العنوان رمضان في وجدان الشعراء
الكاتب أحمد إسماعيل عبدالكريم
تاريخ النشر السبت 15-نوفمبر-2003
مشاهدات 124
نشر في العدد 1577
نشر في الصفحة 60
السبت 15-نوفمبر-2003
مشاعر التقوى
فرحة في الدنيا وأخرى يوم القيامة لا ينالهما إلا الصائمون الذين لبوا نداء الله وسعدوا بأيام رمضان ولياليه
يا خفقة الروح إذ تصفو من الكدر.. ولذة النفس بالترتيل في السحر
يقول الشاعر عبد الوهاب المرصفي مشيرًا إلى مظهر من المظاهر التي تعم الحياة حين يهل رمضان حيث تفيض الحيوية بالمساجد فتمتلئ بالمصلين والصائمين الأتقياء:
كل المساجد أشرقت وتزينت
بالصائمين القائمين على التقى
رمضان يا نجم الشهور وهامها
والكون في شرف الوصال تعلقا (۱)
ورمضان حين يقبل يكون بمثابة ضيف خفيف زائر سرعان ما تنتهي زيارته، ولكن في زيارته يترك أثراً كبيراً كما تترك الغمامة التي تسقط الأمطار، فتبعث في الطبيعة الحياة وتنفخ فيها الروح بإذن الله، حيث تشق الأرض عن نباتات ذات بهجة وزروع من كل الثمرات، أشكال وألوان لا حصر لها، هكذا رمضان يفعل ببني الإسلام الذين يلبون نداء الواحد الغفار، فيقول الشاعر:
فديتك زائرًا في كل عام
تحيا بالسلامة والسلام
وتقبل كالغمام يفيض حينًا
ويبقى بعده أثر الغمام
وكم في الناس من كلف مشوق
إليك وكم شجي مستهام (۲)
ورمضان حين يقبل، يصوم المسلمون نهاره ويقومون ليله اتباعاً لسنة المصطفى ﷺ، حيث يقف المسلمون خاشعين لله صفاً واحداً تتساوى فيه الدرجات، فلا فارق بين حاكم أو محكوم، فكل الناس سواسية كلهم عند خالقهم سواء، حيث ترتفع أيديهم في عنان السماء وتردد ترنيمات الأدبية والابتهالات وتتعانق وقفاتهم مع دخول الفجر، حيث تتنزل الملائكة تسأل عمن يطلب شيئاً من الله -عز وجل- حيث يشق الدعاء أجواز الفضاء مرتقياً إلى السموات العلا بلا حاجز أو حجاب يمنعه، فيقول الشاعر رمضان أبو غالية:
أعطت قيام الليل... سنة «أحمد»
نجوى ابتهالات ومحض دعاء!
يا حسنها والصف مؤتلف بها
والمؤمنون على فؤاد إخاء!
والأفق محراب، يردد في تقى
دعواتهم لله عرس سناء!
والفجر يا للفجر من أغرودة
لتبتل وقصيده.. لوفاء!
ودعاؤه الصعاد شقاق الدجى
بثاث نور الله في الأرجاء!
ترنيمة الإشراق تنفث روحها
في الكون هاتفة بكل حياء
يا أهل كون الله هبوا وابتغوا
من فضل ربكموا بلا إبطاء (۳)
ويقول الشاعر رمضان أبو غالية «في حديقة رمضان» إن الله عز وجل قد تكفل أن يبعث في نفس من لبى نداءه وصام هذا الشهر فرحتين، فرحة في الدنيا حيث يقضي ما عليه طاعة لربه وتلبية لندائه عز وجل، والفرحة الأخرى، ادخرها الله للصائمين في يوم لا ينفع مال ولا بنون:
لك فرحتان: تعجبك أولاهما
وتأجلت أخراهما ... للقاء!
هل أنت للأخرى استطعت تصوراً؟!
وأحطت بالأولى إحاطة راء؟
إن كان ذلك كان، فالصوم الذي
أصبحت فيه على أعز بناء
صوم كصوم الأنبياء أبعده
زلفي تزف إليك كل رجاء؟ (٤)
ولم يقف عطاء المنان عند بعث الروح فيمن لبي نداءه فيقول الشاعر:
تلك الحديقة إن رعتك ربوعها
أعطتك في الإيمان ثر عطاء
أعطتك حب الله، صمت لأجله
فاغنم من المنان خير جزاء
يا سعد من ولى الإله جزاءه
وقضى بذلك محكم الأنباء (٥)
والشاعر رمضان أبو غالية يصف التجليات الرمضانية لبعث الحياة في النفوس والارتقاء بها إلى الدرجات العلا:
أيقظتنا من غفلة وشقاء
وهززتنا في رحمة استدعاء
ودعوتنا لحديقة علوية
عطرية الأنفاس والأجواء
غنت طيور الحب فوق غصونها
للعالمين ورنمت بحداء
والكون أجمع هب من غفلاته
ليرى انبعاث الروح بالأحياء (٦)
ويناجي الشاعر رمضان الذي تسمو فيه الروح، وتزول فيه السقام والأكدار، وتتلذذ النفوس بتلاوة القرآن الكريم وترتيله قائلًا:
يا خفقة الروح إذ تصفو من الكدر
ولذة النفس بالترتيل في السحر
حبيت يا خير شهر فيه أنزلت الـ
آيات من محكم القرآن والسور
لم تغمر الظلمة الدكناء ليلك في
مسارح النور بين الشهب والقمر (۷)
وفيه ليلة القدر التي يتبعها الخير والنعيم ويكللها الأمل الكبير ويبارك الله عز وجل في وقتها، إذ يزداد فيها جزاء العمل وكأنها ألف شهر، يقول محمد رائف: (۸)
في ليلة القدر يأتي الخير والأمل
وكأنها ألف شهر كلها عمل
فيها السلام وفيها الأمن لا الوجل
فالخير منطلق والشر معتقل
وقد استطرد الشعراء للإشادة بليلة القدر والدعوة إلى أن نغتنم هذه الليلة المباركة بالقيام والتهجد والتهليل والتحميد والإكثار من ذكر الله تعالى والدعاء بقلب خاشع، يقول الشاعر:
وفيه ليلة في ألف شهر
مباركة يكللها النماءُ
فقوموها تفوزوا في رضاء
من الغفار إن حان الجزاءُ
وزيدوا بالدعاء فإن فيه
بأمر الله تنفتح السماءُ
وعيشوا في رحاب الله روحاً
من الدنيا يخلصها النقاءُ (۹)
وفي العشر الأواخر من رمضان تأتي ليلة القدر التي تتنزل فيها الملائكة فرحة مسرورة تحتفي بالذين لبوا نداء الله عز وجل بصوم هذا الشهر، وهنا يشير الشاعر لآيات الذكر الحكيم: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ﴾ (القدر: ٤).
فيك يحلو ذكر أي وابتهال في الصلاة
والتسابيح اشتياق وعناق الصالحات
في ثنايا العشر يخفى كنز كل الأمنيات
ليلة القدر تجلى للقلوب الزاكيات
تنزل الأملاك والروح بأنوار الهبات
من لدن رب كريم خالق للكائنات (۱۰)
ويذكرنا الشاعر بنزول القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه في تلك الليلة التي لا توازيها السنوات الطوال:
شهر إذا سميته بصفاته
سجلت شهر الصوم والصلوات
بل شهر ربي فيه قد نزل الهدى
في ليلة جلت عن السنوات
فيها الملائكة الكرام لقدرها
يتنزلون بسابغ الرحمات (۱۱)
والشاعر جاك صبري شماس يناجي ليلة القدر ويبتهل إلى الله -تعالى- أن يجعل له فيها نصيبًا من الرحمات، فيقول:
يا ليلة القدر المبارك بالهدى
فالعبد يأمل رحمة غفرانا
يممت نورك والأماني جمة
أن نستعيد القدس والجولانا (۲)
ويشير الشاعر المرصفي إلى ما توج به هذا الشهر من الفيوضات الربانية والتكريم الإلهي وعلى رأسها ليلة القدر:
بك ليلة عبق الزمان بعطرها
يا حظ من نال المرام وأعتقا
هي ليلة القدر التي بوركت
وتشرفت بالذكر جاء موثقا
والشاعر عمر بهاء الأميري يحلق بنا في مشارق الليل المنير، حيث الليلة القدسية الأضواء التي تتهلل فيها الدنيا وتبتهل فيها الجوارح عل كل جارحة تأخذ منها بحظ وافر أو يكون لها نصيب وتطير فيه الأنفس وتجوب الكون؛ لتنال من نفحات هذه الليلة التي لا يوازيها ألف شهر من عمر الزمن، وقد طارت نفس الشاعر إلى ما فوق الأثير تبتغي أن تنال من سنا هذه الليلة عبيرًا يضفي الحيوية على حياته فيقول في ديوانه «مع الله»:
يا رؤى الإشراق في الليل المنير
يا شذا الرضوان في الخلد النظير
هل لنفسي أمل في نفحة
من فيوض الله إن لج مسيري
هذه روحي حامت ولهاً
وسمت فوق أجواء الأثير
تبتغي من ليلة القدر سنا
ليتها تنعم منها ... بعبير (١٤)
والشاعر أحمد صدوق صافي في قصيدته «موسم الخير» يبتهل إلى الله تعالى أن يجعل له من صومه زاداً وافياً يوم لا ينفع مال ولا بنون، ويتقبل منه صومه، وقيامه ويجازيه الجزاء الأوفى ويكون له في باب الريان نصيب، حيث يدخل منه الصائمون يوم القيامة مصداقاً لقول رسول الله ﷺ: «إن في الجنة باباً يقال له الريان يدخل منه الصائمون يوم القيامة لا يدخل منه أحد غيرهم يقال: أين الصائمون؟ فيقومون لا يدخل منه أحد غيرهم فإذا دخلوا أغلق فلم يدخل منه أحد» (متفق عليه).
يا رب حقق بالصوم منزلة
کیلا تزل بيوم العرض اقدام
إني لأطمع بـ«الریان» أسكنه
بابًا إلى الخلد يسعى فيه صوام
ويفرح العبد في عفو ومغفرة
والعتق عيد لمن صاموا ومن قاموا (١٥)
ويذكرنا الشاعر عبد المنعم عبد الله بنزول القرآن، ويوقظ فينا مشاعر حب الخير وطاعة الله عز وجل بتلاوة القرآن الكريم واغتنام هذه الفرصة السانحة لنرقى مع آيات الله عز وجل، يقول الشاعر في قصيدته «أنا صائم»:
شهر أتى القرآن فيه هداية
من قال بالقرآن فهو مصدق
فاتلوا الكتاب ورتلوا آياته
من يتل يرق إلى العلا ويحلق (١٦)
فرمضان مصدر للسلام النفسي الذي يكاد يضيع في ثنايا الحياة المعاصرة بأعبائها وشجونها، وضخامة ملذاتها التي تذهل النفوس الضعيفة، إذ يصبح التغلب عليها صعبًا، إلا عند الذين يعيشون مع الله وبالله، ويقدسون طاعة الله عز وجل، لذا فإنهم حينما يركنون لطاعة الله سبحانه ينالون رضاه الذي يعد أكبر صور السلام فيقول السنوسي:
رمضان نجوی مخلص
للمسلمين والسلام
تسمو بها الصلوات
والدعوات تضطرم اضطرام
الله جل جلاله
ذي البر والمنن الجسام
أن يلهم الله الهداة
الرشد في كل اعتزام (۱۷)
ويشير الشاعر محمد رائف المعري في قصيدته «أهلا رمضان»، في الخير الذي يطفو على رونق هذا الشهر الكريم وسحائب الرحمة التي تظلل فوق سطحه، وتملأ جوهره، وتغذيه بشيء من الروحانية الجمة.
رمضان شهرك بالأفضال متصل
فيك الثواب وعنك الشر مرتحل
من صامه بتقى جاء الخير ينهمل
إن في لياليك للديان يبتهل (۱۸)
ويذكرنا الشاعر أحمد سالم باعطب بما اختص به هذا الشهر من الأمجاد التاريخية والبطولات التي سعد بها المسلمون وكانت لهم نورًا يستضيئون بها ويتخذونها عبرة ونبراسًا في شتى صور الحياة فهو مبعث الخير للأمة، ومنطلق النصر المؤزر على الأعداء.
وما حطين عنا ببعيدة، فقد حقق الجيش الإسلامي فيها نصرًا مؤزرًا، والمواقع والانتصارات والأمجاد التي تحققت في هذا الشهر كثيرة لا يمكن حصرها فيقول الشاعر:
كم للبطولة فيك من إشراقة
بالنصر تسحب ذيلها تبختر
فجرت في بدر ينابيع الفدا
كثبانها مسك يضوع وعنبرُ
وحملت من حطين أروع لوحة
مازلت ذا شغف بها تستأثرُ (۱۹)
ويدعونا الشاعر «عبدالرزاق الخالدي» أن نغتنم أيام رمضان بالصوم، ولياليه بالقيام وتلاوة القرآن، ونترك حياة اللهو وتجتهد في الطاعات وفعل الخيرات:
فاغنم لياليه وكرم يومه
بالصوم عن زور وعن بهتان
فاجهد وشمر فيه ساعد كيس
لا عاجزاً تبع الهوى بأمان
أما الشاعر شوقي محمود أبو ناجي في قصيدة «يا رمضان»، فيشكو حال الأمة إلى الله سبحانه عله ينقذها -بما يحدثه من تغيير في سلوكيات الأمة وحياتها- من غياهب الجهل والضلال والانحلال الذي راح يفشي سمومه في أجسادهم والوهن والضعف في ثنايا صدورهم، ويدعوه أن يبعث فيهم الشهامة والشجاعة والإقدام ويزرع فيهم النخوة، وأن يقتفوا أثر المسلمين الأوائل ويكونوا حصناً منيعاً للذود عن حياض الإسلام، فيقول الشاعر في قصيدته «يا رمضان» (۲۱).
أقبل أيا شهر الصيام لعلنا
نستاف ريح العز والعبق الندي
أقبل بنورك فالظلام تسللت
كفاه تجدل في عروق المجهد
ثم يقول:
طغت الدناءة في غياب فوارس
كانت تؤدب كل عاد مفسد
كنا وكنا الدين ملء قلوبنا
قبسًا من النور السني السرمدي
ثم يقول أيضًا:
أقبل أيا رمضان وامح مهانة
زحفت بزيف غبارها المتلبد
وادع النساء يلدن فينا خالدًا
ليرد ما سلب الغشوم المعتدي
ولعل مثل أبي عبيدة ينبري
بالسيف يضرب رأس كل معربد
وإذا دعا داعي الجهاد رأيتهم
هزوا أسنتهم وخير مهند
خافوا الإله فلم يعد متجبر
في الأرض إلا هاب أهل المسجد
وهكذا استطاع شعراؤنا أن تصف قرائحهم المتوقدة مدى لهتفهم إلى رؤية هلال هذا الشهر والائتناس بقدومه والبقاء في معيته والتجول في رياضه الروحية لتنتشي من عبق أزاهيره واريحها مدى شهر كامل في حياة منعمة بكل ألوان السمو الروحي والرحمات الإلهية العطرة التي تكسو الدنيا من رونقها وعبيرها الفياض، كما وفق الكثير من الشعراء في استلهام بعض العبر والعظات والحكم والخصال والسمات التي تميز هذا الشهر عن غيره.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل