; رمضان في فلسطين.. تحت الحصار وعلى موائده تجتمع الأحزان | مجلة المجتمع

العنوان رمضان في فلسطين.. تحت الحصار وعلى موائده تجتمع الأحزان

الكاتب وسام عفيفة

تاريخ النشر السبت 08-نوفمبر-2003

مشاهدات 88

نشر في العدد 1576

نشر في الصفحة 30

السبت 08-نوفمبر-2003

في غزة لم تجف الدماء بعد.. ومشاهد الحزن تخيم على أحيائها ومازالت المستشفيات تعج بضحايا الاجتياحات الأخيرة.

لرفح دائمًا موعد خاص مع رمضان بعمليات القتل الجماعي.

نابلس: الفقر المتزايد يحرم الآباء من شراء ما اعتادوا تقديمه لأبنائهم في الشهر الكريم.

بين تشييع الشهداء والإفطار على الحواجز والسحور على قصف الدبابات والطائرات عاش الفلسطينيون أول أسبوع من شهر رمضان المبارك بينما رفع المصلون في مساجد الضفة والقطاع كافة أكفهم بالتضرع والابتهال إلى الله في صلوات التراويح بان يعجل بالنصر ويزيل الغمة ويتقبل الشهداء ويشفي الجرحى حيث سقط مع إطلالة شهر رمضان وأول أسبوع منه ١٥ شهيدًا، وكعادته كل عام يأبى الاحتلال إلا أن يحقن السم والعلقم في فرحة رمضان وأن يحول هذه الفرحة إلى مرارة في حلوق الآلاف من الفلسطينيين.

سحور تحت دوي الانفجارات: أهالي مدينة الزهراء وسط قطاع غزة أمضوا سحور أول يوم في رمضان في العراء وتحت دوي الانفجارات، وأجبرت قوات الاحتلال في ساعة متأخرة من الليل سكان المدينة والبالغ عددهم خمسة آلاف مواطن على الخروج من منازلهم بعد تهديدهم بتفجير العمارات على رؤوس ساكنيها، وقال مواطنون من الحي إنهم كانوا يستعدون لتناول وجبة السحور في اليوم الأول من رمضان وإذا بهم يفاجؤون بمكبرات الصوت تنبعث من الدبابات الإسرائيلية تنادي عليهم بالخروج من منازلهم والتوجه إلى مخيم النصيرات جنوبًا وعزمها على تفجير المباني وخلال دقائق معدودة كان الآلاف من المواطنين يتركون منازلهم وقد حملوا أطفالهم الصغار الذين كانوا مستغرقين في النوم وتوجهوا إلى المخيم. يقول المواطن غسان خضر «موظف بوزارة الشؤون الاجتماعية»: «لقد كان المشهد مريعًا، الآلاف من الناس يتزاحمون للخروج من منازلهم خشية تعرضهم للقصف والموت تحت الهدم.. رأيت أطفالاً يهربون وهم يحملون أمتعة على ظهورهم كما شاهدت نساء وهن يحملن أطفالهن ويجرين بدون وعي» وذكر مواطن آخر أن المشهد ذكره بالنكبة عام 48 وقال: «رأيت الناس يسيرون في طوابير وهم خارجون من مساكنهم ومتجهون إلى مخيم النصيرات جنوبًا كان الخوف والقلق باديان عليهم لأن العدد الكبير من الدبابات والجرافات أشعرهم بأن الحي بأكمله سيتعرض للتدمير والإبادة».

 رمضان في العراء: وفي رفع حيث تستمر معاناة المواطنين كانت القذائف والرشاشات الثقيلة قد بدأت عملها المعتاد فجر اليوم الأول من رمضان وقال مواطن ساخرًا: «يبدو أنهم يعملون على إيقاظنا لوجبة السحور».

 المشهد الأصعب في هذه المدينة المنكوبة أن مئات العائلات الفلسطينية التي هجرت منطقة الشريط الحدودي والمناطق المتاخمة لها اضطرت إلى أن تسكن في غرف مؤقتة في نادي شباب رفح الرياضي وفي نادي الخدمات الرياضي وبعض الأماكن العامة. وقال مواطن من عائلة عمر هدم الاحتلال منزله خلال الاجتياح الأخير إن واقعًا صعبًا ينتظر الناس هنا. لقد فقدوا كل شيء ولا تعرف بأي مشاعر نستقبل شهر رمضان. 

وأضاف «هناك عائلات موجودة في ملعب شباب رفح بعد أن فقدت المأوى».

 يذكر أن أكثر من ۱۱۲٠ منزلًا تم تدميرها في رفح منذ بداية الانتفاضة منها ۲۱۸ في الاجتياح الأخير وتوجد الآن أكثر من ٣٠٠ عائلة مشردة.

وذكر مواطنون أن لرفع دائمًا موعدًا خاصًا في رمضان إذ شهد رمضان الماضي عمليات قتل جماعية للعديد من المواطنين فيما شهر رمضان قبل الماضي في يومه الأخير سقوط نحو خمسة شهداء، فيما كان المواطنون يستعدون للعيد.

 ويقول المواطن أحمد برهوم: «يبدو أن جنود الاحتلال اعتادوا أن ينغصوا علينا فرحتنا بشهر رمضان وفاعليات القصف الليلي لا تتوقف كما أننا دومًا نخشى من محاولات اجتياح لهدم مزيد من البيوت.

 وذكر برهوم أن العديد من المساجد القريبة من الشريط الحدودي باتت خاوية لأن السكان لا يستطيعون الاقتراب منها لأداء الصلاة.

أحزان على الموائد:

ما يميز ساعة الإفطار في فلسطين تجمع المآسي على مائدة الإفطار لدى معظم الأسر الفلسطينية حيث فقدت الأسر إما شهيدًا أو جريحًا في المشفى أو أسيراً أو مبعدًا.

وفي غزة التي لم تجف الدماء فيها تخيم مشاهد الحزن على العديد من أحيائها، فبيوت العزاء لا تزال منصوبة ومازالت المستشفيات تعج بالجرحى والمصابين الذين سقطوا في عمليات القصف أو الاجتياح الأخير.

 في مستشفى الهلال بغزة كان أحمد يرقد على سرير العلاج بعد أن أصيب بعدة رصاصات في جسده منها في البطن والبعض الآخر في الظهر، يخشى أحمد أن يصبح معاقًا بسبب خطورة الإصابة في الظهر.

 وعن مشاعره بقدوم شهر رمضان يقول: «كنت أمل أن استقبل رمضان في منزلي بين والدي وأشقائي، لكن هذا الاحتلال البغيض قلب حياتنا رأسًا على عقب».

في مستشفى الشفاء بغزة هناك العشرات من المصابين الذين أصيبوا جراء الغارات الإسرائيلية الأخيرة على غزة والتي أسفرت عن سقوط نحو ١٢ شهيدًا بعض هؤلاء المصابين معرض لأن يصبح معاقًا بسبب رصاصات أصابت العمود الفقري.

رمضان تحت الحصار:

أما مدن الضفة الغربية فعامًا بعد عام، يتواصل الحصار عليها وتختنق حياتهم بأسوار تتعالى يوماً بعد آخر وتنتهك مدنهم وقراهم... حواجز وآليات تنتشر في المداخل... صورة مأساوية وقائمة تعيشها مدن الضفة الغربية التي يحاول من تيسر فيها حاله سد حاجة أخيه رغم ضيق ذات اليد.

مدينة نابلس، على سبيل المثال، ما عادت تعيش أجواء رمضان الحقيقية التي إعتادها الناس هناك منذ سنوات. فالشوارع خالية والمارة مجرد متجولين لا متسوقين، أصحاب محلات الحلويات والكنافة التي تشتهر بها المدينة وقفوا وكأن على رؤوسهم الطير، ليس هذا سوق رمضان بنابلس وليست تلك الحركة التجارية المعروفة فيه.

ما يزيد من أوضاع المواطنين الاقتصادية صعوبة في رمضان أن هذا العام هو الثاني الذي تعاني فيه المدينة غياب سوق رمضان الحقيقي، فقد كانت نابلس خاضعة لعمليات عسكرية صهيونية متتالية خلال رمضان الماضي وخضعت لأيام طويلة لنظام منع التجول، ويزيد من الوضع صعوبة اعتماد الكثير من المواطنين والتجار والباعة بشكل خاص على هذا الشهر كموسم أساسي لتسويق سلعهم وبيع منتجاتهم مثل باعة الحلويات الذين أكدوا أن معدل بيعهم في أول يومين من رمضان أقل من نصف مثيله خلال سنوات ما قبل الاجتياح والحصار.

وتعاني نابلس المدينة المركزية في شمال الضفة الغربية من الحصار المشدد الذي يمنع المواطنين في القرى المجاورة والمحافظات الأخرى من دخول المدينة للتزود بحاجياتهم ومشترياتهم فيما حرم الفقر المتزايد والمشتد على كاهل المواطنين، الكثير من الآباء من شراء ما اعتادوا تقديمه لأبنائهم في رمضان باعة السوس والخروب والقطايف بالجبن النابلسي الشهير يؤكدون أن انخفاض أسعار تلك السلع هو ما يشجع المشترين للتوافد عليها وإن كانوا بأعداد تقل كثيرًا عن المتوقع والمعتاد في السنوات السابقة.

 ويعلل حمدي ناصر وهو بائع كلاج في البلدة القديمة ذلك بالقول: «قد لا يملك المشتري أكثر من ثلاثة شواكل» فإن اختار كيف سيصرفها فإنه بالتأكيد سوف يشتري الخبز بدلًا من القطايف والأرز بدلًا من الخروب، هناك أمور اعتادها الناس لكن ضيق ذات يد الكثيرين منهم وفراغ جيوبهم مع انعدام العمل وتراجع الدخل تجعل الناس يتعاملون بمبدأ الأولوية للأغراض والسلع الأساسية. 

لم يبق للفلسطينيين من رمضان سوى العبادة رغم أنهم حرموا من الوصول إلى المسجد الأقصى، وما يلهمهم الصبر والسلوان في هذا الشهر الدعاء ومناجاة الكريم بعد أن عز المجيبون لنجدة إخوانهم.

الرابط المختصر :