهم آدابه عمليًّا، وتقدم لهم القدوة الطيبة.
اترك لأبنائك الصغار حرية اختيار ملابسهم- خاصة في العيد- ما دامت مناسبة وشرعية، واصحبهم معك لشرائها لتدخل الفرحة عليهم، ولا تجبرهم على شراء ما لا يرغبون منها، بل قدم لهم النصيحة وتشاور معهم، وبذلك تساعد في بناء شخصية حرة مستقلة لها رأي.
اجعل لأبنائك ميزانية محددة ومناسبة من المال لشراء أغراضهم، لتدريبهم على حسن التعامل مع المال والاقتصاد في النفقة.
لا تشتر ملابس شبه عارية لبناتك الصغيرات بحجة صغرهن لتعويدهن على الحياء والحشمة.
لا تسرف في الشراء ولا تقتر، فتقع في جانب الإفراط أو التفريط، وكلاهما مذموم.
لا تنس أن تصحب معك يتيمًا أو مسكينًا لشراء ملابس العيد له، وإدخال الفرحة عليه.
لا ترهق جيبك بكثرة النفقات لهدايا الأصدقاء في العيد، وأحضر هدايا رمزية حسب ما تملك، فالهدية بمعناها لا بقيمتها ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ﴾ (البقرة: ٢٨٦).
احذر أن تضيع عليك صلاتك، واقطع تسوقك واذهب لأدائها متى دخل وقتها.
وأخيرًا، عليك مجاهدة نفسك ومخالفة هواها، وكلما سولت لك تسويف العمل وتأجيل الخير، أو تضييع الوقت والتفلت من واجباتك وأنت صائم، فاستعذ بالله ولا تفعل، وقل: «إن رمضان ليس لهذا».